يعتبر مفهوم المسؤولية جزءًا أساسيًّا من تنفيذ القانون واحترامه وغالبًا ما يرتبط حقٌّ ما بالتزام متبادَل. وفي حال انتهاك هذا الالتزام، وقد يؤدي عدم التقييد بهذا الالتزام إلى تحمل الشخص المعني المسؤولية المدنية أو الجنائية. ولا يمكن تحميل المسؤولية الجنائية إلا إذا كان عدم التقييد بالتزام معين قد تم تعريفه على أنه جريمة أو جنحة جنائية بموجب القانون الجنائي الوطني أو الدولي. وتسمح المسؤولية المدنية بالتعويض المالي عن الأضرار التي لحقت بالآخرين بسبب السلوك غير المشروع لفرد أو منظمة.
المسؤولية الجنائية هي في المقام الأول مسؤولية فردية، بما في ذلك الجرائم المعترف بها بموجب القانون الجنائي الدولي مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية أو العدوان قد يُحمَّل الكيان القانوني، باستثناء الدول، المسؤولية الجنائية في بعض الأحيان من خلال ممثليه، لكن هذه الإمكانية تقتصر على جرائم محددة معينة.
تقتصر المسؤولية الجنائية الفردية لرؤساء الدول والحكومات والممثلين الدبلوماسيين وغيرهم من وكلاء الدولة أو المنظمات الدولية أمام المحاكم الوطنية على قواعد محددة للحصانة القضائية. ومع ذلك، لا تنطبق هذه الحصانات في الإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وهناك نظام آخر محدد للمسؤولية الدولية ينطبق على الدول في حالة خرق التزاماتها الدولية تجاه دولة أخرى أو ارتكاب أفعال تعتبر غير قانونية دوليًّا. وتتحمل الدولة المسؤولية عن أفعال موظفيها، ولا سيما قواتها المسلحة، ولكن أيضًا عن الأفراد أو الجماعات التي ثبت أنها تعمل فعليًّا تحت سيطرة الدولة. محكمة العدل الدولية هي الهيئة المنشأة بموجب ميثاق الأمم المتحدة للفصل في مسائل المسؤولية بين الدول المعنية والبت في التعويض عن أي ضرر يلحق بدول أخرى بسبب أفعالها غير المشروعة.
كما أن احترام حقوق الإنسان يستند إلى مسؤولية الدول فيما يتعلق بالالتزامات التي تعهدت بها تجاه بعضها البعض بشأن احترام الحقوق الأساسية لمواطنيها والأشخاص الآخرين الموجودين في الأراضي التي تمارس عليها سيطرتها الفعلية. ويتم الحفاظ على احترام هذه الالتزامات من خلال عدد من الصكوك التي تنص على أشكال مختلفة من الانتصاف، سواء قضائي أو غير قضائي، أمام مختلف المؤسسات الوطنية والدولية. مسؤولية الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان الدولية، والتي لا تزال في مرحلة مبكرة. ولا ينبغي الخلط بينها وبين الآليات التي تسمح بإثبات المسؤولية الجنائية الفردية أو مسؤولية الدولة في سياق العلاقات بين الدول.
ويستند احترام القانون الدولي الإنساني، المطبق في حالات النزاع المسلح، إلى جميع آليات مسؤولية الدولة والمسؤولية الفردية هذه. وفي الواقع، ينص القانون الدولي الإنساني على عدة التزامات محددة تقع على عاتق الدول بصفتها أطرافًا في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية وبصفتها أطرافًا متحاربة في نزاعات مسلحة دولية أو غير دولية.
وتستند مسؤولية الدولة إلى التزام مزدوج باحترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه (أولًا). كما يفرض القانون الدولي الإنساني ويحدد المسؤولية الجنائية الفردية لمختلف الجهات الفاعلة في التسلسل الهرمي المشاركة في النزاعات المسلحة. ويحدد المسؤولية الشخصية والجنائية للقادة العسكريين وغيرهم من الرؤساء (ثانيًا) ويحدد أيضًا المسؤولية الجنائية الشخصية للمقاتلين حتى لو كانوا يتصرفون وفقًا لأوامر رؤسائهم في التسلسل الهرمي (ثالثًا). ويمكن الطعن في هذه المسؤوليات المختلفة في سياق سبل الانتصاف التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني في حالة الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب.
لا يتناول القانون الدولي الإنساني مسؤولية المنظمات والعاملين في المجال الإنساني بشكل صريح، ولكنها تظهر بشكل ملموس في عمليات الإغاثة الإنسانية (رابعًا). يفرض وضع الجهات الفاعلة في مجال الإغاثة في حالات النزاع المسلح التزامات أخلاقية مهنية معترفًا بها في القانون الدولي الإنساني للحد من المشاركة غير الطوعية وأشكال أخرى من التواطؤ أو التساهل مع مرتكبي هذه الجرائم. كما أن للجهات الفاعلة في المجال الإنساني التزامات محددة بصفتها شهودًا على الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والجرائم الجماعية. وأخيرًا، تقرر الدول أحيانًا تجريم أنشطة الإغاثة الإنسانية وتحميل الجهات الفاعلة الإنسانية المسؤولية الجنائية على أساس أن هذه الإغاثة يمكن أن توفر دعمًا ماديًّا للأنشطة الإجرامية أو الإرهابية لبعض الجماعات. وفي جميع هذه الحالات، ينص القانون الدولي الإنساني على قواعد الحصانة الإنسانية والطبية والإعفاء من العقاب لضمان استقلالية وحياد العمل الإنساني وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
وتكمل السوابق القضائية للمحاكم الدولية وتوضح بعض العناصر التي تشكل هذه الأشكال المختلفة من المسؤولية.
➔ واجب القادة؛ حقوق الإنسان؛ مبادئ إنسانية؛ حصانة؛ لجوء الأفراد إلى المحاكم؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصَّتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ عقوبات جزائية في القانون الإنساني؛ حماية؛ تعويض (جبر الضرر)؛ احترام القانون الإنساني؛ عقوبات (دبلوماسية أو اقتصادية أو عسكرية)؛ جرائم حرب/جرائم ضد الإنسانية
أولًا- مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي الإنساني
قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بمسؤولية الدول (أ) تم تطويرها وتوضيحها من خلال الاجتهاد القضائي للمحاكم الدولية (ب).
ألف- قواعد القانون الدولي الإ نساني المتعلقة بمسؤولية الدول
يتضمن القانون الدولي الإنساني عددًا من الالتزامات التي تنشأ عنها مسؤولية دولية للدول عند انتهاكها. وتختلف هذه المسؤولية عن المسؤولية الفردية لموظفي الدولة، حتى عندما يتصرفون بناءً على أوامر.
يمكن للدولة التي تعرضت للضرر نتيجة لهذه الانتهاكات أن تستند إلى مسؤولية الدولة عن عدم التقيد بالالتزامات المفروضة عليها بموجب القانون الدولي الإنساني أمام محكمة العدل الدولية، وقد يؤدي ذلك إلى الحصول على تعويضات. قد يؤدي تقاعس الدولة عن مقاضاة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية على المستوى الوطني، في ظروف معينة، إلى دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى ممارسة اختصاصها. وفي الواقع، يتم تحديد اختصاص المحكمة في حالة ما من خلال تصديق الدولة على نظام روما الأساسي أو من خلال قرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إذا كانت تلك الدولة غير راغبة أو غير قادرة على مقاضاة الجناة المزعومين (المادة 17 من نظام روما الأساسي).
بناءً على الالتزام العام للدولة باحترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني على النحو المنصوص عليه في المادة الأولى من اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، تضع هذه الاتفاقيات قائمة بالالتزامات ذات الصلة والمحددة والملموسة للدولة. وقد اكتسبت الأحكام التعاهدية للقانون الدولي الإنساني المتعلقة بمسؤولية الدولة صفة القانون الدولي الإنساني العرفي. وبالتالي، فإنها تنطبق في جميع حالات النزاع المسلح الدولي وغير الدولي، على جميع الأطراف الحكومية وغير الحكومية في النزاع المسلح.
ينص القانون الدولي الإنساني الاتفاقي والعرفي على الالتزامات التالية التي تقع على عاتق الدول فيما يتعلق بمشاركتها في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية:
• تتعهد جميع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف "باحترام [القانون الدولي الإنساني] وضمان احترامه في جميع الظروف" (اتفاقية جنيف 4، المادة 1 المشتركة؛ البروتوكول 1، المادتان 1 و80(2)؛ القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة 139).
• في حالات الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات أو بروتوكولاتها الإضافية، تتعهد الدول الأطراف المتعاقدة السامية في هذه الاتفاقيات بالتصرف، بشكل مشترك أو فردي، بالتعاون مع الأمم المتحدة ووفقًا لميثاق الأمم المتحدة (البروتوكول 1، المادة 89).
• تلتزم جميع الدول بنشر نصوص القانون الدولي الإنساني على نطاق واسع بين قواتها المسلحة والمدنيين، في أوقات السلم والحرب (اتفاقية جنيف 1، المادة 47؛ اتفاقية جنيف 2، المادة 48؛ اتفاقية جنيف 3، المادة 127؛ اتفاقية جنيف 4، المادة 144؛ البروتوكول 1، المواد 83 (1)، و87 (2)؛ البروتوكول 2 المادة 19). ويشمل هذا الالتزام إدراج قواعد القانون الدولي الإنساني في اللوائح العسكرية، والتعليمات الموجهة إلى القوات المسلحة، وكتيبات تدريب القوات المسلحة، ومدونة الانضباط العسكري، وضمان تدريب القادة على هذه القواعد. وينبغي للدول أيضًا نشر القانون الدولي الإنساني على أوسع نطاق ممكن لإدراجه في برامج التعليم المدني حتى يتعرف جميع السكان على مبادئ القانون الدولي الإنساني.
• يتعين على كل دولة توفير مستشارين قانونيين، حسب الضرورة، لتقديم المشورة للقادة العسكريين على المستوى المناسب بشأن تطبيق القانون الدولي الإنساني (القاعدة 141 من القانون الدولي الإنساني العرفي).
• يجب على جميع الدول والأطراف في النزاع توفير تعليمات بشأن القانون الدولي الإنساني لقواتها المسلحة (القاعدة 142 من القانون الدولي الإنساني العرفي).
• يجب على جميع الدول تشجيع تعليم القانون الدولي الإنساني للسكان المدنيين (القاعدة 143 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي).
• تلتزم السلطات السياسية والعسكرية باتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان احترام الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني (اتفاقية جنيف 1، المادة 49؛ واتفاقية جنيف 2، المادة 50؛ واتفاقية جنيف 3، المادة 129؛ واتفاقية جنيف 4، المادة 146؛ والبروتوكول 1، المواد 80 (1)، 86، 87).
• تلتزم جميع الدول بسن أي تشريعات ضرورية لفرض عقوبات جنائية فعالة على الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب أي من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف (اتفاقية جنيف 1، المادة 49؛ واتفاقية جنيف 2، المادة 50؛ واتفاقية جنيف 3، المادة 129؛ واتفاقية جنيف 4، المادة 146).
• جميع الدول ملزمة بالبحث عن الأشخاص الذين يُزعم أنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب أي من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، وتقديم هؤلاء الأشخاص إلى محاكمها (اتفاقية جنيف 1، المادة 49؛ واتفاقية جنيف 2، المادة 50؛ واتفاقية جنيف 3، المادة 129؛ واتفاقية جنيف 4، المادة 146؛ البروتوكول 1، المادة 86). وذلك بغض النظر عن جنسية المتهم. وقد يشمل ذلك أيضًا أفراد قواتها المسلحة.
