قد تخلق حالات النزاع المسلح، وكذلك الكوارث الطبيعية، عددًا كبيرًا من الكوارث البشرية، والاختلالات الاجتماعية والإدارية الجسيمة. والبحث عن المفقودين ’1‘ وتحديد هوية الموتى ’2‘ ضروريان لحفظ حقوق الإنسان الأساسية أو استعادتها، وتقديم أنشطة إغاثة سليمة. وفي الواقع، يجب دمج هذه الاهتمامات من البداية في هيكل أي أعمال إغاثة، للحفاظ على الأدلة اللازمة في المستقبل لتحديد هوية أصحاب الجثث، وللحد من احتمالات تعرُّض المفقودين لمزيد من الإساءات المتعمَّدة في المستقبل. واستعادة الروابط العائلية ذات أهمية بالغة للتمييز بين حالات الاختفاء الطبيعية والقسرية. ولدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر تفويض دولي للاضطلاع بمثل هذه الأنشطة في حالات النزاع المسلح حيث يمكنها حماية سرية وحياد أنشطتها من المصالح المعاكسة للدول. وتعتمد فاعلية أنشطتها على قيام الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وكذلك منظمات إنسانية أخرى بتسجيل المعلومات ذات الصلة عن المفقودين والموتى وتوصيلها إلى اللجنة الدولية. وفي حالات الأزمات الأخرى مثل الكوارث أو الهجرة الجماعية، تقوم جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية، فضلًا عن المنظمات الإنسانية المحايدة الأخرى، باستكمال عمل السلطات الوطنية أو الإحلال محلها في إعادة الروابط الأسرية وإدارة شؤون المفقودين والموتى.
وفي أوقات السِّلْم، تحظر مختلف الاتفاقيات الدولية حالات الاختفاء القسري وترصدها.
وخلال الأعوام القليلة الماضية تَم وضْع إرشادات لإدارة الجثث من أجل تسهيل ممارسات إنسانية أكثر كفاءة تتيح في ما بعد تحديد هوية الموتى. وحينما تشارك المنظمات الإغاثية والطبية الدولية في إدارة الجثث، في الحالات التي تشهد سقوط خسائر بشرية كبيرة أو غيرها من الحالات، فإنه من الضروري أن تعرف هذه المنظمات مثل هذه البروتوكولات وتتبعها. وإجراءات تحديد هوية أصحاب الجثث من أجل التحقيقات الجنائية لا تناسبالتحديدلأغراضإنسانيةأوتُلبِّي متطلباته.
أولًا - المفقودون
1- حماية المفقودين وحظر حالات الاختفاء القسري
تُعرِّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفقودين بأنهم الذين لا تعرف أُسَرهم مكانهم، و/أو على أساس معلومات يُعوَّل عليهاـ أُعلِن عن فقدهم في ما يتصل بنزاع مسلَّح دولي أو غير دولي، أو حالة من حالات العنف، أو اضطرابات داخلية، أو أي وضعٍ آخر قد يتطلَّب تدخُّل وسيط محايد ومستقل.
وتعبير المفقودين يشير إلى أناس موتى، أو على قيد الحياة. وهذه الشكوك في حد ذاتها عنصر ضعف أو خطر شديد. فإذا كانوا على قيد الحياة، فإما أن يكونوا محتجَزين سرًّا، أو منفصلين عن أقاربهم جرَّاء نزوح مفاجئ أو كارثة أو حادثة. وفي كلتا الحالين، يجب منحهم الحماية التي ينصُّ عليها القانون الدولي الإنساني لأي فئة ينتمون إليها: سواء كانوا مدنيِّين، أو نازحين، أو محتجَزين، أو أسرى حرب، أو جَرحى ومَرضى، أو موتى، أو أي فئة أخرى.
ومسألة المفقودين مسألة ذات صبغة سياسية واضحة لأن المحاربين غالبًا ما يتلاعبون في أعداد المفقودين، أو يحجبون عن عمد المعلومات عنهم بُغْيَة الضغط على الطرف المعادي، أو بثِّ الذعر في السكان والتحكُّم فيهم، أو إضعاف المحتجَزين لأغراض الاستجواب.
أ- حماية المفقودين بموجب القانون الدولي الإنساني
في حالات النزاع المسلح، ينص القانون الدولي الإنساني على عدد من الالتزامات المحددة والتدابير الملموسة لمعالجة الحالات المتعلقة بمصير الأشخاص المفقودين جراء العنف. في حالات النزاع المسلح الدولي، ترد هذه الالتزامات بالتفصيل في اتفاقية جنيف وبروتوكولها الأول الإضافي. وفي حالات النزاع المسلح غير الدولي، تستمد هذه الالتزامات من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.
يفرض القانون الدولي الإنساني التزامات يتعيَّن على أطراف النزاعات المسلَّحة الدولية الوفاء بها باتخاذ كل التدابير الممكنة للبحث عن الأشخاص الذين أعلن الطرف الخصم أنهم مفقودون، وتسجيل المعلومات الخاصة بهؤلاء الأشخاص (اتفاقية جنيف1، المادتان16-17؛ واتفاقية جنيف 2، المادتان19-20؛ واتفاقية جنيف 3، المواد 122-125؛ واتفاقية جنيف4، المواد 136-141؛ والبروتوكول1، المادتان32-34).
