ظهر مصطلح ”لاجئو القوارب“ أول مرة في أواخر سبعينيات القرن العشرين لوصف النزوح الجماعي للاجئين الفيتناميين من فيتنام التي يسيطر عليها الشيوعيون في أعقاب حرب فيتنام. ومنذ ذلك الوقت، كانت هناك موجات عديدة من لاجئي القوارب عبر بحار العالم. ومنهم اللاجئون الصوماليون والإثيوبيون الذين يعبرون خليج عدن بانتظام للوصول إلى شواطئ اليمن. ويعبر آلاف اللاجئين من البلدان المتأثرة بالنزاعات المسلحة مثل أفغانستان والعراق وسورية وكذلك بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا. وفي جنوب شرق آسيا، يفر اللاجئون أيضًا إلى الخارج من ميانمار وبلدان أخرى للوصول إلى إندونيسيا وأستراليا على وجه الخصوص. وفي معظم السيناريوهات، يُترَكون دون أي وسيلة منتظمة للسفر إلى الخارج بسبب عدم حصولهم على وثائق الهوية وغيرها من الوثائق القانونية. وفي غياب مسار قانوني بديل نحو بلدان اللجوء والأمان، يسافرون على متن قوارب مكتظة وغير آمنة. وما يميز لاجئي القوارب هو تعرضهم بشكل خاص لمخاطر البحر وضعفهم تجاه المهربين الذين يجعلون من محنتهم تجارة مربحة. وهم معرضون بشكل خاص لممارسات الدول المتمثلة في منع القوارب من الوصول إلى مياهها الإقليمية وشواطئها وتقييد عمليات البحث والإنقاذ البحري وكذلك النزول في موانئها. ووفقًا لمشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، فإن غرق لاجئي القوارب هو السبب الأول لوفاة المهاجرين، وأن طريق وسط البحر الأبيض المتوسط هو الأكثر دموية. وفي الفترة من عام 2014 إلى عام 2022، تُوفي ما يقدر بنحو 25277 شخصًا من لاجئي القوارب في البحر الأبيض المتوسط، من بينهم حوالي 2000 لعام 2022 وحده.
تختلف المشاكل التي تثيرها فئة طالبي اللجوء المعروفين باسم ”لاجئي القوارب“ (أو اللاجئين في البحر) عن الأنواع الأخرى من طالبي اللجوء لأن عمليات الإنقاذ في البحر تحكمها قوانين البحار وأعرافها. وهذا يعني أن عدة دول عادة ما تكون مسؤولة، جزئيًّا على الأقل، عن مصير لاجئي القوارب: دولة أصل اللاجئين، ودولة العلم (الدولة التي سُجلت فيها السفينة والتي تبحر السفينة تحت علمها)، والدولة التي تتوقف فيها السفينة لأول مرة بعد الإنقاذ، وإذا دعت الحالة، الدولة التي تعرض السماح للاجئي القوارب بإعادة التوطين في أراضيها.
يقع الوضع القانوني للاجئي القوارب (1) على مفترق طرق مجموعة مختلفة ومتميزة من القواعد الدولية أبرزها: القانون البحري الدولي والقانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان الأساسية ولكن أيضًا القانون الجنائي الدولي المتعلق بجملة أمور منها تهريب البشر. وتعتمد هذه الأطر القانونية على أنماط مختلفة من مسؤولية الدول (2) مما يخلق توترًا عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ الواضح والعادل في حالات مُحدَّدة. وتعكس القواعد الدولية المطبقة على البحث والإنقاذ للغرقى (3) واحدة من أقدم القواعد الدولية للإنسانية والالتزام بالتضامن البحري. ومع ذلك، فإن التوافق القانوني على العملية الإلزامية لإنقاذ الأرواح لا يمتد إلى الحقوق الملزمة وواجبات الدول فيما يتعلق بالإنزال من السفينة.