• جميع الدول مسؤولة عن جميع الأفعال التي يرتكبها أفراد قواتها المسلحة. علاوة على ذلك، إذا انتهكت دولة ما القانون الدولي الإنساني، فقد تُحاسب وتُجبر على دفع تعويضات (البروتوكول 1، المادة 91).
• لا يجوز لدولة ما أن تعفي نفسها أو أي دولة أخرى من أي مسؤولية تترتب على الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف التي ترتكبها سلطاتها أو رعاياها أو باسمها (اتفاقية جنيف 1، المادة 51؛ واتفاقية جنيف 2، المادة 52؛ واتفاقية جنيف 3، المادة 131؛ واتفاقية جنيف 4، المادة 148).
• الدولة مسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني المنسوبة إليها، بما في ذلك: (أ) الانتهاكات التي ترتكبها أجهزتها، بما في ذلك قواتها المسلحة؛ (ب) الانتهاكات التي يرتكبها أشخاص أو كيانات فوَّضَتْها القيام بقدر من السلطة الحكومية؛ (ج) الانتهاكات التي يرتكبها أشخاص أو جماعات تعمل فعليًّا بناءً على تعليماتها أو تحت إشرافها أو سيطرتها؛ (د) الانتهاكات التي يرتكبها أفراد أو جماعات خاصة تعترف بها وتتبناها كتصرفات صادرة عنها (القاعدة 149 من القانون الدولي الإنساني العرفي).
• يتعين على الدولة المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني في سياق نزاع مسلح دولي أو غير دولي أن تقدم تعويضًا كاملًا عن الخسائر أو الأذى الذي تسبَّبت به الانتهاكات (القاعدة 150 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي).
• تحقق الدول في جرائم الحرب التي يُزعم ارتكابها من قِبَل مواطنيها أو قواتها المسلَّحة على أراضي الغير، أو على أراضيها، ومحاكمة المشتَبَه بهم عند الاقتضاء، وتحقق أيضًا في جرائم الحرب الأخرى الداخلة ضمن اختصاصها، ومحاكمة المشتبَه بهم عند الاقتضاء (القاعدة 158 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي).
• تبذل الدول ما في وسعها لتتعاون إلى الحد الممكن، بعضها مع بعض، لتسهيل التحقيق في جرائم الحرب ومحاكمة المشتبَه بهم (القاعدة 161 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي).
⚖ باء- اجتهادات المحاكم الدولية بشأن مسؤولية الدولة
أثبتت السوابق القضائية للمحاكم الدولية مسؤولية الدولة عن أفعال موظفيها وأجهزتها (1) وكذلك عن أفعال الجماعات المسلحة التي تعمل تحت سيطرتها (2).
1- مسؤولية الدولة عن سلوك موظفيها وأجهزتها
في عدد من القضايا، قضت محكمة العدل الدولية بأن سلوك أحد أجهزة الدولة يثير دائمًا مسؤولية تلك الدولة، دون الحاجة إلى إثبات أن هذه الجماعة تصرفت بناءً على أوامر الدولة أو أنها تجاوزت تلك الأوامر.
وأكدت محكمة العدل الدولية أنه "وفقًا لقاعدة راسخة في القانون الدولي، وهي قاعدة عرفية الطابع، يجب اعتبار سلوك أي جهاز من أجهزة الدولة عملًا من أعمال تلك الدولة" (الخلاف المتعلق بحصانة مقرر خاص للجنة حقوق الإنسان من الإجراءات القانونية، فتوى استشارية، 29 نيسان/أبريل 1999، تقارير محكمة العدل الدولية 1999، ص 87، الفقرة 62؛ الأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، الحكم، 19 كانون الأول/ديسمبر 2005، تقارير محكمة العدل الدولية 2005، ص 168، الفقرة 213).
في قضية الأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو، قضت محكمة العدل الدولية بأن "سلوك الجنود والضباط الأفراد في قوات الدفاع الشعبية الأوغندية (مجموعة موجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية) يعتبر سلوكًا لجهة حكومية [...] بحكم الوضع العسكري [...]. وبالتالي، فإن الادعاء بأن الأشخاص المعنيين لم يتصرفوا بصفتهم أشخاصًا يمارسون سلطة حكومية في الظروف المعينة، هو ادعاء لا أساس له" (الفقرة 213). وفي القضية نفسها، قضت محكمة العدل الدولية بأن مسألة ما إذا كان جنود قوات الدفاع الشعبية الأوغندية قد تصرفوا خلافًا للأوامر أو تجاوزوا سلطتهم هي أيضًا مسألة غير ذات صلة بإسناد سلوكهم إلى أوغندا. وأكدت المحكمة أنه "وفقًا لقاعدة راسخة ذات طابع عرفي، على النحو الوارد في المادة 3 من اتفاقية لاهاي الرابعة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907 وكذلك في المادة 91 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1949، يكون طرف النزاع المسلح مسؤولًا عن جميع الأفعال التي يرتكبها الأشخاص الذين يشكلون جزءًا من قواته المسلحة" (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، 19 كانون الأول/ديسمبر 2005، تقارير محكمة العدل الدولية لعام 2005، الفقرة 214).
2- مسؤولية الدولة عن سلوك الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تعمل تحت سيطرتها
أثيرت مسألة مسؤولية الدولة عن الأفعال التي ترتكبها الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تعمل تحت سيطرتها في ثلاث قضايا رئيسية نظرت فيها محكمة العدل الدولية: الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)، حيثيات القضية، الحكم، 27 حزيران/يونيه 1986، تقارير محكمة العدل الدولية 1986، الصفحة 14، الفقرات 109-116؛ تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (البوسنة وال الهرسك ضد صربيا والجبل الأسود)، الحكم، 26 شباط/فبراير 2007، تقارير محكمة العدل الدولية 2007، ص 43، الفقرات 391-407 والأنشطة المسلحة في إقليم الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا)، الحكم الصادر في 19 كانون الأول/ديسمبر 2005، تقارير محكمة العدل الدولية لعام 2005، الصفحة 168، الفقرات 157-161-، 213-214، 220، 245، 248-250، 277، 300 و301.
وتحدد هذه القرارات مستويات السيطرة المختلفة - الكلية أو الفعلية أو الشاملة - المطلوبة لكي تنسب أفعال جماعة مسلحة غير حكومية قانونًا إلى دولة ما.
في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كان على محكمة العدل الدولية أن "تحدد [...] ما إذا كانت علاقة الكونتراس بحكومة الولايات المتحدة علاقة تبعية من جهة وسيطرة من جهة أخرى بحيث يكون من الصواب، لأغراض قانونية، اعتبار الكونتراس جهازًا من أجهزة حكومة الولايات المتحدة أو وكيلًا عنها" (الفقرة 109). ورأت المحكمة أن مشاركة دولة في تمويل جماعة مسلحة غير حكومية وتنظيمها وتدريبها وتزويدها بالمعدات لا تكفي لغرض إسناد الأفعال أو انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها هذه الجماعة إلى الدولة المعنية (الفقرة 115). ولكي يؤدي هذا السلوك إلى مسؤولية قانونية للدولة، "يجب من حيث المبدأ إثبات أن تلك الدولة كانت تسيطر فعليًّا على العمليات العسكرية أو شبه العسكرية التي ارتكبت خلالها الانتهاكات المزعومة" (الفقرة 115). ويعني هذا "السيطرة الفعلية" الاعتماد الكامل للجماعة على الدولة، أو أن الدولة قد أمرت الجماعة مباشرة بارتكاب الأفعال الإجرامية المزعومة. وإذا لم يتم الوصول إلى هذه الدرجة من السيطرة، تظل الدولة مسؤولة عن سلوكها، لا سيما إذا اعتبر الدعم المقدم للجماعة المسلحة غير قانوني وإذا كانت الدولة على علم بالانتهاكات التي ارتكبتها هذه الجماعة (الفقرة 116).
في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، كان على محكمة العدل الدولية أن تقرر ما إذا كانت أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة جماعات مسلحة غير حكومية لا تنتمي إلى أجهزة صربيا والجبل الأسود يمكن أن تنسب إلى تلك الدولة وتؤدي إلى مسؤوليتها الدولية بحكم السيطرة التي تمارسها على تلك الجماعات. وطورت محكمة العدل الدولية الحجج التي استخدمتها في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية وقررت أن "الأشخاص أو الجماعات أو الكيانات يمكن، لأغراض المسؤولية الدولية، أن تعامل على أنها أجهزة دولة [...] شريطة أن يكون هؤلاء الأشخاص أو الجماعات أو الكيانات يعملون في الواقع في 'اعتماد كامل' على الدولة، التي هم في نهاية المطاف مجرد أداة لها" (الفقرة 392). وأشارت المحكمة إلى أن مفهوم "الاعتماد الكامل" وغياب الاستقلالية ضروريان لكي يتم اعتبار الجماعة المسلحة غير الحكومية، بحكم الواقع، وكيلًا للدولة، وبالتالي تنشأ مسؤولية الأخيرة عن الأفعال المرتكبة (الفقرة 393). وأضافت المحكمة حالة أخرى يمكن أن تنشأ فيها مسؤولية الدولة. ففي حالة عدم وجود معيار "الاعتماد الكامل"، يمكن أن تنسب أفعال جماعة مسلحة غير تابعة للدولة إلى الدولة المعنية إذا ثبت أنها تصرفت وفقًا لتعليمات تلك الدولة أو تحت "سيطرتها الفعلية" (الفقرة 400). وفي هذا القرار، رفضت محكمة العدل الدولية صحة مفهوم "السيطرة الشاملة" الذي طورته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية تاديتش (الفقرات 404-406).
في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، أوردت محكمة العدل الدولية المعايير والأشكال المختلفة لمسؤولية الدولة في الحالات التي تدعم فيها الدولة أنشطة الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تعمل من أراضيها في أراضي دولة مجاورة. غير أنها نفت هذه المسؤولية في الحالات التي تقتصر فيها الدولة على الإخلال بواجبها في توخي الحذر وتتسامح مع هذه الأفعال أو تكون عاجزة عن السيطرة على هذه الجماعات في أراضيها (الفقرة 300).
ثانيًا- مسؤولية القادة بموجب القانون الدولي الإنساني
يعترف القانون الدولي الإنساني بالطبيعة الهرمية للقوات المسلحة والانضباط الذي يفرضه القادة. ولذلك، يفرض التزامات محددة على القادة، وفي حالات معينة، يحملهم المسؤولية الجنائية الفردية ليس فقط عن أفعالهم وإهمالهم، بل أيضًا عن أفعال وإهمال مرؤوسيهم أو الأشخاص الخاضعين لسيطرتهم الفعلية.
☞ يجب أن يقترن مبدأ السلطة دائمًا بمبدأ المسؤولية. وتشمل هذه المسؤولية الأفعال والإهمال على حد سواء.
يجب على القائد أن يضمن أن المقاتلين الخاضعين لمسؤوليته على دراية بقواعد القانون الإنساني (البروتوكول 1، المادة 87(2)).
يحمل القانون الدولي الإنساني القادة المسؤولية الجنائية إذا:
• يصدرون لمرؤوسيهم أوامر تنتهك القانون الإنساني.
• يسمحون لمرؤوسيهم بارتكاب مثل هذه الانتهاكات.
• يفشلون في معاقبة المرؤوسين الذين ينتهكون القانون الإنساني بمبادرة شخصية منهم.