وإذا كان الشخص مفقودًا بسبب تحرُّكات سكانية في أوقات النزاع المسلَّح، فيجب استعادة الروابط العائلية في أقرب وقت ممكن (اتفاقية جنيف4،المادتان25-26). وإذا كان الأشخاص مفقودين بسبب قيام الخصم باحتجازهم أو علاجهم، فإن القانون الدولي الإنساني يقضي بأنه يجب إبلاغ عائلاتهم والسلطات على وجه السرعة من خلال ثلاث قنوات: الإخطار بدخول المستشفى، أو الوقوع في الأسْر أو الاحتجاز، وإرسال بطاقات الوقوع في الأسر أو الاحتجاز، والحقُّ في التواصل مع أُسَرهم. ويجب على السلطات الحاجزة أيضًا الالتزام بالردِّ على الاستفسارات عن الأشخاص المَحميِّين (اتفاقية جنيف 1،المادة16؛ واتفاقية جنيف2،المادة19؛واتفاقيةجنيف3،المواد 70-71 و122-123؛واتفاقيةجنيف4،المواد 106-107 و136 و137 و140؛والبروتوكول1،المادة33(2)).
ويجب على أطراف النزاع، وكذلك المنظمات الإنسانية الدولية غير المتحيزة، اتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان أن تعرف الأُسَر مصير أقاربها. وللَّجنة الدولية للصليب الأحمر دور مهم تلعبه من خلال الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة لها، والتي تساعد في إِيجاد المفقودين حينما يتم تجميع معلومات عنهم.
تطبق القاعدتان 98 و117 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي على قدم المساواة في حالات النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
- تؤكِّد القاعدة 98 أنالاختفاءالقسريمحظورفيالنزاعاتالمسلَّحة الدولية وغير الدولية.
- تنصُّ القاعدة 117 على أنه ”يتخذ كل طرف في النزاع الإجراءات المستطاعة للإفادة عن الأشخاص الذين يبلَّغ عن فقدهم نتيجةً لنزاع مسلح، ويزوِّد أفراد عائلاتهم بأية معلومات لديه عن مصيرهم“. وتنطبق هذه القاعدة في النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية. ويتَّسق الالتزام بالكشف عن مصير المفقودين مع الحظر على الاختفاء القسري (القاعدة 98) والإلزام باحترام الحياة العائلية (القاعدة 105).
ب - حظر الاختفاء القسري بموجب الاتفاقيات الدولية الأخرى
- إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر عام 1992 (القرار 47/133) يصف الممارسة المنهجية للاختفاء القسري بأنها جريمة ضدَّ الإنسانية. وتُشكِّل هذه الممارسة انتهاكًا للحق في احترام الكرامة الإنسانية، والحق في حرية الشخص وتمتُّعه بالأمن، والحق في ألَّا يتعرَّض للتعذيب، وهي خطر بالغ على الحق في الحياة (المادة 1).
- الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تبنَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 كانون الأول/ ديسمبر عام 2006 ودخلت حيِّز النفاذ في عام 2010. وحتى كانون الثاني/ يناير عام 2023، أصبح عدد الدول الأطراف في الاتفاقية 70 دولة. وتهدف هذه الاتفاقية إلى منع ممارسات الاختفاء القسري التي تُعتبر جريمة، وفي بعض الحالات جريمة ضدَّ الإنسانية، وتؤكد الاتفاقية على حق أي شخص في ألَّا يتعرَّض للاختفاء القسري، وكذلك حق الضحايا في الإنصاف والتعويض.
- حظر الاختفاء القسري في كل الأوقات وتعريف الجريمة (المادتان1 و2):
- المادة 1(2): ”لا يجوز التذرُّع بأي ظرف استثنائي كان، سواءٌ تعلق الأمر بحالة حرب أو بالتهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري“.
- المادة 2: ”لأغراض هذه الاتفاقية، يُقصد بـ ”الاختفاء القسري“ الاعتقال، أو الاحتجاز، أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذنٍ، أو دعمٍ من الدولة، أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حرِّيته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي، أو مكان وجوده، ما يحرمه من حماية القانون“.
- التزامات الدول في مايتعلق بحماية الأشخاص من كل أشكال الاختفاء القسري (المواد 3-25):
- المادة 3: ”تتخذ كل دولة طرف التدابير الملائمة للتحقيق في التصرفات المحدَّدة في المادة 2 التييقومبهاأشخاصأومجموعاتمنالأفراد يتصرفون من دون إذن، أو دعم، أو موافقة من الدولة، ولتقديم المسؤولين إلى المحاكمة“.
- المادة 4: ”تتخذ كلُّ دولة طرف التدابير اللازمة لكي يشكِّل الاختفاء القسري جريمة في قانونها الجنائي“.
- المادة 5: ”تشكِّل ممارسة الاختفاء القسري العامة أو المنهجية جريمةً ضدَّ الإنسانية كما تم تعريفُها في القانون الدولي المطبَّق، وتستتبع العواقب المنصوص عليها في ذلك القانون“.
- المادة 6: ”تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لتحميل المسؤولية الجنائية لكلِّ مَن يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر، أو يوصي، بارتكابها، أو يحاول ارتكابها، أو يكون متواطئًا، أو يشترك في ارتكابها؛ وكذلك للرئيس الذي: كان على علمٍ بأن أحد مرؤوسيه قد ارتكب، أو كان على وشك ارتكاب جريمة الاختفاء القسري، ولم يتخذ كافة التدابير اللازمة والمعقولة للحيلولة دون ارتكاب جريمة الاختفاء القسري“.
- المواد 7-15: الإجراءات الجنائية.
- المادة 16(1): ”لا يجوز لأيدولةطرفأنتطرد،أوتُبعد،أوأنتسلِّم أيَّ شخص إلى أي دولة أخرى إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الشخص سيقع ضحية للاختفاء القسري“.