أُنشئ الإطار القانوني للبحث والإنقاذ للاستجابة للحالات الاستثنائية والطارئة لأخطار البحر، ويتعرض للاختبار عند مواجهة التدفق الهائل والهيكلي للاجئي القوارب الذين يحتاجون إلى الإنقاذ والنزول من السفينة. ويفتح تعدد الأطراف المعنية الباب أمام الخلافات القانونية والممارسات التقييدية للدول، بما في ذلك رفض قبول طالبي اللجوء الذين يتم إنقاذهم في البحر الدخول إلى أراضيها.
يُعرِّض هذا أيضًا عمليات البحث والإنقاذ للخطر، ويضع ضرورات الإنقاذ في مقابل اعتبارات مراقبة الحدود.
أولًا- الوضع القانوني للاجئي القوارب
لاجئو القوارب هو مصطلح عام غير قانوني يشمل الأفراد الذين قد يشملهم مختلف أوضاع الحماية القانونية الدولية مثل: اللاجئ في البحر أو المهاجر غير النظامي أو الركاب السريين (المسافرين خلسة) أو الأشخاص الغرقى أو ضحايا الاتجار بالبشر أو حتى المهربين. ولا يعتبر كل مسافر خلسة أو ”نازح على متن قارب“ لاجئًا في البحر بموجب القانون الدولي. ولكي يعتبر الفرد كذلك، يجب أن يستوفي المعايير المنصوص عليها في المادة 1 (أ) من اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين (اتفاقية اللاجئين). ويتجلَّى هذا أيضًا في اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 التي تحكم المظاهر الخاصة بمشاكل اللاجئين في أفريقيا. بعبارة أخرى، يجب أن يكون الفرد خائفًا من خطر الاضطهاد لأسباب عرقية أو دينية أو لأسباب تتعلق بالجنسية أو بالانتماء إلى فئة اجتماعية معينة، أو بسبب الآراء السياسية.
في سياق تدفقات الهجرة المختلطة، يستخدم المصطلح العام ”مهاجر“ عمومًا لوصف جميع لاجئي القوارب. وحتى لو سُمِّي هؤلاء الأفراد مهاجرين، فإن الدول عليها التزام دولي بتقييم الوضع الفردي لجميع طالبي اللجوء. وبالنسبة لجميع الأشخاص الآخرين، (بمن فيهم المهاجرون غير النظاميين)، فإنهم يظلون محميين بموجب حقوق الإنسان الدولية الأساسية، لا سيما ضد الإعادة القسرية والطرد الجماعي والإعادة القسرية إلى بلد تتعرض فيه حياتهم وسلامتهم للخطر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن القانون الدولي المتعلق بالبحث والإنقاذ للغرقى في البحر ملزم لجميع الدول وينطبق دون تمييز على جميع الأشخاص الذين يتعرضون للخطر في البحر. ومن الواضح أن هذا هو الحال في العديد من الحالات التي يوجد فيها أشخاص على متن قوارب خطرة وبالية.
مع أن القانون البحري الدولي ينظم التزامات البحث والإنقاذ فضلًا عن إدارة المسافرين المتسللين، فإن تقاسم المسؤولية فيما يتعلق بالنزول من السفينة يؤجج التوترات بين مختلف الدول المعنية: دولة علم القارب، والدول الساحلية بما في ذلك دولة أول ميناء توقف أو أول ميناء ”بلد آمن“.