• لا يمنعون مثل هذا الانتهاك إذا ما عرفوا به، أو توفرت لديهم معلومات مكَّنتهم من الاستنتاج بأن مثل هذا الانتهاك كان يُرتكَب أو سيُرتكَب (اتفاقية جنيف 1 المادة 49؛ اتفاقية جنيف 2 المادة 50؛ اتفاقية جنيف 3 المادة 129؛ اتفاقية جنيف 4 المادة 146؛ البروتوكول 1 المادة 86 (2)؛ القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدتان 152 و153).
ويجوز تحميل القادة المسؤولية أمام المحاكم الوطنية أو المحاكم الأجنبية (وفقًا لمبدأ الاختصاص العالمي) أو أمام المحكمة الجنائية الدولية.
تم الاعتراف بمسؤولية القادة ومسؤوليتهم الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم في ظل ظروف معينة كقاعدة عرفية من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي ومن قبل القانون الجنائي الدولي، ولا سيما من قبل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. بموجب المحكمة الجنائية الدولية، تمتد المسؤولية الجنائية للقادة العسكريين لتشمل الرؤساء الآخرين، بمن فيهم المدنيون (نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 28). وينعكس ذلك في القواعد التالية من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي والقانون الجنائي الدولي:
- القادة والأشخاص الآخَرون الأرفع مقامًا مسؤولون جزائيًّا عن جرائم الحرب التي تُرتكَب بناءً على أوامرهم (القاعدة 152 من القانون الدولي الإنساني).
- القادة والأشخاص الآخَرون الأرفع مقامًا مسؤولون جزائيًّا عن جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا عرفوا، أو كان بوسْعهم معرفة أن مرؤوسيهم على وشك أن يرتكبوا، أو كانوا يقومون بارتكاب مثل هذه الجرائم، ولم يتخذوا كل التدابير اللازمة والمعقولة التي تخوِّلها لهم سلطتهم لمنع ارتكابها، أو لمعاقبة الأشخاص المسؤولين عنها إذا ارتكبت مثل هذه الجرائم (القاعدة 153 من القانون الدولي الإنساني العرفي).
تؤكد المادة 28 من نظام روما الأساسي المسؤولية الجنائية للقادة وغيرهم من الرؤساء عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم نتيجة لفشل الرؤساء في منع هذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها. وتوسع نطاق المسؤولية الجنائية للقادة وغيرهم من الرؤساء لتشمل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، سواء ارتكبت في نزاعات مسلحة غير دولية أو دولية. وينطبق ذلك على جميع الأشخاص دون أي تمييز على أساس الصفة الرسمية. وبالتالي، فإنه يجعل من الممكن تحميل القادة العسكريين الذين يمارسون وظائف رسمية أو يعملون كسلطات فعلية المسؤولية الجنائية. وينطبق الأمر نفسه على الرؤساء الآخرين، بمن فيهم المدنيون (المادتان 27 و33 من نظام روما الأساسي).
ب. السوابق القضائية للمحاكم الدولية
بالإضافة إلى أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد القانون الجنائي الدولي، ساعدت قرارات المحاكم الجنائية الدولية في توضيح التطبيق العملي للمعايير والشروط المتعلقة بالمسؤولية الجنائية للقادة أو الرؤساء الضباط، وكذلك الظروف المشددة والمخففة المرتبطة بمثل هذه الحالات.
تشترط المحاكم الجنائية الدولية إثبات أربعة عناصر بما لا يدع مجالًا للشك قبل أن يتحمل شخص ما، بصفته رئيسًا، المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبها مرؤوسوه:
- وجود علاقة الرئيس والمرؤوس بين المتهم ومرتكب الجريمة الأساسية؛
- معرفة الرئيس بأن مرؤوسه قد ارتكب الجريمة أو كان على وشك ارتكابها؛
- فشل الرئيس في منع ارتكاب الجريمة أو معاقبة مرتكبيها؛
- وجود علاقة سببية بين إخفاق الرئيس وارتكاب الجريمة. هذا العنصر الرابع هو شرط صريح في أحكام القانون الجنائي الدولي، ولا سيما في المادة 28(ب) من نظام روما الأساسي، على الرغم من أنه لم يرد ذكره أو اشتراطه في قواعد القانون الدولي الإنساني.
تقدم السوابق القضائية للمحاكم الدولية توضيحات بشأن المسؤولية الجنائية للقادة. وترد هذه العناصر في القسم المخصص خصيصًا لواجبات القادة. ← واجب القادة
ثالثًا- مسؤولية الأفراد والمقاتلين بموجب القانون الدولي الإنساني
يحدد القانون الدولي الإنساني المسؤولية الفردية للمقاتلين والأشخاص الآخرين المشاركين في الأعمال العدائية (ألف). وتوضح السوابق القضائية للمحكمة مضمون ونطاق هذه المسؤولية، بما في ذلك عند التصرف بناءً على أوامر من رئيس (باء).
ألف- المسؤولية الفردية بموجب القانون الدولي الإنساني
يتحمَّل كافة الأفراد ممن بلغوا سنَّ الرشد القانونية المسؤولية الجنائية الفردية عن أية انتهاكات جسيمة للقانون الدولي يرتكبونها مهما كانت الظروف. ويتحمَّل المقاتلون المسؤولية حتى وإن كانوا ينفذون أوامر مَن هو أعلى منهم رتبة. وينطبق هذا أيضًا على السلوك الذي يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية وجريمة العدوان بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
☞ الأوامر الصادرة عن رئيس
يسلم القانون الدولي الإنساني بأن المقاتلين يعملون عمومًا ضمن تنظيم أو وحدة هرمية. ولذلك، فإنه يفرض مسؤوليات محددة على القادة في المقام الأول.
ومع ذلك، فإن قيام المقاتل بتنفيذ أوامر من رؤسائه لا يعفيه من المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف. وبالتالي، يظل الأفراد مسؤولين شخصيًّا، حتى عندما يتصرفون بناءً على أوامر من رؤسائهم.
- ينص القانون الدولي الإنساني على المسؤولية الجنائية الفردية للشخص عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، حتى عندما يتصرف بناءً على أوامر من رؤسائه. وينعكس ذلك في كل من القانون الدولي الإنساني الاتفاقي والعرفي (المادة 3 اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 في ما يتعلق بقوانين الحرب البرِّية وأعرافها وملحقها: اللوائح الخاصة بقوانين الحرب البرِّية وأعرافها ومرفقها: اللوائح الخاصة بقوانين الحرب البرِّية وأعرافها؛ (اتفاقية جنيف 1، المادة 49؛ واتفاقية جنيف 2، المادة 50؛ واتفاقية جنيف 3، المادة 129؛ واتفاقية جنيف 4، المادة 146؛ والبروتوكول 1، المادتان 86(2) و87؛ قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، القواعد، 151 و154 و155). القاعدة 151. الأفراد مسؤولون جزائيًّا عن جرائم الحرب التي يرتكبونها.
- القاعدة 154. على كل مقاتل واجب ألا يطيع أمرًا من الواضح أنه غير قانوني.
- القاعدة 155. لا تعفي المرؤوس من المسؤولية الجزائية إطاعة أوامر عليا إذا عرف المرؤوس أن الفعل المأمور به كان غير قانوني، أو كان بوسعه أن يعرف ذلك بسبب الطبيعة غير القانونية الواضحة للفعل المأمور به.
بموجب القانون الدولي الإنساني، تنعكس المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية الأخرى في المادة 25 من نظام روما الأساسي.
وينص نظام روما الأساسي أيضًا على أن "في حالة ارتكاب أي شخص لجريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، لا يعفى الشخص من المسؤولية الجنائية إذا كان ارتكابه لتلك الجريمة قد تم امتثالًا لأمر حكومة أو رئيس، عسكريًّا كان أو مدنيًّا". وفي حين أن هناك بعض الأسباب التي تبرر استبعاد المسؤولية الجنائية في حالة جرائم الحرب، لا توجد استثناءات في حالة الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية (المادة 33(2) من نظام روما الأساسي).
وتؤكد أحكام المحاكم الجنائية الدولية التفسير التقييدي للإكراه وأوامر الرؤساء كظروف مخففة فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية (انظر أدناه، السوابق القضائية).
ينص نظام روما الأساسي بوضوح على العناصر التي تشكل المسؤولية الفردية عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب: يُسأل الشخص جنائيًّا ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي:
"(أ) ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسؤولًا جنائيًّا.
(ب) الأمر أو الإغراء بارتكاب، أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.
(ج) تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
(د) المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص، يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، على أن تكون هذه المساهمة متعمدة وأن تقدم:-
- إما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة، إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطويًا على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
- أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة.
(هـ) فيما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
(و) الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق اتخاذ إجراء يبدأ به تنفيذ الجريمة بخطوة ملموسة، ولكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص، ومع ذلك، فالشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضة للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تمامًا وبمحض إرادته عن الغرض الإجرامي" (المادة 25 من نظام روما الأساسي).
ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أسباب محدودة معينة للإعفاء من المسؤولية الجنائية (المواد 26 و30 و31 و33). تحمي هذه الأحكام، على سبيل المثال، الأشخاص الذين كانوا دون سن 18 عامًا في وقت ارتكاب الأفعال المزعومة، والأشخاص الذين يعانون من مرض أو خلل عقلي، أو الأشخاص الذين تصرفوا دفاعًا عن النفس بشكل مشروع ومتناسب. ويمكن أن يكون الضرورة والإكراه عذرًا للسلوك في حالة وجود تهديد بموت وشيك أو بأذى جسدي خطير مستمر أو وشيك، وعندما يتصرف الشخص بشكل ضروري ومعقول لتجنب هذا التهديد ولا ينوي التسبب في ضرر أكبر من الضرر الذي تم تجنبه (المادة 31(1)(د) من نظام روما الأساسي).
وفيما يتعلق بجرائم الحرب، ينص نظام روما الأساسي على أنه في حالة ارتكاب أي شخص لجريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، لا يُعفى الشخص من المسؤولية الجنائية إذا كان ارتكابه لتلك الجريمة قد تم امتثالًا لأمر حكومة أو رئيس، عسكريًّا كان أو مدنيًّا، عدا في الحالات التالية:- (المادة 33 من نظام روما الأساسي):
أ) إذا كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني.
ب) إذا لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع.
ج) إذا لم يكن عدم مشروعية الأمر ظاهرًا.
ينص نظام روما الأساسي على أن الأوامر بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية هي أوامر غير قانونية بشكل واضح، وبالتالي لا يمكن استخدامها لتبرير الطاعة. (المادة 33(2) من نظام روما الأساسي)
- تنص القاعدة 151 من القانون الدولي الإنساني العرفي على أن الأفراد مسؤولون جزئيًّا عن جرائم الحرب المرتكبة في سياق نزاع مسلح دولي أو غير دولي.
- وتنص المادة 154 على أن كل مقاتل عليه واجب ألا يطيع أمرًا من الواضح أنه غير قانوني.
- وتنص المادة 155 على أنه لا تعفي المرؤوس من المسؤولية الجزائية إطاعة أوامر عليا إذا عرف المرؤوس أن الفعل المأمور به كان غير قانوني، أو كان بوسعه أن يعرف ذلك بسبب الطبيعة غير القانونية الواضحة للفعل المأمور به.
باء- السوابق القضائية الدولية بشأن مسؤولية المقاتل
تقدم السوابق القضائية للمحاكم الدولية توضيحًا بشأن المستويات المختلفة للمسؤولية الفردية (1) في حالات طاعة أوامر الرؤساء أو الإكراه (2) وكذلك الظروف المخففة (3) أو المشددة (4) الأخرى التي يمكن أخذها في الاعتبار. وتؤكد التفسير التقييدي للإكراه وأوامر الرؤساء كظروف مخففة في مسائل المسؤولية الجنائية الفردية.