- المادة 17(1): ”لا يجوزحبسأحدفيمكان مجهول“.
- المواد 18-23: ”ضمانات مقرَّرة للأشخاص الذين حُرموا من حريتهم“.
- المادة 24: ”لأغراض هذه الاتفاقية، يُقصد بـ ”الضحية“ الشخص المختفي، وكل شخص طبيعي لحق به ضرر مباشر جرَّاء هذا الاختفاء القسري. ولكل ضحية الحقُّ في معرفة الحقيقة عن ظروف الاختفاء القسري، وسيْر التحقيق ونتائجه، ومصير الشخص المختفي. وتتخذ كل دولة طرفٍ التدابير الملائمة في هذا الصدد. وتتخذ كل دولة طرف التدابير الملائمة للبحث عن الأشخاص المختفين، وتحديد أماكن وجودهم، وإخلاء سبيلهم، وفي حالة وفاتهم لتحديد أماكن وجود رُفاتهم واحترامها وإعادتها. وتضمن كل دولةٍ طرفٍ، في نظامها القانوني، لضحايا الاختفاء القسري الحقَّ في جبر الضرر، والحصول على تعويضٍ بشكل سريع ومنصف وملائم. ويشمل الحقُّ في الجبر المشار إليه في الفقرة 4 من هذه المادة الأضرار المادية والمعنوية، وعند الاقتضاء، طرائق أخرى للجبر من قَبيل: ردُّ الحقوق، وإعادة التأهيل، والترضية، بما في ذلك ردُّ الاعتبار لكرامة الشخص وسمعته وضمانات بعدم التكرار“.
- المادة 25: ”تدابير خاصة للأطفال ضحايا حالات الاختفاء القسري“.
- المواد 26-36: ”لأغراض تنفيذ أحكام هذه الاتفاقية، تُنشأ لجنة معنية بحالات الاختفاء القسري مؤلَّفة من عشرة خبراء مشهود لهم بالنـزاهة والكفاءة المعترَف بها في مجال حقوق الإنسان، يكونون مستقلِّين، ويعملون بصفتهم الشخصية، وبحيادية كاملة. وتنتخب الدول الأطراف أعضاء اللجنة وَفقًا للتوزيع الجغرافي العادل. وتوضع في الاعتبار الأهمية التي يشكِّلها اشتراكُ ذوي الخبرة القانونية ذات الصلة في أعمال اللجنة، والتوزيع المتوازن للرجال والنساء داخلَ اللجنة. وتجرى الانتخابات بالاقتراع السرِّي على قائمة أشخاص ترشِّحهم الدول الأطراف من بين مواطنيها أثناء اجتماعات سنوية للدول الأطراف يدعو الأمين العام للأمم المتحدة إلى عقدها لهذا الغرض“.
- المادة 27: ”ينعقد مؤتمر للدول الأطراف في أجل لا يقل عن أربع سنوات ولا يتجاوز ست سنوات من تاريخ دخول هذه الاتفاقية حيِّز النفاذ لتقييم سيْر عمل اللجنة [...]“.
- المادة 29: ”تقدِّم كلُّ دولةٍ طرفٍ إلى اللجنة، من طريق الأمين العام للأمم المتحدة، تقريرًا عن التدابير التي اتخذتْها لتنفيذ التزاماتها بموجب هذه الاتفاقية في غضون سنتين من بدء نفاذ هذه الاتفاقية بالنسبة إلى الدولة الطرف المعنية“.
- المادة 35: ”يقتصر اختصاص اللجنة على حالات الاختفاء القسري التي تبدأ بعد دخول هذه الاتفاقية حيِّز النفاذ“.
عُقد الاجتماع الأول للدول الأطراف في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في 31 أيار/ مايوعام 2011 فيمقرِّ الأمم المتحدة في نيويورك. وكان الغرض الرئيسي للاجتماع هو انتخاب الأعضاء العشرة للجنة الاختفاء القسري. وبحلول كانون الثاني/ يناير عام 2023 كان الأعضاء المنتخَبون هم: السيد محمد آيات من المغرب، والسيد مطار ديوب من السنغال، والسيد أوليفيه دي فروفيل من فرنسا، والسيد ميليسا كالوكوفيش- بوجوفيش من صربيا، والسيدة باربرا لوشبيهلر من ألمانيا، والسيد خوان خوسيه لوبيز أورتيفا من إسبانيا، والسيدة سويلا جانينا من ألبانيا، والسيد خوان بابلو ألبان ألينكاسترو من الإكوادور، والسيد هوراسيو رافينا من الأرجنتين، والسيدة كارمن روزا فيلا كوينتانا من بيرو.
ج - بموجب الاتفاقيات الإقليمية
اتفاقية البلدان الأمريكية بشأن الاختفاء القسري للأشخاص تم تبنِّيها في إيلم دو بارا بالبرازيل في السادس من أيلول/ سبتمبرعام 1994. وفي كانون الثاني/يناير 2023، بلغ عدد أطراف الاتفاقية 15 دولة طرفًا. وتُعرف الاتفاقية الاختفاء القسري بأنه ”جريمة بغيضة ضدَّ الكرامة الأصيلة للإنسان“، وتؤكِّد مجدَّدًا على أن الممارسة المنهجية للاختفاء القسري للأشخاص تشكِّل جريمة ضدَّ الإنسانية.