ثانيًا- الدولة المسؤولة عن اللاجئين والأشخاص في البحر
يخضع الأفراد في البحر، بمن فيهم اللاجئون، في المقام الأول لمسؤولية الدولة التي تحمل السفينة التي تقلهم علمها. ووفقًا للاتفاقية الدولية لحماية الأرواح في البحر التي اعتمدت في عام 1974 ودخلت حيز النفاذ في عام 1980، فإن دول العلم مسؤولة عن ضمان امتثال السفن التي ترفع علمها لمتطلبات السلامة والأمن المتعلقة بالبناء والمعدات والاتصالات والملاحة. ويشمل ذلك القواعد والمعدات اللازمة لأمن الأشخاص والشحنات، فضلًا عن التزام الربابنة بتقديم المساعدة إلى الأشخاص المنكوبين (الفصل الخامس). ووفقًا للاتفاقية الدولية لعام 1957 المتصلة بالمسافرين خلسة، فإن دولة العلم والربان مسؤولان عن المسافرين السريين، بمن فيهم طالبو اللجوء. وحاولت هذه الاتفاقية حل مسألة وضع المسافرين السريين والبت في مسؤولية الدولة عن النزول من السفينة، وذلك بفرض الالتزام باستقبال هؤلاء الأشخاص على دولة ميناء التوقف الأول بدلًا من دولة العلم. ومع ذلك، لم تدخل هذه الاتفاقية حيز النفاذ أبدًا لأن الدول رفضت تحمل هذا الالتزام الواضح تجاه إنزال الركاب السريين. ونتيجة لذلك، تجنبت اتفاقية تسهيل حركة الملاحة البحرية الدولية، التي اعتمدت في عام 1965، البت في مسألة الإنزال.
وحتى لو لم تدخل اتفاقية عام 1957 حيز النفاذ رسميًّا، فإن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعتبر أنها تعكس اتفاق الدول بشأن معاملة اللاجئين في البحر وضرورة مراعاة حاجتهم إلى الحماية الدولية في عملية الإنزال، بما في ذلك حقهم في عدم إعادتهم إلى مكان وبلد قد تكون فيه حياتهم وحريتهم في خطر. وتشترط المادة 5 (2) على ربان السفينة والسلطات المختصة في ميناء الإنزال ”مراعاة الأسباب التي قد يقدمها المسافر خلسة لعدم إنزاله أو إعادته إلى الموانئ أو الدول المذكورة في هذه الاتفاقية“.
في حالة الأشخاص الفارين من بلادهم على متن قوارب متداعية، فإن هشاشة القارب قد تفرض التزامًا على سفينة قريبة بمساعدة القارب المعرض للخطر وفقًا للقواعد التي تحكم عمليات الإنقاذ في البحر. ويعتبر الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر غرقى بموجب القانون البحري. وهم يخضعون للمسؤولية المزدوجة لدولة علم سفينة الإنقاذ، والدولة الساحلية المسؤولة عن منطقة الإنقاذ.
☜ النزول في أول ميناء ”بلد آمن“ ليس حقًّا بل هو ممارسة فضلى متفق عليها لتقديم المساعدة الكافية للغرقى وتحرير الربان من عبء هذه الرعاية. ولا توجد قاعدة ملزمة بموجب القانون البحري الدولي تحدد على وجه اليقين أي الدول - دولة العلم أم الدولة الساحلية أم دولة أول ميناء توقف أم دولة أول ميناء ”بلد آمن“ - ملزمة بالسماح للأفراد الذين يتم إنقاذهم في البحر بالنزول في أراضيها. ويعتمد القانون البحري على التعاون ويؤكد أن الدولة المسؤولة عن منطقة الإنقاذ البحري تتحمَّل المسؤولية الرئيسية عن ضمان هذا التنسيق والتعاون. وتلك الدولة مسؤولة عن تعيين ميناء للإنزال. ومع ذلك، لا يمكنها فرض هذا القرار على الدول الأخرى.
يواجه المسافرون السريون نفس المعضلة عندما يستقلون قاربًا في دولتهم الأصلية أملًا في النزول في دولة أجنبية. ومع أن مسؤولية دولة العلم في حالة استقبال الركاب السريين محددة بوضوح، فليس على دولة ميناء التوقف الأول واجب دولي أن تقبل النزول من السفينة في أرضها. ويجعل هذا مسؤولية ربابنة السفن أكبر وأكثر إزعاجًا. ويكون الإنزال في بلد آمن واجبًا عندما يعكس الحظر المطلق بموجب القانون الدولي لإعادة أي شخص إلى مكان تكون فيه حياته وحريته في خطر. ومن الناحية العملية، تتطلب كل عملية موافقة دولة الميناء.