1- المسؤولية الجنائية الفردية للمقاتلين
حللت المحاكم الجنائية الدولية الظروف التي يمكن في ظلها تحميل الجناة المسؤولية الجنائية عن الجرائم بموجب القانون الدولي.
هناك اختبار من مرحلتين يجب استيفاؤه من أجل إثبات المسؤولية الجنائية الفردية. يتطلب هذا الاختبار إثبات (1) المشاركة، أي أن سلوك المتهم ساهم في ارتكاب فعل غير قانوني، و(2) المعرفة أو القصد، أي أن الفاعل كان على علم بمشاركته في جريمة (انظر المدعي العام ضد كليمنت كاييشيما وأوبيد روزيندانا، القضية رقم ICTR-95-1-T، الحكم الصادر في 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 198؛ والمدعي العام ضد ليوبي بوشكوسكي ويوهان تارشولوفسكي، القضية رقم IT-04-82، الحكم الصادر في 19 أيار/مايو 2010، الفقرة 66).
المسؤولية الجنائية الفردية "لا تقع فقط على عاتق الأفراد الذين يرتكبون الجريمة فعليًّا، بل أيضًا على عاتق الأفراد الذين يشاركون في ارتكاب الجريمة ويساهمون فيها بطرق أخرى، بدءًا من التخطيط الأولي لها وحتى تنفيذها، على النحو المحدد في الفئات الخمس للأفعال الواردة في هذه المادة: التخطيط، والتحريض، والأمر، والارتكاب، أو المساعدة والتحريض" (المدعي العام ضد جان دي ديو كاموهاندا، القضية رقم ICTR-99-54A-T، الحكم والعقوبة، 22 كانون الثاني/يناير 2004، الفقرة 588). انظر أيضًا المدعي العام ضد بول بيسينجيمانا، القضية رقم ICTR-00-60-S، 13 نيسان/أبريل 2006، الحكم والعقوبة، الفقرة 31 والمدعي العام ضد ميودراغ يوكيتش، القضية رقم IT-01-42/1-S، حكم العقوبة، 18 آذار/مارس 2004، الفقرة 56 والمدعي العام ضد سيميتش وآخرين، القضية رقم IT-95-9T، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2003، الفقرة 135).
فيما يتعلق بالمساعدة والتحريض على ارتكاب جريمة، "يمكن مناقشة المسؤولية الجنائية الفردية في إطار نمطين متميزين من المسؤولية: (1) المساعدة والتحريض عن طريق الموافقة والتشجيع الضمنيين، و(2) المساعدة والتحريض عن طريق الإهمال" (المدعي العام ضد رادوسلاف برغانين، القضية رقم IT-99-36-A، الحكم الصادر في 3 نيسان/أبريل 2007، الفقرتان 273-274).
2- الإكراه وأوامر الرؤساء
لا يشكل الإكراه دفاعًا كاملًا عن جندي متهم بارتكاب جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب تنطوي على قتل أشخاص أبرياء. وهناك فارق واضح بين الإكراه وواجب طاعة أوامر الرؤساء. في حالة الإكراه، يجب أن تكون حياة المتهم في خطر وشيك إذا رفض تنفيذ الأمر.
وهناك ثلاثة شروط أساسية لقبول الإكراه كدفاع عن انتهاك القانون الدولي الإنساني هي: (1) يجب أن يكون الفعل المتهم به قد تم ارتكابه لتجنب خطر وشيك جسيم ويتعذر إصلاحه.
(2) عدم وجود سُبل ملائمة للنجاة.
(3) ألا تكون الوسائل غير متناسبة مع الأذى (المدعي العام ضد درازين إرديموفيتش، القضية رقم IT-96-22-T، حكم الإدانة، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1996، الفقرة 17).
- في قضية إرديموفيتش، اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن عدم وجود خيار أخلاقي هو أحد المكونات الأساسية لاعتبار الإكراه دفاعًا كاملًا. إن مجرد واجب إطاعة أوامر الرؤساء لا يشكل إكراهًا. وفي مواجهة أمر غير قانوني بشكل واضح، فإن الواجب كان العصيان لا الطاعة؛ "فواجب العصيان هذا يمكن فقط أن يتراجع في مواجهة أشد مستويات الإكراه". ويوجد هذا الإكراه "في مواجهة خطر جسدي وشيك. وهذا التهديد الجسدي، الذي يُفهم في السوابق القضائية على أنه خطر الموت أو الأذى الجسدي الجسيم، يجب أن يستوفي في بعض الحالات الشرط التالي: يجب أن يكون واضحًا وحاضرًا أو وشيكًا وحقيقيًّا ولا مفر منه" (الفقرة 18). يجب تقييم وجود الإكراه والأوامر العليا في كل حالة على حدة، لأنه "في حين أن الدفاع الكامل القائم على الإكراه الأخلاقي و/أو حالة الضرورة الناشئة عن أوامر عليا لا يُستبعد تمامًا، فإن شروط تطبيقه صارمة للغاية". يجب "فحص ما إذا كان المتهم في وضعه لا يتحمل واجب العصيان، وما إذا كان لديه الخيار الأخلاقي للقيام بذلك أو محاولة القيام بذلك" (الفقرة 19).
في حكمها النهائي بشأن تلك القضية، أكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن تعريف الإكراه يقتصر على الحالات القصوى التي "لم يكن للمتهم فيها خيار سوى أن يقتل أو يُقتل" (المدعي العام ضد درازن إرديموفيتش، القضية رقم IT-96-22-Tbis، الحكم، 5 آذار/مارس 1998، الفقرة 17).
وتأكد هذا التعريف المقيد للإكراه لاحقًا في قضية مردا (المدعي العام ضد داركو مردا، القضية رقم IT-02-59-S، حكم الإدانة، 31 آذار/مارس 2004، الفقرات 65-67). وفي هذه القضية، رفضت الدائرة الابتدائية قبول أن أوامر الرؤساء وأجواء الكراهية والدعاية وحدها يمكن أن تشكل إكراهًا. وقد يكون لهذه الظروف بعض التأثير على السلوك الإجرامي للمتهم، لكن الدائرة الابتدائية لم تقبل أنها كانت من النوع الذي يجعل المتهم، حتى مع أخذ سنه ورتبته المنخفضة في الاعتبار، لا يملك خيارًا سوى المشاركة في مذبحة راح ضحيتها نحو 200 مدني. وعدم وجود أي دليل ملموس على أن المتهم كان يرغب في النأي بنفسه عن المذبحة وقت ارتكابها منع الدائرة الابتدائية من قبول الإكراه كظرف مخفف (الفقرة 66). وفي القضية نفسها، أكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن أوامر الرؤساء لا يمكن اعتبارها ظروفًا مخفِّفة إلا إذا لم تكن هذه الأوامر غير قانونية بشكل واضح. وإذا كانت الأوامر غير قانونية بشكل واضح، فلا يمكن للمتهم أن يستفيد من الظروف المخففة إلا إذا أثبت أنه رفض الانصياع لأوامر رؤسائه وأن ذلك أدى إلى تهديد مباشر لحياته (المدعي العام ضد داركو مردجا، القضية رقم IT-02-59-S، حكم الإدانة، 31 آذار/مارس 2004، الفقرتان 67-68).
3- الظروف المخففة
أقرَّت المحاكم الجنائية الدولية، إلى جانب الإكراه وأوامر الرؤساء، ظروفًا مخففة أخرى. ومع ذلك، لا يجوز أن يؤدي تخفيف العقوبة الناشئ عن تطبيق الظروف المخففة إلى التقليل بأي شكل من الأشكال من جسامة الجرم (المدعي العام ضد جان كامباندا، القضية رقم ICTR-97-23-S، الحكم والعقوبة، 4 أيلول/سبتمبر 1998، الفقرات 36-37 و56-58).
وفي عدة قضايا، أخذت المحاكم في الاعتبار الظروف المخففة التالية:
- التعاون الكبير مع المدعي العام؛
- الاستسلام للسلطات؛
- الاعتراف بالذنب؛
- إظهار الندم تجاه الضحايا وإثبات أن المتهم لم يكن سلطة قانونية (المدعي العام ضد كليمان كاييشيما وأوبيد روزيندانا، القضية رقم ICTR-95-1-T، الحكم الصادر في 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 20).
- قد تكون الظروف الشخصية للمتهم ذات صلة أيضًا: عدم وجود سجل جنائي، وطبيعة المتهم، والمساعدة التي قدمها المتهم للضحايا، وغياب السلطة في منصبه الرسمي، وحقيقة أن المتهم لم يشارك شخصيًّا في عمليات القتل (المدعي العام ضد جورج روغيو، القضية رقم ICTR-97-32-I، الحكم والعقوبة، 1 حزيران/يونيه 2000، الفقرات 59-80).
- اعتُبر سلوك المتهم بعد انتهاء النزاع ظرفًا مخففًا (المدعي العام ضد فيدوي بلاغويفيتش ودراغان يوكيتش، القضية رقم IT-02-60-A، الحكم، 9 أيار/مايو 2007، الفقرات 328 و330-331 و342 و344).
- حقيقة أن المتهم لم يكن مسؤولًا رفيع المستوى في التسلسل الهرمي الحكومي (المدعي العام ضد جان بول أكايسو، القضية رقم ICTR-96-4-S، 2 تشرين الأول/أكتوبر 1998، الحكم، الفقرة 35).
- ضرورة أن تعكس الأحكام الأهمية النسبية لدور المتهم في السياق الأوسع للنزاع في يوغوسلافيا السابقة: "على الرغم من أن السلوك الإجرامي الذي تستند إليه التهم التي أدين بها المستأنف الآن كان شنيعًا بلا شك، فإن مستواه في الهيكل القيادي، بالمقارنة مع مستوى رؤسائه، أي القادة، أو المخطِّطين الفعليين لاستراتيجية التطهير العرقي أنفسهم، كان متدنِّيًا". (المدعي العام ضد دوشكو تاديتش، القضية رقم IT-94-1-A وIT-94-1-Abis، الحكم في الاستئناف، 26 كانون الثاني/يناير 2000، الفقرة 56).
4- الظروف المشددة
تقر السوابق القضائية للمحاكم الدولية بوجود عدة ظروف مشددة تتعلق بضعف الضحايا وعددهم، ولكن أيضًا بالسلوك الشخصي للمتهم.
- يُعتبر ضعف الضحايا عاملًا مشددًا في الحكم. ولا يُعد الوضع المدني للضحية عنصرًا يدعم لأوجُه ضعفٍ خاصة للضحية، لأنها تمثل عنصرًا من عناصر الجريمة. ومع ذلك، فإن كون الضحايا من النازحين أو المعتقلين يشكل عاملًا مشددًا (المدعي العام ضد داركو مردجا، القضية رقم IT-02-59-S، حكم الإدانة، 31 آذار/مارس 2004، الفقرة -48). انظر أيضًا المدعي العام ضد داريو كورديتش وماريو تشيركيز، القضية رقم IT-95-14/2-A، الحكم، 17 كانون الأول/ديسمبر 2004، الفقرة 1088؛ المدعي العام ضد تيهومير بلاسكيتش، القضية رقم IT-95-14-T، الحكم، 3 آذار/مارس 2000، الفقرة 786 والمدعي العام ضد كوناراك وآخرين، الحكم، القضية رقم IT-96-23-T وIT-96-23/1-T، الحكم، 22 شباط/فبراير 2001، الفقرة 864 (صغر سن الضحايا).