المادة 1: (أ) ممارسة الاختفاء القسري للأشخاص محظورة في كل الأوقات حتى في حالات الطوارئ أو تعطيل الضمانات الفردية؛ (ب) وعلى الدول الأطراف في الاتفاقية أن تعاقب، في إطار اختصاصها القضائي، مَن يرتكبون، أو يحاولون ارتكاب، جريمة الاختفاء القسري للأشخاص؛ و(ج) أن تتعاون بعضها مع بعض للمساعدة على منع الاختفاء القسري للأشخاص، ومعاقبة مرتكبه، والقضاء على هذه الممارسة؛ و(د) أن تتخذ التدابير التشريعية والإدارية والقضائية وغيرها من التدابير اللازمة للوفاء بالالتزامات التي تم التعهُّد بها في هذه الاتفاقية.
المادة 2: يُعتبر الاختفاء القسري «حرمان شخص أو أشخاص من الحرية يتم، بأي طريقة كانت، على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص، أو مجموعات من الأفراد، يتصرفون بإذنٍ، أو دعمٍ من الدولة، أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان ذلك الشخص من حريته، أو تقديم المعلومات عن مكانه، ومن ثم عرقلة لجوئه إلى تدابير الانتصاف المطبَّقة والضمانات الإجرائية المعمول بها». وكما اتضح آنفًا نصَّ ميثاق الأمم المتحدة على هذا التعريف.
د - بموجب القانون الجنائي الدولي
بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُشكِّل الممارسة المنهجية للاختفاء القسري جريمة ضدَّ الإنسانية (المادة 7(1)(ط). وتُعرِّف المادة 7(2)(ط) من هذا النظام الاختفاء القسري بأنه ”إلقاء القبض على أي أشخاص، أو احتجازهم، أو اختطافهم، من قِبَل دولة، أو منظمة سياسية، أو بإذنٍ أو دعمٍ منها لهذا الفعل، أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حرِّيتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم، أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لمدة زمنية طويلة“. وعليه، ترى المحكمة أن الممارسة المنهجية للاختفاء القسري تعادل في خطورتها جرائم أخرى ضدَّ الإنسانية مثل التعذيب والإبادة والقتل.
← المحكمة الجنائية الدولية؛ المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، جرائم حرب/ جرائم ضدَّ الإنسانية
2- سُبل حماية المفقودين ومنع الاختفاء القسري
أ - الفريق العامل التابع للأمم المتحدة بشأن الاختفاء القسري أو غير الطوعي
في 29 شباط/ فبرايرعام 1980،تبنَّت لجنةحقوق الإنسان القرار 20 الذي أنشأ فريقًا عاملًا يتألف من خمسة من أعضائها”يعملون كخبراء بصفتهم الشخصية لبحث المسائل ذات الصلة بحالات الاختفاء القسري أو غيرالطوعي للأشخاص“. ومنذ عام 1980، تم بانتظام تمديد تفويض الفريق العامل، وأصدر مجلس حقوق الإنسان آخر قرار يقضي بتجديد تفويض الفريق في 8 تشرين الأول/أكتوبر عام 2020. واعتبارًا من كانون الثاني/يناير عام 2023، كان الأعضاء الخمسة للفريق العامل هم: السيد لوتشيانو أ. هازان من الأرجنتين، والسيدة أوا بالدي من غينيا بيساو، والسيدة غرازينا بارانوفسكا من بولندا، والسيدة غابرييلا سيتروني من إيطاليا، والسيدة أنغخانا نيلابايجيت من تايلاند.
يعقد الفريق العامل ثلاث جلسات سنوية ويقدِّم تقريرًا سنويًّا إلى اللجنة والجمعية العامة. ولا يختصُّ الفريق إلا بحالات الاختفاء القسري التي تُعزى بطريق مباشر أو غير مباشر إلى الدول، وهو ما يعني أن الفريق لا يتناول حالات الاختفاء التي يرتكبها فاعلون من غير الدول. ولا يقوم الفريق بشكل مباشر بالتحقيق في حالات فردية، أو تبنِّي إجراءات للحماية من الأعمال الانتقامية، أو تحديد المسؤولية الفردية، أو مسؤولية الدولة في حالات الاختفاء القسري. وفضلًا عن ذلك، فإنه لا يُصدر أحكامًا وعقوبات، ولا يقوم باستخراج جثث، أو يمنح ترضية أو تعويضات. ويشتمل تفويض الفريق العامل في البحث عن المفقودين ومساعدة أُسَرهم على معرفة مصير أقاربهم الذين اختفوا ولا يتمتعون بحماية القانون. ولأداء هذا التفويض، توجد آليةٌ لإبلاغ الفريق، ويتلقَّى الفريق البلاغات المقدَّمة من أسرة الضحية، أو منظماتٍ غير حكومية، أو حكومات، أو منظمات حكومية دولية، أو أطراف ثالثة. ويحيل الفريق الحالة إلى حكومة الدولة المعنية ويطلب من الحكومة إجراء تحقيقات وإبلاغ الفريق بنتائج هذه التحقيقات.
وقام خبراء الفريق العامل بزيارة عدة دول لتقييم أعمال الدول لمعالجة حالات الاختفاء القسري. وعلى سبيل المثال، زار الفريق العامل البوسنة والهرسك تلبيةً لدعوةٍ من هذا البلد في الفترة من 14 إلى 21 من حزيران/ يونيةعام 2010. واعتبارًا من آب/أغسطس 2022، بلغ العدد الإجمالي للحالات التي أحالها الفريق العامل منذ إنشائه 600 59 حالة إلى حكومات 112 دولة. وأما عدد الحالات التي تخضع للدراسة الفعلية ولم يتم بعد إيضاحها، أو إغلاقها، أو إيقافها، فهو 751 46 حالة، في ما مجموعه 97 دولة. واستطاع الفريق العامل إيضاح 104 حالات خلال الفترة بين أيار/ مايوعام 2021 وأيار/ مايوعام 2022.