ثالثًا- الالتزامات القانونية المتعلقة بالبحث والإنقاذ للأشخاص في البحر
إن واجب الإنقاذ في البحر قاعدة عرفية دولية قديمة جدًّا. ومن وجهة نظر قانونية، فإن الالتزامات بإنقاذ الناس في البحر هي وحدها المنصوص عليها بوضوح في القانون الدولي. وهي ملزمة لجميع الدول البحرية وجميع ربابنة السفن. إن الالتزام ”بمساعدة الأشخاص المعرضين للخطر في البحر" مع زيادة التأكيد على أن "هذا الالتزام لا يتأثر بوضع الأشخاص المعنيين، أو طريقة سفرهم، أو أعدادهم“، يتجلَّى على نطاق واسع في المادة 98 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وفي المادة السادسة (ب) من الاتفاقية الدولية لحماية الأرواح في البحار لعام 1974، وفي المادتين 2-1-9 و2-1-10 من الاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ في البحار لعام 1979، وفي المادة 12 من اتفاقية أعالي البحار لعام 1958.
المنظمات الدولية المشاركة في إنقاذ الأشخاص في البحر هي المنظمة البحرية الدولية IMO)) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة (IOM).
لقد وضع اعتماد المنظمة البحرية الدولية لالتزامات البحث والإنقاذ الإطار القانوني الدولي الذي ينظم وينسق واجبات الدول حول إنشاء 13 منطقة بحرية. وفي هذه المناطق الـ 13، تلتزم الدول الأطراف بالتنظيم والتنسيق فيما بينها فيما يتعلق بإنشاء: مناطق الإنقاذ البحري، مراكز تنسيق عمليات الإغاثة في البحر، والإجراءات الملزمة لجميع دول العلم والدول الساحلية، والتي يجب أن يشارك في إطارها جميع ربابنة السفن في عمليات الإنقاذ.
وقد عُدِّلت هذه الاتفاقية في عام 2004 باعتماد مبادئ توجيهية منقحة بشأن معاملة الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر (MSC 78/26/Add.2، المرفق 34) وتعديل الفقرة 1 (1) من القاعدة 5V/33 من الاتفاقية الدولية لحماية الأرواح في البحر ومرفق اتفاقية البحث والإنقاذ (الفقرة 3 (1) (9)). وتُحسِّن التعديلات والمبادئ التوجيهية لعام 2004 التنسيق بين الدول لتحديد أفضل الأماكن لإنزال الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر ومساعدة الربان في العثور على مكان آمن لإنزال هؤلاء الأشخاص. وهي توضح أيضًا المعايير والشروط المنطبقة لتعيين مكان للإنزال.
ومع أن إنقاذ الأرواح هو واجب قانوني ملزم لجميع أصحاب المصلحة، إلا أنه يسمح ببعض المرونة لعملية الإنزال النهائية ضمن المعايير المتفق عليها المتعلقة بتخصيص ميناء الإنزال: القرب والسلامة ومعدات الإنقاذ المتاحة.
تتعهد الدول الأطراف بتكليف مراكز تنسيق عمليات الإغاثة في البحر الخاصة بها بمهمة ضمان التنسيق والتعاون في عمليات الإنقاذ وإيجاد أنسب ميناء للإنزال.
وهي متفقة على أن الدولة المسؤولة عن منطقة إنقاذ هي المسؤولة عن تنظيم عملية الإنقاذ وتحديد أفضل مكان للإنزال، حتى لو لم تتمكن من فرض هذا القرار على موانئ الدول الأخرى.
ومن المتفق عليه أن الحكومة المسؤولة لديها المرونة اللازمة لمعالجة كل حالة على حدة، مع ضمان إعفاء ربابنة السفن الذين يقدمون المساعدة من مسؤوليتهم في غضون فترة زمنية معقولة وبأقل تأثير ممكن على السفن (المادة 2 (6)).