- تؤخذ عواقب الجرائم على الضحايا، ولا سيما المعاناة الشديدة، في الاعتبار كعامل مشدد (المدعي العام ضد داركو مردجا، القضية رقم IT-02-59-S، حكم الإدانة، 31 آذار/مارس 2004، الفقرتان 55 و56).
- يمكن أن يشكل عدد الضحايا وحجم الجريمة عوامل مشددة للعقوبة (المدعي العام ضد كوناراك وآخرين، الحكم، القضية رقم IT-96-23-T وIT-96-23/1-T، الحكم، الفقرتان 866-867؛ المدعي العام ضد ميلومير ستاكيتش، القضية رقم IT-97-24-T، الحكم، 31 تموز/يوليه 2003، الفقرة 907؛ والمدعي العام ضد درازين إرديموفيتش، القضية رقم IT-96-22-Tbis، حكم الإدانة، 5 آذار/مارس 1998، الفقرة 15).
- تُعد إساءة استخدام السلطة ظرفًا مشددًا (المدعي العام ضد دوشكو تاديتش، القضية رقم IT-94-1-A وIT-94-1-Abis، الحكم في استئناف الحكم، 26 كانون الثاني/يناير 2000، الفقرتان 55 و56؛ المدعي العام ضد راديسلاف كرستيتش، القضية رقم IT-98-33-T، الحكم، 2 آب/أغسطس 2001، الفقرة 709 والمدعي العام ضد ثارسيس موفوني، القضية رقم ICTR-00-55A-T، الحكم، 11 شباط/فبراير 2010، الفقرتان 145 و146).
- الاندفاع والسادية هما عاملان ينبغي اعتبارهما، عند الاقتضاء، عاملين مشددين (المدعي العام ضد ألويس سيمبا، القضية رقم ICTR-01-76-A، الحكم الصادر في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 320).
- حقيقة أن المتهم كان يشغل مناصب رفيعة في السلطة وقت ارتكابه الجرائم واستغل سلطته لارتكاب الجرائم. (المدعي العام ضد جان بول أكايسو، القضية رقم: ICTR-96-4-T، الحكم، 2 تشرين الأول/أكتوبر 1998، ص 7)،
- يمكن اعتبار التخطيط المسبق عاملًا مشددًا أيضًا (المدعي العام ضد راديسلاف كرستيتش، القضية رقم IT-98-33-T، الحكم الصادر في 2 آب/أغسطس 2001، الفقرة 711).
رابعًا- مسؤولية المنظمات الإنسانية المحايدة
يستند تنفيذ القانون الدولي الإنساني إلى احترام الأطراف المتحاربة لالتزامات محددة، لا سيما فيما يتعلق بحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح، ولكن أيضًا فيما يتعلق بعمل المنظمات الإنسانية المحايدة. وقد أنشأ القانون الدولي الإنساني آليات للعقوبات الجنائية في حالة انتهاك هذه الالتزامات. وأبان القانون مجموعة كبيرة من الأفكار الجديدة في هذا المجال، حيث حدد المسؤولية الفردية لكل من المرؤوسين والرؤساء، ووضع منذ عام 1949 مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لجميع المحاكم الوطنية للتحقيق مع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ومقاضاتهم.
ومع ذلك، يركز مضمون القانون الدولي الإنساني على آليات منع الجرائم والحد من العنف، ولا يركز إلا بشكل هامشي على العقوبات الجنائية. ولا تتطابق زمانية القانون الدولي الإنساني مع زمانية القانون الجنائي الدولي. ويهدف القانون الدولي الإنساني إلى الحد من عدد الوفيات بين المدنيين في وقت النزاع المسلح الحالي دون انتظار المحاكمات المحتملة في سياق العدالة بعد الوفاة.
ولهذه الغاية، عهدت الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى بدور أساسي وحقوق محددة لتقديم الإغاثة والحماية لضحايا النزاعات المسلحة.
وعلى الرغم من أن المسؤولية الأساسية عن الامتثال للقانون الدولي الإنساني تقع على عاتق الدول والأطراف المسلحة المشاركة في النزاعات، فإن المنظمات الإنسانية مسؤولة عن كيفية تعاملها مع الضحايا المدنيين للنزاع، وكيفية تفاعلها مع أطراف النزاع للتفاوض بشأن إجراءات الإغاثة وفقًا لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، وكيفية استجابتها للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والجرائم التي تشهدها في سياق أنشطتها الإغاثية بين ضحايا النزاع.
تواجه الجهات الفاعلة في مجال العمل الإنساني العاملة مع السكان المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة والعنف معضلات متعددة تعكس المجالات الثلاثة الرئيسية للمسؤولية عليها تحملها بموجب القانون الدولي الإنساني وغيرها من الضرورات الأخلاقية أو المهنية.
- المسؤولية عن التصرف وفقًا للمبادئ والقواعد الإنسانية التي تحمي ضحايا النزاع.
- مسؤولية التعاطي مع أطراف النزاع لمنع استخدام الإغاثة الإنسانية كدعم مادي لانتهاكات القانون الدولي الإنساني أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية.
- مسؤولية الاستجابة كشهود على الانتهاكات الجسيمة والجرائم الجماعية المرتكبة ضد السكان التي تعمل معهم.
تنقسم هذه المسؤوليات بشكل عام إلى فئتين بناءً على وضع الجهات الفاعلة في مجال العمل الإنساني التي تقدم المساعدة الإنسانية لضحايا النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني (ألف) ووضع الشهود المحتملين على الجرائم المرتكبة ضد السكان (باء).
قد يحدث أيضًا أن تسعى بعض الدول إلى تجريم أعمال المنظمات الإنسانية بموجب القانون الوطني. لمواجهة هذه المخاطر، يتضمن القانون الدولي الإنساني أحكامًا تعفي العاملين في المجال الإنساني والطبي من المسؤولية الجنائية. وقد أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذه الاستثناءات الإنسانية، لا سيما في حالات النزاع التي توصف بأنها مكافحة للإرهاب (جيم).
ألف- المسؤولية الإنسانية للتصرف وفقًا لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني
يقع على عاتق الجهات الفاعلة في المجال الإنساني واجب مزدوج يتمثل في العمل نيابة عن السكان المدنيين والتعاطي مع الجهات الفاعلة المسلحة وفقًا لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني. ويتطلب هذا الالتزام معرفة القواعد والمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني المتعلقة بالإغاثة (1) والقدرة على التفاوض بشأن تطبيقها مع أطراف النزاع دون إضعاف مضمونها (2). وتؤكد السوابق القضائية للمحاكم الدولية شرعية تقديم المساعدة الإنسانية المحايدة في حالات النزاع. (3).
1- مسؤولية معرفة أساسيات قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني
منح القانون الدولي الإنساني حق المبادرة الإنسانية للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى من أجل التفاوض وتنفيذ أنشطة المساعدة والحماية وفقًا لحقوق ضحايا النزاع المسلح والمبادئ الإنسانية.
تقتضي المبادئ الإنسانية تقديم المساعدة الطبية والإنسانية حيثما دعت الحاجة إليها، بشكل محايد ومع إعطاء الأولوية لمن هم في أمس الحاجة إليها. وفي هذا الصدد، يؤكد القانون الدولي الإنساني بشكل فعال أن المنظمات الإنسانية المحايدة لها الحق (من بين أمور أخرى) في:
- تقديم مساعدتها إلى أطراف النزاع، في أي وقت، دون أن يُفسر ذلك على أنه تدخل في الشؤون الداخلية للدولة المعنية (المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف؛ اتفاقية جنيف 3، المادة 9؛ اتفاقية جنيف 4، المواد 10 و11 و59؛ البروتوكول 1، المادتان 4(4) و70(1)؛ البروتوكول 2، المادتان 3(2) و18(1))
- تقييم ما إذا كان السكان يعانون من مشقة غير مبررة بسبب ندرة الإمدادات الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، مثل الغذاء والإمدادات الطبية (اتفاقية جنيف 4، المادة 30؛ البروتوكول 2، المادة 18(2))
- القيام بأعمال إغاثة لصالح السكان عندما يعانون نقصًا حادًّا في التجهيزات الأساسية ومراقبة توزيعها على السكان الأكثر تضرُّرًا (اتفاقية جنيف 4، المواد 23 و38 و59 و61 و63(أ)؛ البروتوكول 1، المادة 70؛ قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، المادتان 55 و56)
- جمع الجرحى والمرضى ورعايتهم وضمان أن يكون علاجهم متوافقًا مع أخلاقيات مهنة الطب ولا ينطوي على أي شكل من أشكال التمييز السلبي (المادة 3(2) المشتركة في اتفاقيات جنيف، اتفاقية جنيف 3، المادتان 9 و10؛ اتفاقية جنيف 4، المادة 38؛ البروتوكول 1، المادتان 15(4) و17؛ البروتوكول 2، المواد 7-8 و18)
- ضمان حصول النازحين أو المحتجزين نتيجة للنزاع على الحماية والمساعدة التي يستحقونها (اتفاقية جنيف 1، المادة 125؛ اتفاقية جنيف 4، المادة 109؛ البروتوكول 1 المواد 74 و75(3) إلى (7) و76؛ البروتوكول 2، المادتان 5 و6)
- توفير المساعدة لجميع فئات الأشخاص المحميين بما يتوافق مع الحقوق وضمانات الحماية التي يمنحها لهم القانون الدولي الإنساني (اتفاقية جنيف 1، المادة 10؛ اتفاقية جنيف 4، المادة 27؛ البروتوكول 1، المادة 75؛ البروتوكول 2، المادة 4).
تعد أعمال المنظمات الإنسانية المحايدة مؤشرًا هامًّا على استعداد وقدرة الأطراف المتحاربة على تقديم المساعدة لضحايا النزاع المسلح بأنفسهم، وكذلك على السماح للمنظمات الإنسانية المحايدة بالقيام بأعمال الإغاثة وتيسيرها. وتؤدي هذه المنظمات دورًا أساسيًّا في ضمان تقديم المساعدة الملائمة لمختلف أوجه الضعف والحقوق المنصوص عليها لكل فئة من فئات الأشخاص المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني.
وهذا يمثل الإطار والمعايير الخاصة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الواردة في القانون الإنساني الدولي. ولا يقع واجب الحماية هذا على عاتق أطراف النزاع فحسب، بل أيضًا على عاتق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى النشطة في حالات النزاع المسلح. وفي حين أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر مكلفة رسميًّا وبشكل خاص بموجب اتفاقيات جنيف، فإن وجود المنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى وواجباتها المهنية منصوص عليها صراحةً في القانون الدولي الإنساني.
← مساعدة؛ القانون الدولي الإنساني؛ موظفو الإغاثة الإنسانية؛ أفراد الخدمات الطبية؛ منظمات غير حكومية؛ الدول الحامية؛ حماية؛ الصليب الأحمر والهلال الأحمر؛ إغاثة؛ حق الوصول؛ حق المبادرة الإنسانية؛ اتفاق خاص
2- مسؤولية التفاوض بشأن العمل الإنساني مع أطراف النزاع
يحدد القانون الدولي الإنساني قواعد محددة لمساعدة المدنيين وحمايتهم في أوقات النزاع المسلح. تتحمل المنظمات الإنسانية المحايدة المشاركة في مثل هذه الحالات مسؤولية التفاوض بشأن شروط عملها مع الأطراف المتحاربة. ويجب أن تكون هذه الشروط متوافقة مع الضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني وألا تقوضها. كما تقع على عاتق المنظمات الإنسانية المحايدة مسؤولية الإبلاغ عن مدى قدرتها على تقديم المساعدة الفعالة ذات الصلة بحماية وبقاء السكان المعنيين أو منعها من ذلك. وتشمل هذه المسؤولية التفاوض والدفاع عن مساحة إنسانية مدنية ومستقلة. وهي تتجاوز مجرد ممارسة الرقابة المالية المناسبة على الأموال الخاصة أو المؤسسية المخصصة للمساعدة الإنسانية.