ب - دور المنظمات الإنسانية الدولية
بالإشارة إلى ما هومذكورآنفًا،يتَّسم دور المنظمات الإنسانية الدولية غير المتحيزة، ولا سيما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في معالجة مسألة المفقودين جراء النزاع المسلح بأهمية بالغة. وتعتمد اللجنة الدولية أيضًا على شبكة جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لدعم أنشطتها في هذا المجال. ومع ذلك، فإن موقف اللجنة الدولية حرِج، لأنه يتعيَّن عليها أن تتخذ كل التدابير الممكنة للحصول على المعلومات عن المفقودين من دون أن تفقد إمكانية التفاوض مع السلطات الوطنية أو المحلِّية التي تخشى غالبًا المقاضاة الجنائية. ولإيجاد توازن بين هذه القيود المختلفة، تعتمد اللجنة الدولية على عدة أنشطة تكميلية لمعالجة مسألة المفقودين، وهي:
• نشْر القانون الدولي الإنساني؛
• زيارة أماكن الاحتجاز وتسجيل الأشخاص المحتجَزين؛
• زيارة الأشخاص المحتجَزين ومعرفة أماكن احتجازهم السابقة الأخرى؛
• الحماية العامة للمدنيِّين المتضرِّرين من النزاع؛
• إعادة الروابط العائلية من خلال شبكة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر؛
• تجميع كل طلبات البحث عن المفقودين وتجهيزها من خلال الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للَّجنة الدولية للصليب الأحمر.
يجب على جميع المنظَّمات الإنسانية التي تكون على اتصال بضحايا من الأفراد أن تحاول تعرُّفَ مصيرهم. ويجب أن تُبلغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأن تقدِّم للضحايا نماذج الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين بغرض الحد من مخاطر الاختفاء والمساعدة في لمِّ شمل الأُسَر.
ج- مشروع المهاجرين المفقودين
أدت ظروف الهجرة غير الآمنة إلى ظهور حاجة ماسة للبحث عن المفقودين والتعامل مع الموتى في عملية الهجرة. وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، فُقد أكثر من 000 50 مهاجر بين عامي 2014 و2022. ومن بينهم، غرق أكثر من 000 25 شخص في البحر الأبيض المتوسط. استجابةً لذلك، أطلقت المنظمة الدولية للهجرة مشروعًا خاصًّا بالمهاجرين المفقودين الذي يسجل، منذ عام 2014، الأشخاص الذين يلقون حتفهم أثناء عملية الهجرة إلى وجهة دولية، بغض النظر عن وضعهم القانوني. ومع ذلك، نظرًا لصعوبة جمع المعلومات، تظل جميع الأرقام أقل من الواقع. وفي معظم الحالات، تكون الأرقام تقريبية. ولا تقوم المنظمة الدولية للهجرة مباشرة بالبحث عن المهاجرين المفقودين، بل توفر بوابة تجمع كل المعلومات اللازمة للأشخاص الذين يبحثون عن مهاجر مفقود. كما تقوم بتجميع البيانات والموارد وأفضل الممارسات.
← الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين؛ الصليب الأحمر، الهلال الأحمر
ثانيًا - الموتى
1- حماية الموتى
أ - بموجب اتفاقيات جنيف
في النزاعات المسلَّحة الدولية، على الدول الأطراف الالتزام بالبحث عن الموتى (اتفاقية جنيف 1، المادة15؛ واتفاقية جنيف2، المادة18؛ واتفاقية جنيف4، المادة16). ويجب أن تحاول أيضًا جمع المعلومات لتحديد هوية الموتى (اتفاقيةجنيف1، المادة16؛ والبروتوكول1، المادة33(2)). وينصُّ القانون الدولي الإنساني أيضًا على أنه يجب مراعاة حرمة الموتى، والتحقُّق من أنهم دُفنوا بالطريقة اللائقة، والعمل على تمييز مقابرهم لتيسير الاستدلال عليها، وحماية المقابر (اتفاقية جنيف 1، المادة17؛ والبروتوكول1، المادة34(1)). وفضلًاعن ذلك، يجب احترام رُفات الموتى، وإعادتها إلى أقارب الموتى إذا أمكن (البروتوكول1، المادة34(2)).
تتَّسم أحكام القانون الدولي الإنساني بشأن الموتى ومقابرهم المطبَّقة في النزاعات المسلَّحة الدولية بالشمول، فهي تنطبق أثناء النزاع المسلَّح وبعده، أو في حالات الاحتلال.
في سياق النزاعات المسلَّحة غير الدولية، يرد واجب البحث عن الموتى في المادة الثامنة من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977. وهناك عدد قليل لايُذكرمن القواعد الجوهرية الخاصة بالموتى ومقابهم في القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بالنزاعات المسلَّحة غير الدولية. مهما يكن من أمر، فإن أطراف النزاعات المسلَّحة غير الدولية تظلُّ ملزَمة بالتقيُّد بالالتزامات العامة الواردة في القانون الدولي الإنساني، مثل حظر الاعتداء على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية، وغير الإنسانية.
ب - بموجب القانون الدولي الإنساني العُرفي
- القواعد 112 إلى 116 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الدولي الإنساني العُرفي تنصُّ على التدابير الخاصة بالبحث عن الموتى، وجمْعهم، والتعامل معهم، وإخلائهم، وإعادة رفاتهم.