تتطلب المبادئ التوجيهية أيضًا أن يتم الإنزال في مكان آمن يعرف بأنه موقع تعتبر عمليات الإنقاذ منتهية فيه. وميناء ”البلد الآمن“ هذا هو ”مكان لم تعد فيه سلامة حياة الناجين مهددة وحيث يمكن تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية“ (المادة 6 (12)). وتوضح الاتفاقية المعدلة أيضًا أن المكان الآمن ينبغي أن يراعي الظروف الخاصة للحالة. وتذكر المبادئ التوجيهية بأن كل حالة فريدة من نوعها، وينبغي للحكومة أن تتعاون بعضها مع بعض فيما يتعلق بتوفير أماكن آمنة مناسبة للناجين بعد النظر في العوامل والمخاطر ذات الصلة (المادة 6 (16)). وتؤكد هذه المبادئ أيضًا على ضرورة تجنب النزول حيث تتعرض للخطر حياة وحرية من يدعون وجود خوف له ما يبرره من الاضطهاد (المادة 6 (17)).
الميناء الآمن والبلد الآمن
مما يؤسف له أن مفهوم أقرب ميناء أو بلد آمن وأكثرها أمانًا لا يزال يثير شكلًا من أشكال الارتباك والغموض القانوني لأنه مستمد جزئيًّا من القانون البحري وكذلك من القانون الدولي وقانون اللاجئين.
والنزول في أول أو أقرب ميناء آمن لا يشكل، بموجب القانون البحري، حقًّا واضحًا لربان السفينة أو الدولة المسؤولة عن منطقة الإنقاذ، بل هو ممارسة فضلى متفق عليها تتيح تقديم المساعدة الكافية للغرقى وإعفاء الربان من عبء هذه الرعاية.
والإنزال في بلد آمن التزام قانوني يعكس الحظر المطلق بموجب القانون الدولي لإعادة أي شخص إلى مكان تكون فيه حياته وحريته في خطر.
بموجب القانون الدولي، يجب قراءة عمليات البحث والإنقاذ في البحر وفقًا للمبدأ الدولي لعدم الإعادة القسرية ومفهوم البلد الآمن. والواقع أن عدم الإعادة القسرية، التي لا يُسمح بأي تحفظ عليها، هو مبدأ من مبادئ القانون الدولي الإنساني العرفي مكرس في المادة 33 من اتفاقية اللاجئين، فضلًا عن إدماجه في المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف والمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، يوجد أيضًا في ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي (المادتان 18 و19) وفي معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي (المادة 78). وقد فسرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الحق في عدم التعرض للتعذيب، عملًا بالمادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، على أنه يشمل عدم الإعادة القسرية. وينص مبدأ عدم الإعادة القسرية على أنه لا يجوز نقل أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر التعذيب أو غيره من أشكال سوء المعاملة أو الحرمان التعسفي من الحياة أو الاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو رأيه السياسي أو انتمائه إلى فئة اجتماعية مُعيَّنة. فهو لا يشمل الأشخاص المعترف بهم كلاجئين فحسب، بل يشمل أيضًا جميع الأفراد الذين يدَّعون هذا الخوف، ولا يشير إلى عمليات الطرد داخل أراضي الدولة المضيفة فقط، ولكن أيضًا إلى رفض الدخول على الحدود. وهذا يعني أن إنزال الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر يجب أن يتم في مكان آمن وفقًا لمعايير وضمانات مبدأ عدم الإعادة القسرية.
بيد أن ممارسات الدول لا تزال بعيدة كل البعد عن الاحترام الفعال لهذا الواجب القانوني الدولي. على سبيل المثال، تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ القرار 2491 (الذي يفرض حظرًا على الأسلحة على ليبيا ويأذن للدول الأعضاء بتفتيش السفن في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا (عندما يكون لديها أسباب معقولة للاشتباه في أنها تستخدم لتهريب المهاجرين أو الاتجار بالبشر) ومصادرة السفن (إذا كان هناك تأكيد لذلك) أكَّد أنه بموجب القانون الدولي، ليبيا ليست ميناء آمنًا للإنزال أو العودة مع الإشارة إلى أن سياسات الدول الأعضاء لا تزال تؤدي إلى إنزال المهاجرين واللاجئين في ليبيا (حتى كانون الأول/ديسمبر 2022، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، تم إنقاذ ما مجموعه 992 7 مهاجرًا ولاجئًا في البحر وإعادتهم إلى الشواطئ الليبية).
