الهدف الرئيسي للقانون الدولي الإنساني هو حظر الحرب الشاملة، التي لا قيود فيها على اختيار الأسلحة وأساليب التدمير، وتمكين السكان المدنيين من الحفاظ على حياتهم. بعد استخدام الأسلحة النووية والإبادة الجماعية خلال الحرب العالمية الثانية، اتفقت الدول بالإجماع على تقييد وسائل وأساليب الحرب. فلم تعد الغاية تبرر الوسيلة.
يتضمن القانون الدولي الإنساني أحكامًا تنظم سير الأعمال العدائية وأحكامًا أخرى تمنح الحق في الحصول على الإغاثة والبقاء على قيد الحياة للأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية أو كفوا عن المشاركة فيها بشكل مباشر، وهم: المدنيون والجرحى والمرضى والأسرى. تجدر الإشارة إلى أن قانون الحرب والقانون الدولي الإنساني هما اسمان مختلفان لنفس القانون.
على الرغم من أن القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان متكاملان، فإن القانون الدولي الإنساني يختلف عن قانون حقوق الإنسان من حيث محتواه وتطبيقه. تُلزم حقوق الإنسان الدول، بحكم سيادتها، باحترام معايير معاملة سكانها، والتي يجوز لها الخروج عنها في ظروف استثنائية. يتضمن القانون الدولي الإنساني التزامات دُنيا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء والسكان المدنيين تنطبق في النزاعات المسلحة دون إمكانية الاستثناء. إن الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني ملزمة لجميع الأطراف المسلحة الحكومية وغير الحكومية فيما يتعلق بالأشخاص والأراضي الخاضعة لسيطرتها. لا ترتبط الالتزامات المفروضة بموجب القانون الدولي الإنساني بوضع الدولة ذات السيادة بل بوضع طرف في النزاع، لتعويض فقدان الدول للسيطرة على جزء من أراضيها وسكانها، وهو ما يميز حالات النزاع.
وأخيرًا، يفوض القانون الدولي الإنساني جزءًا من مهام تقديم الإغاثة لضحايا النزاع إلى المنظمات الإنسانية غير المتحيزة، لتمكينها من الوصول إلى السكان في الأراضي المتضررة من النزاع. والأطراف في النزاع ملزمة بالسماح بتنفيذ أنشطة الإغاثة المقدمة دون تحيز وتيسيرها. ولا يجوز للأطراف في النزاع، بالتالي، عسكرة التفاوض بشأن الإغاثة أو عملية توزيعها كوسيلة لإضعاف العدو أو كأداة للسيطرة على السكان أو قمعهم.
يقر القانون الدولي الإنساني بحق المبادرة الإنسانية لصالح المنظمات الإنسانية غير المتحيزة. تشكل هذه الحقوق أساس القانون الدولي فيما يتعلق بالإغاثة، الذي يحمي أنشطة المنظمات غير الحكومية لصالح السكان المتضررين من النزاع.
ينطبق القانون الدولي الإنساني على جميع الأطراف (الدولية وغير الدولية) في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. وبالتالي، فإنه ينطبق بشكل واضح على الدول التي تشارك في عمليات عسكرية من خلال قواتها المسلحة الرسمية أو الجماعات المسلحة الخاضعة لسيطرتها. كما ينطبق على الجماعات المسلحة غير الحكومية المنظمة والمشاركة في عمليات عسكرية ضد الدول.
ينطبق الالتزام بالامتثال للقانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاعات دون أي شرط بالمعاملة بالمثل يضعه الطرف المقابل. ولا يمنح ادعاء انتهاك أحد أطراف النزاع للقانون الدولي الإنساني أو انتهاكه الفعلي للطرف الآخر الحق في تجاهل التزامه بالامتثال للقانون الدولي الإنساني. وقد أقر العسكريون أنفسهم بأن الامتثال للقانون الدولي الإنساني لا يشكل عائقًا استراتيجيًّا.
والدول غير الأطراف في النزاعات ملزمة بضمان احترام أطراف النزاع للقانون الدولي الإنساني من خلال وسائل سلمية مثل فرض عقوبات وإجراءات قانونية ضد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك أمام محاكمها.