وتختلف المسؤولية الإنسانية أيضًا عن الأنشطة التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب. ولذلك لا يمكن للجهات الفاعلة في المجال الإنساني أن تفوض هذه المسؤولية ببساطة إلى منظمات حقوق الإنسان على أساس التكامل المزعوم بين ولاية كل منها - حيث تقتصر ولاية الأولى على المساعدة الإنسانية، بينما تقتصر ولاية الثانية على التنديد العلني.
تُمارس المسؤولية الإنسانية بشكل مستمر طوال عملية الإغاثة. وهي تشمل الالتزامات التالية:
- واجب التفاوض مع السلطات بشأن ظروف العمل، وفقًا للضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني لصالح السكان عمومًا والأكثر ضعفًا منهم على وجه الخصوص.
- مسؤولية تحديد والإبلاغ عن أي عقبات أو عوائق أو محظورات مفروضة على أنشطة المساعدة التي من شأنها أن تؤثر سلبًا على الفئات الأكثر ضعفًا. يجب اتخاذ هذا الإجراء على المستوى المحلي والوطني والدولي حسب خطورة الوضع. ويتمثل هذا الإجراء في تنبيه السلطات المعنية مباشرة بالوضع الإنساني ومساءلتها. وهذا التنبيه ضروري لمنع هذه السلطات من محاولة التهرب من مسؤوليتها بالادعاء بأنها لم تكن على علم بالوضع. وهو أمر بالغ الأهمية لأنه يلفت الانتباه إلى المخاطر التي قد يستمر سكان أو مجموعة معينة في مواجهتها، على الرغم من وجود الجهات الفاعلة الإنسانية وحجم المساعدة المقدمة. وبالتالي، فإنه يساعد على الحد من خطر استغلال العمل الإنساني لـ "تطبيع" حالة العنف
- كما تقع على عاتقها مسؤولية إدانة الحالات التي يتم فيها تحويل المساعدات عن الغرض المقصود منها واستخدامها لتهديد السكان الذين من المفترض أن تساعدهم. هذه ليست سيناريوهات نظرية. هناك العديد من الأمثلة التاريخية والمعاصرة على استخدام أنشطة ووسائل المنظمات الإنسانية المحايدة ضد السكان الذين تحاول مساعدتهم. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، عندما تُستخدم المنظمات الإنسانية لتحديد أماكن اختباء أفراد السكان المستضعفين ومهاجمتهم، أو عندما يُستخدم توزيع المساعدات لتجميع السكان الذين يتم بعد ذلك مهاجمتهم أو فرزهم أو تهجيرهم بالقوة. قد يقوم طرف في النزاع أيضًا بحرمان السكان عمدًا من الإمدادات الأساسية من أجل جذب المساعدات وتغيير مسارها. قد يُسمح للمنظمات الإنسانية بتقديم المساعدة المادية لخلق مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية في الأماكن التي يتعرض فيها الناس، على الرغم من المساعدة، للعنف القاتل والإكراه.
يجب أن تكون المنظمات الإنسانية المسؤولة قادرة على تحليل الطبيعة الحقيقية لعملها في موقف معين، ومقارنتها بإطار القانون الدولي الإنساني للمساعدة وحماية ضحايا النزاع المسلح. لا يمكنها أن تلتزم الصمت في المواقف التي يستمر فيها تهديد أمن السكان وحياتهم وتدميرها على الرغم من توزيع المساعدات. تجدر الإشارة إلى أن التحدث عن انتهاك القانون الدولي الإنساني لا يشكل خرقًا للحياد.
لا تزال العديد من المنظمات الإنسانية في مرحلة مبكرة من التعامل مع هذه المسؤوليات في إطار القانون الدولي الإنساني. وغالبًا ما يتم التعامل معها من خلال مناقشات عامة حول المعضلات الأخلاقية للعمل الإنساني أو من خلال تقسيم مزعوم للعمل بين المنظمات التي تركز على الإدانة العلنية والعقوبات الجنائية لانتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي، وتلك التي تركز على العمل الإنساني الميداني.
تم تطوير "المعايير المهنية الخاصة بأنشطة الحماية"، التي نُشرت لأول مرة في عام 2010 وتم تحديثها في عام 2020، بالاشتراك بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجموعة من الخبراء من المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، بهدف توفير إرشادات مهنية للمنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان. وتشير هذه المعايير إلى المخاطر التي تنطوي عليها بعض الإجراءات - رغم حسن نواياها - التي تتخذها المنظمات الإنسانية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، والتي قد تؤدي، على العكس، إلى زيادة تعرض الضحايا للخطر أو الإخلال بحقوقهم. تشكل هذه المعايير المهنية إطارًا أدنى للأخلاقيات المهنية من أجل تنفيذ عمليات الإغاثة على نحو مسؤول. ويجب أخذها في الاعتبار عند تخطيط الأنشطة وتقييمها داخل كل منظمة، كما يجب تعزيز شفافيتها أمام الرأي العام. وتكمل هذه المعايير مدونات السلوك التي وضعها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر واللجنة الدولية للصليب الأحمر في التسعينيات، والتي تحدد المبادئ الإنسانية التي تقبلها المنظمات الإنسانية.
من أجل الحفاظ على الطابع الإنساني لعملها، يتعين على المنظمات الإنسانية المحايدة إبرام اتفاقات ملموسة مع الأطراف المعنية على الأرض، لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفًا وعدم استفادة أي من أطراف النزاع منها. ويتمثل ذلك في اللجوء إلى إطار إداري متميز، مثل اتفاق إنساني خاص أو مذكرة تفاهم تُبرم بين أطراف النزاع (بموجب المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف؛ اتفاقية جنيف 3، المادة 6؛ اتفاقية جنيف 4، المادة 7)، والذي يحترم وينفذ أحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما فيما يتعلق بالوضع المحايد والمحمي للمساعدات الإنسانية والطبية المحايدة.
← مبادئ إنسانية؛ حماية؛ حق الوصول؛ حق المبادرة الإنسانية؛ اتفاق خاص
3- الفقه القضائي الدولي
أقرت محكمة العدل الدولية في سوابقها القضائية بضرورة احترام الطابع الإنساني البحت والمحايد للمساعدات الإنسانية. وبالتالي، فإن الدفاع عن هذه المبادئ هو مسؤولية أساسية تقع على عاتق المنظمات الإنسانية.
وقد سلطت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة الضوء على التفاعل بين الأنشطة الإنسانية والأنشطة الإجرامية للأطراف في النزاع في قضيتين. ولم تعتبر المحكمة أن وجود الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والأنشطة الإنسانية في سياق معين أدى إلى تطبيع الوضع وإزالة الطابع الإجرامي للأفعال التي ارتكبتها الأطراف في النزاع.
ولا يوجد حاليًّا أي سوابق قضائية جنائية دولية تتعلق بأشكال التواطؤ الإنساني المحتمل المرتبط بوجود المنظمات الإنسانية في حالات تنطوي على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم جماعية.
- في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية (الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)، حيثيات القضية، الحكم، تقارير محكمة العدل الدولية 1986، ص 14)، أكدت محكمة العدل الدولية شرعية تقديم المساعدة الإنسانية في سياق نزاع مسلح غير دولي: "لا شك في أن تقديم المساعدة الإنسانية البحتة إلى أشخاص أو قوات في بلد آخر، أيًّا كانت انتماءاتهم أو أهدافهم السياسية، لا يمكن اعتباره تدخلًا غير قانوني أو مخالفًا للقانون الدولي بأي شكل من الأشكال". (الفقرة 242)
- وفي هذه القضية، شددت محكمة العدل الدولية أيضًا على ضرورة أن تتعاون المنظمات الإنسانية المحايدة على قدم المساواة مع جميع أطراف النزاع، سواء كانت حكومية أو غير حكومية من أجل تقديم المساعدة اللازمة لبقاء السكان الخاضعين لسيطرتها، دون تمييز أو تفرقة إلا على أساس الاحتياجات: "من السمات الأساسية للمساعدة الإنسانية الحقيقية أنها تُقدم 'دون تمييز' من أي نوع. وترى المحكمة أنه لكي لا يُعتبر تقديم "المساعدة الإنسانية" تدخلًا في الشؤون الداخلية لنيكاراغوا، لا يجب أن يقتصر فقط على الأهداف المقررة (كذا) في ممارسات الصليب الأحمر، وهي "منع وتخفيف المعاناة الإنسانية" و"حماية الحياة والصحة وضمان احترام الإنسان بل يجب أيضًا، وقبل كل شيء، أن تُقدَّم دون تمييز إلى جميع مَن هم في حاجة إليها في نيكاراغوا، وليس فحسب إلى حركة الكونترا وتابعيها" (الفقرة 243).
- في قضية ستاكيتش (المدعي العام ضد ميلومير ستاكيتش، القضية رقم IT-92-24-A، الحكم الصادر في 22 آذار/مارس 2006، الفقرة 286)، رأت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن مشاركة منظمة غير حكومية في تسهيل عملية نقل لا تجعل في حد ذاتها عملية النقل غير القانونية قانونية.
- وفي قضية سيميتش (المدعي العام ضد سيميتش وآخرين، القضية رقم IT-95-9-A، الحكم الصادر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2006، الفقرة 180)، اتبعت دائرة الاستئناف النهج نفسه. ورأت أن "حضور ممثلين عن قوة الأمم المتحدة للحماية في البوسنة والهرسك واللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال بعض عمليات التبادل التي جرت لم يجعل عمليات النزوح المعنية قانونية، ولم يؤدِّ إلى استنتاج أن عمليات النزوح القسري لم تكن خطيرة بما يكفي لتصل إلى مستوى الاضطهاد".
باء- المسؤولية الإنسانية للشهود المحتملين على جرائم تُرتكَب ضد السكان
بفضل وجودهم في الميدان، قد يكون أعضاء المنظمات الإنسانية المحايدة شهودًا مباشرين على الجرائم والإكراه المرتكبين ضد المدنيين في حالات النزاع المسلح. وتتطلب هذه الحالات توضيح مضمون المسؤولية الإنسانية التي يتحملها هؤلاء الأعضاء كشهود على الجرائم. وقد أثيرت من جديد أسئلة مضى على طرحها زمن طويل حول الصمت والأشكال المحتملة للشهادة الإنسانية في مواجهة الجرائم (1) مع ظهور المحاكم الجنائية الدولية والتوافق بين الشهادة القضائية ودور الجهات الفاعلة في المجال الإنساني (2).
المنظمات الإنسانية المحايدة ليست مسؤولة عن تعزيز أو الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام أو مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية. ومع ذلك، فإن مسؤوليتها بموجب القانون الدولي الإنساني تمتد لتشمل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
يتطلب القانون الدولي الإنساني إبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالانتهاكات الجسيمة والاحتجاج لدى أطراف النزاع المعنية.
1- الحياد والشهادة الإنسانية
ينص القانون الدولي الإنساني على وجوب الإبلاغ عن الانتهاكات الجسيمة التي تتم مشاهدتها إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأطراف المعنية في النزاع. وفي الحالات الأكثر خطورة، ينص القانون الدولي الإنساني على إمكانية إحالة المسألة إلى سلطات الأمم المتحدة واللجنة الدولية لتقصي الحقائق في المسائل الإنسانية (البروتوكول 1، المادتان 89 و90).