إدارة البحث والإنقاذ أو مراقبة الحدود وتدفقات الهجرة
أُنشئ الإطار القانوني للبحث والإنقاذ للاستجابة للحالات الاستثنائية والطارئة لأخطار البحر، ويتعرض للاختبار عند مواجهة التدفق الهائل والهيكلي للاجئي القوارب الذين يحتاجون إلى الإنقاذ والنزول من السفينة في سياقات تاريخية ومعاصرة مختلفة في أنحاء المعمورة.
وقد تجلى ذلك مؤخرًا في المشاكل التي تواجهها عمليات البحث والإنقاذ للاجئي القوارب في البحر الأبيض المتوسط في سياق الاتحاد الأوروبي. وتجسدت هذه المشاكل من حيث القدرة على إنقاذ القوارب والضغط الذي تمارسه الدول بشأن النزول في أراضيها.
في سياق الاتحاد الأوروبي، تتفاقم هذه المسألة لأن البحث والإنقاذ والإنزال غير مشمولة بإطار قانوني مشترك للاتحاد الأوروبي. ويخلق هذا توترات (بالنسبة للبلدان ذات الحدود البحرية الخارجية للاتحاد الأوروبي) بين واجبها في السماح بالإنزال ومسؤوليتها عن التحكم في الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي ومعالجة طلبات اللجوء كأول بلد دخول.
في عام 2013، تجاوز عدد لاجئي القوارب المعرضين للخطر في البحر بدرجة كبيرة قدرة السفن التجارية. وفي أعقاب غرق 366 مهاجرًا في لامبيدوزا بجزر بيلاجي، أشركت إيطاليا قواتها البحرية في مشروع ”بحرنا“ الخاص للبحث والإنقاذ الذي أطلق في تشرين الأول/ أكتوبر2013. أنقذ هذا المشروع 100 ألف شخص على مدار عام واحد بتكلفة شهرية قدرها 9 ملايين يورو. وأثار المشروع الكثير من الانتقادات مثل التقاسم غير العادل للأعباء بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وكذلك مزاعم تسهيل الدخول غير القانوني للمهاجرين إلى الأراضي الأوروبية.
تم استبدال مشروع ”بحرنا“ في عام 2014 ببرنامج فرونتكس الأوروبي الذي يهدف إلى مراقبة الحدود الخارجية لأوروبا بدلًا من الانخراط في البحث والإنقاذ وتقاسم عبء الإنزال الذي تتحمله الدول الساحلية.
وقد أدى ذلك إلى استجابة من مختلف المنظمات الإنسانية غير الحكومية مثل منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة إس أو إس ميديتيراني لتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ. على سبيل المثال، من أيار/مايو 2015 حتى 29 آب/أغسطس 2020، تم تنفيذ 686 عملية وقيام قوارب الإنقاذ التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود بمساعدة حوالي 82 ألف شخص. وواجهوا نفس الادعاءات بتسهيل الهجرة غير الشرعية مثل تلك التي أثيرت ضد البحرية الإيطالية. ومع ذلك، تحولت هذه الانتقادات إلى اتهامات رسمية من بعض الحكومات. وقد رفعت دول مختلفة قضايا جنائية تتعلق بالتواطؤ مع المهربين وتسهيل الهجرة غير الشرعية ضد هذه المنظمات الإنسانية وموظفيها لعرقلة عمليات البحث والإنقاذ والحد من عدد عمليات الإنزال بعد الإنقاذ، بدلًا من السماح للمنظمات الإنسانية بالبقاء في البحر بحثًا عن قوارب مهاجرين أخرى في محنة، كما كان يحدث عادة.