يوفر القانون الدولي الإنساني إطارًا قانونيًّا واضحًا وعمليًّا بشأن المسائل المتعلقة بإيصال المساعدات الإنسانية. يفرض هذا الإطار، الذي يأخذ صفة القانون الدولي العرفي، مسؤولية قانونية على الجهات الفاعلة التي تمارس السيطرة الفعلية والسلطة العسكرية، حتى لو لم تكن تتمتع بشرعية قانونية. يجب ألا تتسبب المفاوضات بشأن السماح بدخول المنظمات الإنسانية في إضعاف هذا الإطار. تتفاوض المنظمات الإنسانية بشأن دخول مناطق النزاع مع جميع الجهات السياسية والمسلحة التي تبسط سيطرتها على الأراضي المعنية. الهدف من هذه المفاوضات هو إعلام الجهات الفاعلة بوجودها في الميدان وبأنشطتها الإنسانية البحتة بين ضحايا النزاع والحصول على موافقتها على ممارسة أنشطتها، وبالتزاماتها بعدم الاعتداء في أثناء ذلك، وتفاصيل الترتيبات العملية لضمان أمنها (طرق تحديد المواقع والأشخاص لأغراض إنسانية، والإبلاغ عن التحركات، وطرق الاتصال مع مختلف جهات الاتصال المعينة). يقع الالتزام بالسماح بإيصال مساعدات الإغاثة وتسهيله على عاتق الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. ولذلك، يحق للمنظمات الإنسانية التفاوض بشأن هذا الوصول مع الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تمارس السيطرة على الأراضي والسكان المعنيين، دون أن يعتبر ذلك تدخلًا أو انتهاكًا لسيادة الدولة أو دعمًا للجماعات المصنفة على أنها إجرامية أو إرهابية. ويقع على عاتق الجماعات المسلحة غير الحكومية التزام بالسماح بتنفيذ أنشطة الإغاثة المقدمة للسكان في الأراضي الخاضعة لسيطرتها وتسهيلها. وبالمقابل، لا يمكن للدولة أن ترفض إيصال المساعدات الإنسانية إلى الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة غير الحكومية أو التي لا تمارس عليها سيطرة فعلية.
تشكل انتهاكات القانون الدولي الإنساني خطرًا كبيرًا على بقاء السكان المتضررين من النزاع. وقد تتعلق هذه الانتهاكات بسير الأعمال العدائية نفسها، بما في ذلك التدمير العشوائي أو أشكال مختلفة من عرقلة المساعدات الإنسانية والطبية.
قد تندرج بعض الانتهاكات ضمن فئات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي يغطيها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو الاختصاص القضائي العالمي للمحاكم الوطنية لجميع البلدان. وهي تنطوي على المسؤولية الجنائية الشخصية للجناة، حتى لو كانوا يتصرفون بناءً على أوامر من رؤسائهم. ومع ذلك، لا تشكل جميع الانتهاكات جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، حيث من الضروري إثبات وجود عناصر مادية ومتعمدة، وهو أمر يصعب إثباته في خضم المعركة. بالإضافة إلى ذلك، تستغرق المحاكمات الجنائية الوطنية أو الدولية وقتًا طويلًا للغاية، ما لا يسمح بالحد من عدد الوفيات والدمار اللذين لا رجعة فيهما.
يظل الحفاظ على القدرة على التفاوض وإمكانية وصول المنظمات الإنسانية غير المتحيزة إلى الضحايا الخيار الوحيد لضمان بقائهم على قيد الحياة ويجب أن يظل أولوية مطلقة. وهذا يتطلب التزامًا واضحًا من جميع الجهات الفاعلة الدولية والدول والجهات الإعلامية. كما يتطلب الدعم والتمييز فيما يتعلق بمحاولات نزع الشرعية عن المنظمات الإنسانية المحايدة المعنية.
القاموس العملي للقانون الإنساني موجه إلى الجهات الفاعلة الإنسانية المدنية والمواطنين المشاركين في جهود الإغاثة في حالات النزاع المسلح. كما أنه موجه إلى الجهات الفاعلة السياسية والإعلامية المشاركة في هذه العمليات. يوفر القاموس لهم شرحًا مبسطًا للإطار القانوني المطبق على استخدام القوة المسلحة وتنفيذ أنشطة الإغاثة لصالح السكان والأفراد المتضررين من النزاع. كما يوفر فهمًا للحجج والإجراءات المشروعة وغير المشروعة بالنسبة للجهات الفاعلة المسلحة ومنظمات الإغاثة. وتعد هذه الحجج وهذا الإطار أدوات أساسية للتفاوض بشأن الإغاثة والالتزام الإنساني مع القوات المسلحة الحكومية والجماعات المسلحة غير الحكومية. لطالما توفرت في جميع البلدان، خبرات قانونية عسكرية كبيرة وقوية في مجال القانون الدولي الإنساني لا تعتبر هذا القانون عديم الفائدة أو عفا عليه الزمن. ونظرًا للتأثير الهائل للنزاعات على السكان المدنيين، يقدم القاموس خبرات مدنية في مجال القانون الدولي الإنساني واضحة وقابلة للتطبيق في مواجهة التفسير العسكري الحصري لهذا القانون، الذي قد يفرغه من أي مضمون لفائدة المدنيين.
ويستند التركيز على تطوير القانون الجنائي الدولي إلى تفسير ضيق لجرائم الحرب لا يسمح بالحفاظ على ممارسة أنشطة الإغاثة القائمة على تفسير القانون الدولي الإنساني الذي يركز على حماية المدنيين.