والغرض من واجب الإنذار الذي تمارسه المنظمات الإنسانية هو إثبات الحقائق ومساءلة السلطات العسكرية والسياسية المعنية من أجل توفير، في أسرع وقت ممكن، ظروف أفضل لمساعدة ضحايا النزاع وعلاجهم. وفي هذا السياق، يمكننا أيضًا الإشارة إلى الشهادة لأغراض إنسانية لتوضيح طبيعتها وهدفها المختلفين مقارنة بمكافحة الإفلات من العقاب والشهادة القضائية.
غالبًا ما تتطلب فاعلية هذه المساءلة مرحلة مناقشة سرية، ولكنها تنطوي أيضًا على قيام منظمات الإغاثة بالتحدث علنًا للإبلاغ عن الوضع ونتائج أي مناقشات على المستوى المحلي أو الدولي.
لا يفرض القانون الدولي الإنساني التزامًا بالسرية على اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو على المنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، فإن مبدأ الحياد يمنع المنظمات الإنسانية المحايدة من المشاركة في الخلافات العامة ضد أي من طرفي النزاع. فهذه المشاركة تنطوي على خطر المساهمة عن غير قصد في أنشطة الدعاية العسكرية لدعم أحد طرفي النزاع. في الواقع، في أوقات النزاع، يُستخدم الاتصال أيضًا ويعتبر سلاحًا قويًّا وأسلوبًا من أساليب الحرب. لذلك، من المهم أن يظل الاتصال العام من قبل المنظمات الإنسانية بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني إنسانيًّا وحياديًّا حصرًا، وأن يقتصر على المعلومات الواقعية التي تأثرت بها المنظمة بشكل مباشر أو شاهدتها.
ومع ذلك، فإن الإدانة العلنية للجرائم من قبل المنظمات الإنسانية المحايدة تثير عدة معضلات عملية.
وتكمن المعضلة الرئيسية في حقيقة أن أي إدانة علنية للجرائم التي ترتكبها أطراف النزاع تنطوي على خطر المساس بالأمن وبالتالي بوجود المنظمات وأنشطتها على الأرض.
لطالما اعتمدت المنظمات الإنسانية المحايدة تفسيرًا مطلقًا لمبدأ الحياد والصمت لحل هذه المعضلة. فالحياد والصمت يمنعان المنظمات الإنسانية من اتخاذ موقف تجاه الأطراف المتحاربة وأساليبها في الحرب، وبالتالي يضمنان أمن وجودها وأنشطتها على الأرض. لكن في حالة الإبادة الجماعية أو أعمال الإبادة، على سبيل المثال، لم تعد الحجة الداعية إلى الحفاظ على العمليات الإنسانية بأي ثمن ذات صلة. لم يعد ممكنًا اعتبار الصمت عقيدة من قبل المنظمات الإنسانية المحايدة. في الواقع، يمكن استغلال وجود المنظمات الإنسانية الصامتة لإعطاء مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية يخفي الجرائم المرتكبة ضد جزء من السكان أو جميعهم، أو لجذب السكان وتحويل المساعدات. وتضع مثل هذه الحالات مسؤولية وممارسات المنظمات الإنسانية على المحك.
لذلك، يجب النظر إلى مسألة الصمت والحياد من منظور عملي وتقييمها من حيث تأثيرها الحقيقي على الحماية والمساعدة المقدمة للسكان المعنيين. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال النزاع المسلح في يوغوسلافيا السابقة، على سبيل المثال، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن إدانة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني لا تشكل انتهاكًا لمبدأ الحياد. ومنذ ذلك الحين، أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحياد لا يمكن الخلط بينه وبين السرية والصمت. ويتمتع هذا المبدأ بقيمة من حيث الفعالية الميدانية ولا ينبغي النظر إليه على أنه مبدأ مجرد ومطلق.
← المبادئ الإنسانية؛ الصليب الأحمر، الهلال الأحمر
اعتقدت بعض المنظمات الإنسانية أيضًا أنه يمكنها حل هذه التناقضات من خلال نقل المعلومات التي لديها عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني بشكل سري إلى منظمات حقوق الإنسان، التي يمكنها بعد ذلك نشرها دون الكشف عن مصادرها ودون المخاطرة بسلامة عمليات الإغاثة وموظفيها على الأرض. هناك أيضًا آليات مختلفة للأمم المتحدة تسمح بنشر هذه المعلومات مع الحفاظ على سرية المصدر.
ومع ذلك، لا يمكن لهذه الممارسات أن تضمن إخفاء الهوية بنسبة 100% وبالتالي سلامة المصدر. علاوة على ذلك، فإنها تغذي عدم الثقة بين أطراف النزاع تجاه ما يعتبرونه أنشطة سرية تقوم بها المنظمات الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه الحلول تعرض مسؤولية كل منظمة عن حماية الضحايا للخطر، لأن لها أهدافًا مختلفة وتعمل في ظل قيود زمنية مختلفة.
كقاعدة عامة، تستند المسؤولية الإنسانية في مواجهة الجرائم الجماعية إلى وظيفة التنبيه ومساءلة الأطراف الفاعلة بهدف منع الجرائم على الفور وتعزيز المساعدة الإنسانية. وهي تستند إلى المعلومات التي عايشتها المنظمة نفسها أو شهدتها مباشرة خلال أنشطتها الإغاثية. وقد تؤدي هذه المسؤولية الإنسانية، حسب خطورة الوضع، إلى التعليق الطوعي لعمليات الإغاثة وإصدار بيانات عامة تدين العنف والعقبات التي تعترض المساعدة الإنسانية. وبالتالي، فهي تختلف عن جمع الشهادات بشكل عام لتوثيق الجرائم الدولية بهدف مكافحة الإفلات من العقاب والمساهمة في الإجراءات المستقبلية أمام المحاكم الدولية.
2- الجهات الفاعلة في المجال الإنساني المعفاة من واجب الشهادة أمام المحكمة
أدى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية إلى إدخال بُعد قضائي جديد على العلاقات الدولية. وقد دفع ذلك المنظمات الإنسانية المحايدة إلى إعادة النظر في موقفها من انتهاكات القانون الدولي الإنساني. وتتعاون بعض المنظمات غير الحكومية بنشاط مع العدالة الجنائية الدولية وتعتبر نفسها جهات فاعلة في مكافحة الإفلات من العقاب، حيث توفر معلومات من أجل توجيه الاتهام ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتعتبر هذه المنظمات مشاركتها في الإجراءات القانونية جزءًا لا يتجزأ من مسؤوليتها الأخلاقية كجهات فاعلة في المجال الإنساني.
وتمتنع منظمات أخرى عن أي تعاون من هذا القبيل بحجة أن الأنشطة والجدول الزمني القضائي لا يتوافقان مع طبيعة وقيود العمل الإنساني المحايد والحيادي، الذي يتطلب التفاوض بشأن جهود الإغاثة في خضم العنف المسلح ومع المتهمين بارتكاب هذه الجرائم. وتقتصر مسؤوليتها الإنسانية على أنشطة الإنذار والمساءلة المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
وتذكر هذه المنظمات بأن الالتزام الإنساني بإبلاغ السلطات بانتهاكات القانون الدولي الإنساني لا ينبغي الخلط بينه وبين الالتزام بالشهادة أمام المحاكم الجنائية الوطنية أو الدولية. فهذا الالتزام يمكن أن يعرض للخطر وجود وسلامة العاملين في المجال الإنساني في مناطق النزاع، بل ووجود العمل الإنساني نفسه في نهاية المطاف.
وفي الوقت نفسه، لا يمنع هذا الموقف المنظمات الإنسانية المحايدة من معالجة خصوصية هذه الجرائم والحد من عواقبها السلبية من خلال تقديم المساعدة المناسبة. كما يمكنها توثيق الحقائق والأحداث المتعلقة بأنشطتها قبل أن تختفي الأدلة وتزويد الضحايا بالتقارير الطبية وغيرها من الوثائق التي تمكنهم من المطالبة بحقوقهم في مرحلة لاحقة، إن أمكن ذلك.
وقد حلت المحاكم الدولية نفسها المعضلة المتعلقة بوجود مسؤولية إنسانية محتملة فيما يتعلق بالشهادة أمام المحكمة.
وقد أقرت بذلك المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، التي اعترفت في عدة أحكام بعدم توافق ولايات العاملين في المجال الإنساني والمراسلين الحربيين مع دور الشهود القضائيين. ومنذ ذلك الحين، اعترفت المحكمة الجنائية الدولية بهذه الحصانة للجنة الدولية للصليب الأحمر والمهن التي تخضع للسرية المهنية مثل الأطباء والصحفيين. وقد تم تقنين امتياز عدم الكشف عن معلومات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بموجب المادة 73(4) من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة الجنائية الدولية.
يمكن الاطلاع على السوابق القضائية التفصيلية المتعلقة بمبادئ ومعايير هذه الحصانة من الشهادة للعاملين في المجال الإنساني في مدخل ← حصانة.
جيم- المسؤولية الجنائية والاستثناء في المجال الإنساني
أدى التجريم غير المبرر للعاملين في المجال الإنساني إلى الحاجة إلى استعادة الاستقلال في العمل الإنساني الذي يوفره القانون الدولي الإنساني ووضع بنود للاستثناء في هذا المجال على الصعيدين الدولي والوطني.
في السنوات الأخيرة، كانت هناك فئتان رئيسيتان من التهم الجنائية التي وجهتها دول مختلفة ضد منظمات إنسانية محايدة والعاملين فيها. وهما عندما تقدم المنظمات الإنسانية المحايدة المساعدة للمهاجرين وطالبي اللجوء، وكذلك عندما تقوم بأنشطة إنسانية في حالات النزاع المسلح المصنفة على أنها مكافحة للإرهاب.
فيما يتعلق بمساعدة طالبي اللجوء، ظهرت اتجاهات جديدة للتجريم، لا سيما في أوروبا، لمعاقبة تسهيل دخول المهاجرين غير الشرعيين وإقامتهم في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وغالبًا ما يرجع ذلك إلى عدم وضوح الفرق بين ما هو تهريب وما هو ليس تهريبًا، وما هو مساعدة إنسانية وما هو مكسب مالي. تؤثر سياسات الاتحاد الأوروبي والسياسات الوطنية بشكل متزايد على المنظمات الإنسانية المحايدة والجهات الفاعلة الأخرى، بما في ذلك الأفراد، الذين يقدمون المساعدة الإنسانية ويتيحون للمهاجرين غير المسجلين وطالبي اللجوء إمكانية الحصول على حقوقهم. حتى لو برأت معظم الأحكام النهائية العاملين في المجال الإنساني، فإن طول مدة إجراءات المحاكمات في مختلف البلدان لها تأثير سلبي على أولئك الذين يقدمون المساعدة الإنسانية.
← لاجئو القوارب؛ مهاجرون - هجرة
كان لتدابير وتشريعات مكافحة الإرهاب الوطنية تأثير كبير على المساعدة الإنسانية في المناطق المتضررة من الحرب. تجرم أحكامها الأساسية نقل جميع أنواع الموارد إلى الجماعات أو الأفراد الإرهابيين، حتى في حالة عدم وجود أي معرفة أو نية لدعم الأعمال الإجرامية. تتعارض التعاريف الموسعة للجرائم الإرهابية مع القانون الدولي الإنساني عندما تجعل العمل الإنساني مستحيلًا في حالات النزاع المسلح بالنسبة لجميع السكان الذين يعيشون في أراضٍ تسيطر عليها جماعات مسلحة غير تابعة للدولة مصنفة على أنها إرهابية.