بعد خمس سنوات من أزمة الهجرة في البحر الأبيض المتوسط عام 2015، تمت الموافقة على ميثاق الاتحاد الأوروبي الجديد بشأن الهجرة واللجوء المؤرخ 23 أيلول/سبتمبر 2020 من قبل دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين في 14 أيار/مايو 2024. أمام الدول الأعضاء الآن سنتان لإدماج أحكام الميثاق في تشريعاتها الوطنية. ويهدف الميثاق إلى استبدال لوائح دبلن التي تتطلب من الأشخاص التقدم بطلب للحصول على اللجوء في أول بلد في الاتحاد الأوروبي يدخلونه. وهو يؤسس لتقاسم أقوى للمسؤولية والتضامن بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لا سيما تجاه الدول الساحلية أو الحدودية الخارجية الأعضاء، فيما يتعلق بالهجرة واللجوء وكذلك عمليات البحث والإنقاذ.
ويُذكِّر ميثاق الاتحاد الأوروبي الجديد بالاحترام الكامل للالتزام المنصوص عليه في القانون الدولي فيما يتعلق بإنقاذ الأشخاص في البحر، ويؤكد مبدأ التضامن والتقاسم العادل للمسؤولية. ولا يزال تنفيذ مبدأ التضامن طوعيًّا، ولكن تقاسم المسؤولية ينبغي أن يستند إلى المعايير المنقحة المقترحة لتحديد مسؤولية الدول الأعضاء. وترد هذه المعايير في الجزء الثالث، الفصل الثاني من اللائحة الجديدة لإدارة اللجوء والهجرة الصادرة عن مفوضية الاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع أن تخفف من الضغط الذي تفرضه عمليات البحث والإنقاذ على الدول الساحلية للاتحاد الأوروبي. ولن تكون الدولة التي يتم فيها الإنزال وبالتالي الدخول الأول مسؤولة بعد الآن عن إدارة حالات القصر غير المصحوبين بذويهم مع وجود مستجيب الأسرة في بلد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي (المادة 15)، وكذلك حالات البالغين الذين لديهم حالات تتعلق بالأسرة في بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى (المواد 16-18).
وفقًا لهذا الميثاق الجديد، سيتم وضع جميع الضمانات اللازمة التي تكفل حصول كل شخص على تقييم فردي يأخذ في الاعتبار أوجه ضعف بعض مقدمي الطلبات، مع الاحترام الكامل لحقوقهم الأساسية، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية. وفيما يتعلق بالبحث والإنقاذ، تذكر اللجنة بأن إنقاذ الأرواح في البحر هو واجب إلزامي على جميع دول الاتحاد الأوروبي وأن الإنزال بعد عمليات البحث والإنقاذ في البحر يجب أن يتم في مكان آمن. والأهم من ذلك، ينبغي أن توضح أيضًا مسألة تجريم الجهات الفاعلة الخاصة من خلال التوجيه بشأن تنفيذ قواعد مكافحة التهريب، وأن توضح أنه لا يجوز تجريم تنفيذ الالتزام القانوني بإنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر في البحر.
ولا يزال يتعين أن تصادق الدول على هذا الميثاق على مستوى الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه، لا يزال غياب إطار دولي ملزم يتعلق بمسؤولية الدول وتقاسم الأعباء تجاه الهجرة واللجوء، وإنزال الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر مصدرًا للتوتر بين الدول وخطرًا إضافيًّا على الأفراد. ولذلك، يبدو أن تحطُّم السفينة الغارقة وتناثُر حطامها على الشاطئ هو الوسيلة القانونية الوحيدة «لنزول» لاجئي القوارب من السفينة. وقد أدى ذلك ببعض الدول إلى منع القوارب من الوصول إلى شواطئها عن طريق دفعها إلى خارج المياه الإقليمية إلى أعالي البحار.