يمكن الحصول على القاموس العملي مجانًا على هذا الموقع بلغات العمل الأربع (الإنجليزية والعربية والفرنسية والروسية) لإزالة أي عوائق مالية أمام نشر هذه المعرفة لأكبر عدد ممكن من الناس. ويهدف هذا الاختيار إلى منع أولئك الذين يحتكرون القوة والسلطة بالفعل من احتكار القانون أيضًا. وبالتالي، يتيح هذا الاختيار للجهات والمنظمات العاملة في مجال الإغاثة تكريس جميع مواردها لجهود الإغاثة التي تلبي الاحتياجات المادية للأشخاص الأكثر ضعفًا دون المساس بحقوقهم.
فرنسواز بوشيه سولنييه تحمل درجة الدكتوراه في القانون الإنساني وقاضية، كرست 35 عامًا من حياتها لتطبيق معارفها القانونية عمليًّا في خدمة العمل الإنساني لمنظمة "أطباء بلا حدود"، في البلدان التي تشهد نزاعات أو تواجه حالات طوارئ أخرى. وبذلك، اكتسبت خبرة عملية في القانون الدولي الإنساني تتجاوز بكثير مجرد المعرفة النظرية.
وقد ازدادت هذه المعرفة ثراءً بفضل العمل بصفتها مستشارة قانونية ثم مديرة الشؤون القانونية لمنظمة "أطباء بلا حدود" في مناطق نزاع مختلفة، وبفضل إدارتها العملية، جنبًا إلى جنب مع الفرق العاملة على الأرض، للتحديات والمعضلات العديدة التي واجهتها جهود الإغاثة الطبية والإنسانية التي تبذلها المنظمة منذ عام 1991 وحتى يومنا هذا.
أعدت "القاموس العملي للقانون الإنساني" المستشارة القانونية لشؤون العمليات داخل منظمة أطباء بلا حدود، استجابةً للمشاكل والمعضلات الملموسة والمتكررة التي تواجهها الفرق الميدانية في حالات النزاع المسلح وحالات الطوارئ الأخرى. ويقدم القاموس، بالنسبة لكل مشكلة محددة، لمحة عامة عن الإطار القانوني الدولي المعمول به، ما يمكِّن مديري العمليات من فهم القضايا القانونية والميدانية المطروحة فيما يتعلق بالفئات السكانية والأشخاص المستضعفين، ونطاق التفاوض، والحجج الصحيحة أو التعسفية التي يسوقها القادة السياسيون أو قادة الجماعات المسلحة المعنيون، فضلًا عن صحة الحجج التي يمكن أن يستخدمها العاملون في مجال الإغاثة.
يهدف هذا القاموس إلى توفير أداة أساسية لمديري العمليات في "منظمة أطباء بلا حدود" والمنظمات الإنسانية الأخرى. وهو يحتوي على العناصر القانونية اللازمة لتوجيه قراراتهم وتمكينهم من التصرف بطريقة يمكن الدفاع عنها ومسؤولة وأخلاقية في بيئات غير منظمة وعنيفة.
يُقدَّم القانون الدولي الإنساني كأداة في خدمة العمل الإنساني، ما يسمح بتجنب المزالق القانونية المتمثلة في إخضاع الأنشطة لتفسير تقييدي للقانون. ويجب أن تظل الأولوية المطلقة للجهات الفاعلة الإنسانية هي التصرف بطريقة ملائمة وشرعية، دون السعي إلى الالتزام الحرفي بجميع المعايير أو تجنب أي مخاطر قانونية محتملة.
تُعد الدائرة القانونية المشتركة حاليًّا الدائرة المشتركة الوحيدة في حركة أطباء بلا حدود، وتتمثل مهمتها في تقديم الدعم والتحليل القانوني لمختلف المراكز الميدانية والأقسام والمكاتب، وكذلك المكتب الدولي لأطباء بلا حدود .
وتضم الدائرة، تحت إدارة واحدة، محامين من خلفيات متنوعة للغاية يضعون خبراتهم في خدمة جميع العمليات وحركة أطباء بلا حدود. تتألف الدائرة القانونية المشتركة من 6 وحدات:
الوحدة 1: خاصة بالقانون الدولي الإنساني وحماية المجال الإنساني؛ الوحدة 2: خاصة بالإطار الطبي- القانوني للممارسات الطبية في المجال الإنساني وحماية حقوق المرضى؛ الوحدة 3: خاصة بقانون العمل وإدارة القواعد الأخلاقية الخاصة بموظفي منظمة أطباء بلا حدود في بيئات قانونية وطنية متباينة للغاية؛ الوحدة 4: خاصة بالإطار الإداري والقانوني لمختلف البلدان الموجودة بها بعثات المنظمة لضمان استقلالية وفعالية عمليات منظمة أطباء بلا حدود الميدانية؛ الوحدة 5: خاصة بإدارة الحوكمة القانونية والعلامات التجارية لحركة منظمة أطباء بلا حدود الدولية؛ الوحدة 6: خاصة بالبحوث الطبية والميدانية، والبيانات، والابتكار.