إن حقيقة أن الأطراف غير الحكومية في نزاع ما مصنفة أو تعتبر إرهابية لا ينبغي أن تحرم السكان الخاضعين لسيطرتها من حقهم الأساسي في الحصول على المساعدة والحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني. وبالمثل، لا ينبغي أبدًا اعتبار تقديم المساعدة الإنسانية بطريقة تتوافق مع القانون الدولي الإنساني تواطؤًا أو دعمًا ماديًّا للإرهاب ولا دعمًا مباشرًا أو غير مباشر لأحد أطراف النزاع. وفي الواقع، تهدف قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالمساعدة الإنسانية إلى تجنب تقديم مزايا عسكرية أو اقتصادية لأي طرف في نزاع مسلح.
إن العمل الإنساني المحايد مسموح به ومحمي بموجب القانون الدولي الإنساني ولا ينبغي أن يؤدي إلى الملاحقة القضائية عندما يكون متوافقًا مع القانون الدولي الإنساني ويحترم المبادئ الإنسانية المتمثلة في الإنسانية والحياد والاستقلال وعدم التحيز. إن تجريم أنشطة المساعدة الإنسانية يؤثر على الوضع المحمي وسلامة المرافق المستخدمة لأغراض إنسانية وطبية والعاملين فيها الذين يشاركون في أنشطة طبية وإنسانية حصرًا. كما أنه يفرض مسؤولية جنائية على العاملين في المجال الطبي والإنساني، وهو ما يشكل انتهاكًا واضحًا لحظر القانون الدولي الإنساني لمعاقبة الأشخاص على القيام بأنشطة طبية وفقًا لأخلاقيات المهنة الطبية، بغض النظر عن الظروف. (انظر البروتوكول 1، المادة 16(1)؛ والبروتوكول 2، المادة 10(1)؛ والقانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة 26).
وقد تم تحقيق الخطوة الأولى لاستعادة شرعية العمل الإنساني في مواجهة تجريمه في سياقات حساسة من النزاعات المسلحة لمكافحة الإرهاب من خلال قرارات ملزمة خاصة اعتمدها مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة. وقد نصت قرارات مجلس الأمن على استثناءات للأنشطة الإنسانية وأمرت الدول بضمان ألا تؤثر تدابير مكافحة الإرهاب التي تتخذها سلبًا على العمل الإنساني، وأن تأخذ في الاعتبار الآثار السلبية المحتملة لتدابير مكافحة الإرهاب على العمل الإنساني المحايد. (انظر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2462 (آذار/مارس 2019)، الفقرة 24؛ القرار 2482 (تموز/يوليه 2019)، الفقرة 16، القرار 2593 (آب/أغسطس 2021)، الفقرة 3، القرار 2582 (حزيران/يونيه 2021)، الفقرة 4، القرار 2590 (آب/أغسطس 2021)، الفقرتان 9-10 من الديباجة؛ القرار 2615 (كانون الأول/ديسمبر 2021)، الفقرة 1، والقرار 2664 (كانون الأول/ديسمبر 2022)، الفقرة 1).
بالإضافة إلى ذلك، فإن توصيات قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 77/298 لعام 2023 بشأن استراتيجية مكافحة الإرهاب "تحث الدول على أن تكفل، وفقًا لالتزاماتها بمقتضى القانون الدولي والقوانين الوطنية، وكلما كان القانون الدولي الإنساني منطبقًا، ألا تعرقل تشريعات وتدابير مكافحة الإرهاب الأنشطة الإنسانية والطبية أو التواصل مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة حسبما هو منصوص عليه في القانون الدولي الإنساني، وتشير إلى قواعد القانون الدولي الإنساني واجبة التطبيق المتعلقة بعدم معاقبة أي شخص على القيام بأنشطة طبية موافقة لآداب مهنة الطب" (انظر الفقرة 113 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 77/298).
وتتطلب الخطوة الثانية تضمين الاستثناء لأسباب إنسانية الوارد في قرار الأمم المتحدة في القوانين الجنائية لمختلف البلدان فيما يتعلق بالأنشطة الإنسانية والطبية التي تضطلع بها منظمات محايدة وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
ولا يعتبر هذا الاستثناء لأسباب إنسانية استثناءً جنائيًّا شاملًا، حيث إنه مقصود أن يكون ضيقًا من حيث النطاق المادي والشخصي لضمان عدم تمكن أي منظمة ذات نوايا إجرامية من الاعتماد على هذا الاستثناء من الناحية القانونية والواقعية.
➔ لجان العقوبات؛ عقوبات (سياسية أو اقتصادية أو عسكرية)؛ إرهاب
انظر أيضَا :← عفو شامل؛ واجب القادة؛ المبادئ الإنسانية؛ حصانة؛ لجوء الأفراد إلى المحاكم؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ القانون الدولي الإنساني؛ موظفو الإغاثة الإنسانية؛ أفراد الخدمات الطبية؛ منظمات غير حكومية؛ عقوبات جزائية في القانون الإنساني؛ حماية؛ الدول الحامية؛ الصليب الأحمر، الهلال الأحمر؛ إغاثة؛ احترام القانون الدولي الإنساني؛ حق الوصول؛ حق المبادرة الإنسانية؛ اتفاق خاص؛ إرهاب؛ الاختصاص العالمي؛ جرائم حرب/جرائم ضد الإنسانية
📖لمزيد من المعلومات:
Aubert, Maurice, “The question of superior orders and the responsibility of Commanding Officers in the Protocol additional to the Geneva Conventions of 12 August 1949 and relating to the protection of victims of international armed conflicts (Protocol I) of 8 June 1977.” International Review of the Red Cross, Vol.263 (April 1988): 105-120.
- Binet, Laurence, Medecins Sans Frontières Speaking Out case Studies, Available at https://www.msf.org/speakingout
- Blishenko, Igor P., “Responsibility in Breaches of Humanitarian Law.” In International Dimensions ofHumanitarian Law, Geneva, Henry Dunant Institute, 1988, p. 283-296.
- Bouchet-Saulnier, Francoise, “How counterterrorism throws back wartime medical assistance and care to pre-Solferino times”, International Review of the Red Cross, Vol. 103, No. 916-917, February 2022: 479-516. Available at: https://international-review.icrc.org/articles/how-counterterrorism-throws-back-wartime-medical-assistance-to-pre-solferino-times-916
- “Where Counterterrorism Measures Impede Humanitarian Action, Domestic Law Is Key”, IPI Global Observatory, 17 June 2021, Available at . https://theglobalobservatory.org/2021/06/where-counterterrorism-measure…
- Bouchet-Saulnier, Francoise and Dubuet, Fabien ; « Legal or humanitarian testimony? History of MSF’s inter-actions with investigations and judicial proceedings », Mach 2007. Crash. Fondation Médecins sans Frontières ; Available at https://msf-crash.org/en/rights-and-justice/legal-or-humanitarian-testi…
- Crawford, James, Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th edition, Oxford, Oxford University Press, 2019.
- Dinstein, Yoram, The Conduct of Hostilities under the Law of International Armed Conflict, 4th edition, Cambridge, Cambridge University Press, 2022.
- Doswald-Beck, Louise, Customary International Humanitarian Law, Cambridge University Press, 2005, Vol. II, p. 3733-3799.
- Graditzky, Thomas, “Individual criminal responsibility for violations of international humanitarian law committed in non-international armed conflicts.” International Review of the Red Cross, Vol. 322 (March1998): 29-56.
- Henckaerts, Jean-Marie, and Louise Doswald-Beck, eds., Customary International Law. Vol. 1, The Rules. Cambridge, Cambridge University Press, June 2005, part 6.
- Hendin, Stuart E., “Command Responsibility and Superior Orders in the Twentieth Century – A Century of Evolution”, Murdoch University Electronic Journal of Law, Vol. 4, No. 10(1), 2003Available at http://classic.austlii.edu.au/au/journals/MurdochUeJlLaw/2003/4.html
- Huvé, Sophie and Brubaker, Rebecca, “Humanitarian Exemptions in UN Sanctions Regime”, UN Sanctions and Humanitarian Action Policy Memo3/4 March 2022, 12p, United Nations University, Centre for Policy and Research, Available at file:///D:/Users/F-SAULNIER/Downloads/UNSHA-PolicyMemo3.pdf
- ICRC, “Engagement with Non-State armed groups: Position paper March 2021: Why, how, for what purpose, and other salient issues”, International Review of the Red Cross, Vol. 102, No. 915, January 2022: 1087-1098.
- Professional Standards for Protection Work Carried Out by Humanitarian and
- Human Rights Actors in Armed Conflict and Other Situations of Violence. 3rd ed., 2020, Available at https://www.icrc.org/en/publication/0999-professional-standards-protect…
- International Federation of the Red Cross and Red Crescent Societies and the ICRC, The Code of Conduct for the International Red Cross and Red Crescent Movement and Non-Governmental Organisations (NGOs) in Disaster Relief, 1 January 1994, Available at https://www.ifrc.org/sites/default/files/2021-07/code-of-conduct-moveme…
- La Rosa, Anne-Marie, “Humanitarian organizations and international criminal tribunals, or trying to square the circle”, International Review of the Red Cross, Vol. 88, No. 861 (March 2006): 169-186.
- Meloni, Chantal, Command Responsibility in International Criminal Law, T.M.C. Asser Press, The Hague, 10 June 2010, 286 pages.
- Mettraux, Guénaël, The Law of Command Responsibility. Oxford, Oxford University Press, 2009, 307 pages.
- Mongelard, Eric, “Corporate civil liability for violations of international humanitarian law”, International Review of the Red Cross, Vol. 88, No. 863, (September 2006): 665-691.
- Moore, Jonathan, ed., Hard Choices: Moral Dilemmas in Humanitarian Intervention. Rowman & Littlefield, Lanham, Oxford, 1998, 322 pages.
- Pantuliano, Sara, Mackintosh, Kate and Elhawary, Samir with Metcalfe, Victoria, Counter-terrorism and humanitarian action: Tensions, impact and ways forward, HPG Policy Brief 43, October 2011, Available at https://cdn-odi-production.s3.amazonaws.com/media/documents/7347.pdf
- Paust, Jordans, “Superior Orders and Command Responsibility.” In International Criminal Law, edited by M. Cherif Bassiouni, Ardsley, NY: Transnational, 1999, p. 223-238.
- Renault, Céline, “The impact of military disciplinary sanctions on compliance with international humanitarian law”, International Review of the Red Cross, Vol. 90, No. 870 (June 2008): 319-326.
- Rona, Gabor, “The ICRC’s privilege not to testify: Confidentiality in Action, An explanatory memorandum”, International Review of the Red Cross, Vol. 14, No. 845, (March 2002): 207-219. Available at https://international-review.icrc.org/sites/default/files/S156077550010…
- Schaff, Michael P., and Rodley, Nigel S., “International Law Principles on Accountability.” In Post-ConflictJustice, edited by Cherif Bassiouni, Brill, Nijhoff, 2002, p. 89-96.
- Sivakumaran, Sandesh, “Command Responsibility in Irregular Groups”, in
- Journal of International Criminal Justice, 2012, Vol. 10, no. 5, p. 1137.
- United Nations Office for the Coordination of Humanitarian affairs and Norwegian Refugee Council, Study of the impact of donor counterterrorism measures on principled humanitarian action, July 2013. Available at https://www.nrc.no/globalassets/pdf/reports/principles-under-pressure/n…
- Van Sliedregt, Elies, The Criminal Responsibility of Individuals for Violations of International Humanitarian Law, T.M.C. Asser Press, The Hague, 15 November 2003, p. 438.
- Williamson, Jamie Allan, “Some considerations on command responsibility and criminal liability”, International Review of the Red Cross, Vol. 90, No. 870 (June 2008): 303-317.