- القاعدة112 تنصُّ على أنه ”يتخذ كلُّ طرفٍ في النزاع، كلَّما سمحت الظروف، وبخاصة بعد أي اشتباك، كل التدابير الممكنة، ومن دون إبطاء، للبحث عن الموتى، وجمعهم، وإخلائهم، من دون أي تمييز أو إجحاف“.
تنطبق هذه القاعدة في النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية. وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الالتزام بالبحث عن الموتى وجمعهم يعني أن كل طرف في النزاع عليه اتخاذ ”كل التدابير الممكنة“ للبحث عن الموتى وجمعهم. وتنطبق هذه القاعدة على كل الموتى من دون تمييز، وبصرْف النظر عن الطرف الذي ينتمون إليه، أو ماإذاكانلهمدورمباشرفيالأعمال العدائية أو لم يكن.
- القاعدة113 تنصُّ على أنه ”يتخذ كل طرف في النزاع كل الإجراءات الممكنة لمنع سلْب الموتى، ويُحظر تشويه جثث الموتى“. وتنطبق هذه القاعدة على النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية.
- القاعدة114 تنصُّ على أن ”تسعى أطراف النزاع إلى تسهيل إعادة رُفات الموتى بناءً على طلب الطرف الذي ينتمون إليه، أو بناءً على طلب أقرب الناس إلى المتوفَّى. كما تعاد أمتعتهم الشخصية“. وتنطبق هذه القاعدة على النزاعات المسلَّحة الدولية فحسب.
- القاعدة115 تنصُّ على أن ”تعامَل جثث الموتى بطريقة تتسم بالاحترام، وتُحترم قبورهم، وتُصان بشكل ملائم“. وتنطبق هذه القاعدة على النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية. وتنصُّ اتفاقيات جنيف على أنه ”يجب دفن الموتى، إذا أمكن، وَفقًا لشعائر دينهم“.
- القاعدة 116 تنصُّ على أن ”يسجِّل كلُّ طرف في النزاع جميعَ المعلومات المتاحة للتحقُّق من هوية الموتى قبل تدبير أمر الجثة ووضع علامات لأماكن القبور“.
2- وسائل حماية رُفات الموتى وتحديد هويَّات أصحابها
في أعقاب نزاع مسلح أو كارثة، تواجه المجتمعات تحدِّيات استعادة جثث الموتى وإدارتها. وكان الجدل يثور دائمًا حول أوضاع القتل الجماعي، وعلى الأخصِّ، تحديد هويَّات أصحاب الرفات. وتؤثِّر مسألة ما إذاكان الأمر الأخير يُنفَّذ لأغراض إنسانية أو قضائية تأثيرًا مباشرًا في إدارة رفات الموتى.
أ - تحديد هويَّات أصحاب الجثث لأغراض إنسانية
في حالات النزاع المسلح، قد تواجه المنظمات الإنسانية أوضاعًا يتعيَّن عليها فيها البحث عن الموتى وجمع جثثهم. وفي الممارسة الفعلية، تحتاج هذه المنظمات إلى إذنٍ من الطرف الذي يسيطر على منطقة مُعيَّنة لتنفيذ أنشطة البحث والجمع. ويجب ألَّا يُحجَب هذا الإذن بشكل تعسفي. ومن أجل الوفاء بالمهام التي أوكَلَتْها للَّجنة الدولية للصليب الأحمر الدولُ الأطراف في اتفاقيات جنيف، تملك المنظمة شرعية إجراء أنشطة البحث والجمع. وعند إجراء عملية تحديد هوية أصحاب الجثث لأغراض إنسانية بحتة، تُفتَح المقابر الجماعية، ويتم تحديد هويَّات أصحاب الجثث. والهدف من ذلك هو تأكيد هويَّات الأشخاص المفقودين ومصيرهم سواء كانوا أمواتًا أو على قيد الحياة. وفي الواقع العملي، يتحقَّق هذا في العادة من طريق ربط قدرات عملية البحث التي سُجِّلت من خلالها حالة الفقد بقائمةٍ للجثث التي تحدَّدت هوية أصحابها. وأنشطة البحث هي في جوهرها عمل الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين. وهذه الوكالة تديرها اللجنة الدولية للصليب الأحمر كما تنصُّ على ذلك اتفاقيات جنيف، وهي تقدِّم خدمات البحث عن المفقودين في شتَّى أنحاء العالم بالتنسيق الوثيق مع الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. ومن خلال هذا التعاون تستطيع الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر تقديم خدمات تتجاوز الحدود الوطنية ومساعدة أفراد الأُسَر في استعادة الاتصال بالأقارب المفقودين أو معرفة مصيرهم.
وحتى الآن، لا توجد منظمة غير حكومية، أو منظمة دولية، مُكلَّفة بمهمَّة مخصَّصة لتحديد هويَّات أصحاب الجثث. ولكن مع الأخذ في الحسبان أن الاهتمام بالجثث لا يمكن تأجيله،وأن مثل هذه الأفعال قد يؤثِّر تأثيرًا واضحًا في تحديد هويَّات الضحايا إذا تأخَّرت، تم وضْع إرشادات في الآونة الأخيرة للتشجيع على أفضل الممارسات في هذا الشأن. وتقدِّم هذه الإرشادات، بوصْفها أدوات تستخدمها مختلف السلطات ومنظمات الإغاثة في الميدان لتوفير المعلومات الفنِّية التي تساند النهج السليم في التعامل مع الجثث: يجب ألَّا يُدفن الضحايا في مقابر مشتركة، ويجب بذل كل جهد ممكن لتحديد هويَّات أصحاب الجثث قبل نقلها من الموقع، وجمْع كل المعلومات ذات الصلة من أجل التحديد في وقتٍ لاحق لهويَّات أصحاب الجثث قبل دفْن الجثث التي لم يتم تحديد هويَّات أصحابها.