في هذا السياق، استقال المدير العام لفرونتكس في نيسان/أبريل 2022 بعد تحقيق أجراه المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال يظهر تورط فرونتكس في الإعادة القسرية غير القانونية للمهاجرين خلال عمليات مراقبة الحدود البحرية. وأدان الاجتهاد القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذه الممارسة باعتبارها غير قانونية في إحدى الحالات التي تنطوي على اعتراض إيطاليا للاجئين صوماليين وإريتريين في أعالي البحار ونقلهم إلى ليبيا. (انظر أدناه).
⚖ خامسًا - السوابق القضائية
في قضية آسفي وآخرين ضد اليونان، رأت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن سلوك مسؤولي الأمن اليونانيين من خلال عملية ”الصد“ التي أدت إلى غرق قارب مهاجرين، مما أسفر عن مقتل أحد عشر شخصًا (بينهم أطفال ورضع) فضلًا عن تفتيش الناجين بعد تعريتهم والحالة التي حدث فيها، ينتهك حق المهاجرين في الحياة وحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة الوارد في المادتين 2 و3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. (صافي وآخرون ضد اليونان، الطلب رقم 15/5418، [الدائرة]، الحكم، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2022، الفقرات 157-167، 194-198).
وفي قضية هيرسي وآخرين ضد إيطاليا، خلصت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن المادة 3 تنطبق أيضًا في أعالي البحار وأشارت إلى أن ”السفينة التي تبحر في أعالي البحار تخضع للولاية القضائية الخالصة لدولة العلم الذي ترفعه“. وخلصت إلى أن السلطات الإيطالية انتهكت المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (الحق في عدم التعرض للتعذيب) عندما نقلت إلى ليبيا 11 مواطنًا صوماليًّا و13 مواطنًا إريتريًّا تم اعتراضهم في أعالي البحار قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى الساحل الإيطالي (هيرسي جامع وآخرون ضد إيطاليا، الطلب رقم 09/27765، [الدائرة الكبرى]، الحكم، 23 شباط/فبراير2012، الفقرات 76 و135-137 و156-158).
انظر أيضَا :← لجوء؛ إجلاء؛إعادة قسرية/طرد؛إعادة إلى الوطن؛المنظمة الدولية للهجرة؛لاجئون؛عديمو الجنسية؛ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ المفقودون والموتى
📖 لمزيد من المعلومات:
- Barsalou Olivier, 2008 « l’'interception des réfugiés en mer: un régime juridique aux confins de la normativité », Lex electronica, vol. 12 no 3 (Winter 2008), Available at https://www.lex-electronica.org/files/sites/103/12-3_barsalou.pdf
- European Parliament, Search and rescue in the Mediterranean, European parliament Briefing, January 2021; Available at https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2021/659442/EPRS_BRI…;
- Forensic Architecture, By Location, November 2022, Available at https://forensic-architecture.org/location/mediterranean-sea
- Lloyd-Damnjanovic, Isabella, “Criminalisation of Search-and-Rescue Operations in the Mediterranean Has Been Accompanied by Rising Migrant Death Rate”, Migration Policy Institute, 9 October 2020, available at https://www.migrationpolicy.org/article/criminalization-rescue-operatio…
- International Organization for Migration, Missing Migrants Project, 12 November 2022, Available at https://missingmigrants.iom.int/region/mediterranean
- United Nations High Commissionner for Refugees. The State of the Worldgees..int/region/mediterranean on-r. Oxford: Oxford University Press, 1995, (see box 5.4).
- Rescue at Sea, Stowaways and Maritime Interceptions: selected reference materials, 2nd Edition, December 2021. Available at https://www.unhcr.org/ie/media/rescue-sea-stowaways-and-maritime-interc…
- United Nations Human Rights Office of the High Commissioner, “Lethal Disregard” Search and rescue and the protection of migrants in the central Mediterranean Sea, May 2021, Available at https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Issues/Migration/OH…
- Zarjevski, Nefime, A Future Preserved: International Assistance to Refugees. Oxford: Pergamon Press, 1988.