في حالات النزاع المسلح، تستطيع اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقديم الخبرات المتصلة بالطب الشرعي. ولدى اللجنة الدولية فريق من الخبراء المتخصِّصين في فحص حالات الأشخاص المفقودين، يقدِّمون المشورة الفنِّية، ويساعدون في بناء قدرات الطب الشرعي من أجل الردِّ على استفسارات الأُسَر المنكوبة. واستخدام علوم الطب الشرعي في تحديد مصير المفقودين جديد نسبيًّا، وقد أُنشئ أول بنك رسمي للبيانات الجينية من أجل البحث عن المفقودين في الأرجنتين في عام 1987 في استجابةٍ مباشرة لطلبات الأُسَر المعنية. ويتمثل دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذه الأنشطة في تكملة السلطات الوطنية أو الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ومساندتها. ويعتمد تحديد الهوية من خلال الطب الشرعي على عناصر متنوعة حسب مكان الجثة، ومقابلة الشهود، والعناصر المادية التي يُعثر عليها مع جثة المتوفَّى (بطاقة هوية، أو هاتف محمول، أو صور فوتوغرافية، أو ملابس)، والعناصر المادية التي لا تزال متاحة على الجثة (أسنان، ملامح الوجه، علامة مُميِّزة، بصمات الأصابع، تحليل لـدي. إن. إيه للشعر). ومع أن تحليل الـ دي. إن. إيه يُنظر إليه على نحو متزايد على أنه يلعب دورًا رئيسيًّا، إلا أنه في الأساس إجراء يُعتمد عليه كملجأ أخير أو مُكمِّل بالاشتراك مع العناصر الأخرى. وفضلًا عن ذلك، تبقى عدة تحدِّيات في ما يتصل باستخدام علوم الطب الشرعي في تحديد هوية المفقودين، من بينها حقيقة أن الموارد المالية والبشرية لا تكون دومًا متاحة في أعقاب نزاع مسلح.
ب - تحديد هويَّات أصحاب الجثث لأغراض قضائية
يُمكِن أيضًا إجراء تحديد هويَّات أصحاب الجثث لأغراض قضائية. وفي هذه الحالة، غالبًا مايكون خطوة أولىلفتح تحقيق جنائيأمام محكمة. وتوضِّحالمحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا هذا المنظور، إذ إنهما قصرتا تحديد هويَّات الموتى لأغراض قضائية على عدد محدود من الأشخاص في مقبرة جماعية معيَّنة. وتحت إشرافها، جرت عمليات نبش قبور جماعية واستخراج الجثث. وحدثت أول عملية نبشٍ للقبور في بلدة كيبوي بغرب رواندا في كانون الأول/ ديسمبر عام 1995. وتم استخراج رفاتنحو 500 فرد، ولكنلم يمكن تحديد هويَّات سوى 17 منهم. وفي يوغوسلافيا السابقة، بدأ مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقًا أول عملية نبش قبور جماعية له في عام 1996 في خمسة مواقع مختلفة. وفي أحد المواقع، ويُطلقَ عليه مزرعة أوفكارا، عثر المحققون على ما يُعتقدأنها رفات مائتيمريض وموظف منمستشفى فوكوفار. وفيالمدة من عام 1996 إلى عام 2001،قامت المحكمة بالتحقيق بشأن عدد منالمقابر الجماعية، وتابعت هذا العمل اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين التي أنشأها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في عام 1996 في قمة مجموعة السبع في ليون بفرنسا. وكان الدور الرئيسي للَّجنة هو ضمان تعاون الحكومات في تحديد مكان الذين اختفوا أثناء النزاعات المسلَّحة، أو بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، وهويَّاتهم. وأُنشئت هذه اللجنة لمساندة اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى النزاعات في البوسنة والهرسك. ويقع مقرُّ اللجنة الدولية للبحث عن المفقودين في سراييفو. وفي عام 2000، أقامت اللجنة منشأة جديدة لتخزين الجثث وتشريحها من أجل رُفات جثث سربرنيتشا، وكانت الأولى التي تستخدم تحليل الـ دي. إن. إيه كخطوة أولى في تحديد هويَّات أعداد كبيرة من المفقودين من النزاع في يوغوسلافيا السابقة.
ويكمن الفرق الرئيسي عند نبش قبور جماعية وتحديد هويَّات أصحاب الجثث فيها لأغراض قضائية في الحجم الكبير لعمليات تحديد هويَّات الجثث وعددها. وفي الواقع، لا تتطلب التحقيقات الجنائية فيما يتصل بجرائم الحرب تحديد هويَّات أصحاب كل الجثث في مقبرة جماعية. ولتوفير الوقت والمال، قد يُركِّز المُحقِّقون الجنائيُّون على عيِّنة فحسب من الجثث. ويكون هدفهم أساسًا هو تأكيد الحقائق والأعداد من أجل جمع الأدلَّة اللازمة للمحاكم، لا من أجل إعداد قائمة كاملة بالضحايا وتحديد هويَّات أصحاب رفات كل الموتى. ونتيجةً لذلك، لا يتم بالضرورة الوفاء بحقِّ الأُسَر في معرفة ما حدثلأقاربهم.
ويُعتبر الاختفاء جريمة متواصلة لا تنتهي إلا بتوضيح مصيرالمفقود بشكل نهائي. ويعني هذا أن مدة التقادم تبدأ من لحظةانتهاءالاختفاء،أوبعبارةأخرى،عند العثورعلى الشخص المفقود ميتًا أوحيًّا. ولذلك، فإن هذه الجرائم لا يمكن أن تشملها مراسيم العفو التي تصدر قبل اكتشاف حالات الاختفاء.
في قضية كوينتيروس ضدَّ أوروجواي (21 تموز/ يوليةعام 1983،الفقرة 186)،أكَّدتْ لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنه يُحظَر أن تُحجَب عمدًا عن الأُسَر أية معلومات عن أقاربهم المفقودين. ونصَّت أيضًا على أن حالات الاختفاء انتهاك جسيم لحقوق أسرة المفقود التي تعاني لفترات طويلة في الغالب الآلامَ النفسية بسبب الشكوك بشأن مصير أحبائهم.
وفي قضية كورت ضدَّ تركيا (25 أيار/ مايوعام 1998،الفقرات 130-133) وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حجب المعلومات عن أُسَر أشخاصٍ احتجزتْهم قوَّات الأمن - أو السكوت في حالة الذين فُقدوا أثناء النزاع المسلَّح. قد يكتسب درجة من الغلظة تعادل معاملةً غيرإنسانية.
وفي قضية كوبريسكيتش وآخرين (14كانون الثاني/ينايرعام 2000 الفقرة 566)، وجدت الدائرة الابتدائية في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن الاختفاء القسري قد يندرج في فئة ”أفعال أخرى غير إنسانية“ كجريمة ضدَّ الإنسانية، بشرط أن تكون هذه الأفعال ”نُفِّذت بطريقة منهجية وعلى نطاق واسع“.
✐للاتصال:
Central Tracing Agency, International Committee of the Red Cross (ICRC)
19 avenue de la Paix CH 1202 Geneva, Switzerland
+41 22 734 60 01
Gva_cta_office_Mailbox@icrc.org
https://missingpersons.icrc.org/directory/icrc-central-tracing-agency
موقع إعادة الروابط العائلية
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
@ https://familylinks.icrc.org/
موقع مشروع المهاجرين المفقودين، المنظمة الدولية للهجرة
@ https://missingmigrants.iom.int/
فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري
https://www.ohchr.org/fr/special-procedures/wg-disappearances
📖 لمزيد من المعلومات:
- Al Dawoody, Ahmed, “Management of the dead from the Islamic law and IHL perspective: consideration for humanitarian forensic”. International Review of the Red Cross, Vol. 99(2) 2017 p. 759-784. Available at https://www.icrc.org/en/document/management-dead-islamic-law-and-intern…
- Andreu-Guzman, Federico, “The United Nations Working group on enforced disappearances” International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002) p. 803-818, Available at https://international-review.icrc.org/articles/united-nations-working-g…
- Baranowska, Grazyna, “The rights of the families of missing persons: Going beyond international humanitarian law”, Israel Law Review, Cambridge University Press, March 2022, Vol. 55, no. 1: 25-49.
- Cordner, Stephen and McKelvie, Helen. “Developing standards int international forensic work to identify missing persons” International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002) p. 867- 883. Available at https://international-review.icrc.org/articles/developing-standards-int…
- Crettol, Monique and Anne-Marie La Rosa, “The Missing and Transitional Justice: The Right to Know and the Fight against Impunity.” International Review of the Red Cross, Vol. 88, No. 862 (June 2006): 355–62.
- Duhaime, Bertrand and Thibault, Andréanne, “Protection of migrants from enforced disappearance: A human rights perspective”, International Review of the Red Cross, Vol. 99(2) 2017 p. 569-587. Available at https://international-review.icrc.org/sites/default/files/irrc_99_905_7…
- Froideveaux, Sylvain “Humanitarian action, religious rituals and death” International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002): 785-799. Available at https://international-review.icrc.org/articles/humanitarian-action-reli…
- International Committee of the Red Cross, The Need to Know: Restoring Links between Dispersed Family Members, Geneva, December 2010. Available at http://www.icrc.org/eng/assets/files/publications/icrc-002-4037.pdf.
- The missing and the dead, Casebook, How does law protect in war?, 2022. Available at https://casebook.icrc.org/highlight/missing-and-dead
- Olumbe Kirasi, Alex and Kalebi Yakub, Ahmed “Management, exhumation and identification of human remains: A viewpoint of the developing world”. International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002) p. 893-902. Available at https://international-review.icrc.org/articles/management-exhumation-an…
- Pan American Health Organization, Management of Dead Bodies after Disaster: A Field Manual, 2006. Available at http://www.icrc.org/eng/assets/files/other/icrc_002_0880.pdf.
- Management of Dead Bodies in Disaster Situations, 2004. Available at https://iris.paho.org/handle/10665.2/6252
- Petrig, Anna. “The War dead and their Gravesites.” International Review of the Red Cross, Vol. 91, No. 874 (June 2009): 341–69.
- Sassòli, Marco, and Tougas, Marie-Louise. “The ICRC and the Missing.” International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002): 727–49.
- Stover, Eric and Shigekane, Rachel. “The Missing in the Aftermath of War: When do the Needs of Victims’ Families and International War Crimes Tribunals Clash?” International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002): 845–65.
- Robins, Simon, “The affective Border: Missing migrants and the governance of migrant bodies at the EU’s Southern Frontier”, Journal of Refugee Studies, Vol. 35, no. 2, June 2022:948-967.
Vasuki Nesiah. “Overcoming tensions between families and judicial procedures”. International Review of the Red Cross, Vol. 84, No. 848 (December 2002) p. 823-828. Available at https://international-review.icrc.org/sites/default/files/irrc_848_7.pdf



