صاغ المحامي رافائيل ليمكين (1900-1959) مصطلح الإبادة الجماعية في عام 1944 لتحسين فهم ووصف نوع معين من الجرائم المرتكبة ضد مجموعات الأقليات بصفتهم هذه. وكان الغرض منه تكملة قائمة الجرائم ضد الإنسانية التي تشمل الجرائم الجماعية ضد المدنيين. وهو يتألف من جزء يوناني ”genos“ يشير إلى العِرق أو العشيرة وجزء لاتيني ”cide“ يشير إلى القتل.
أُعلِن عن المصطلح لأول مرة في عام 1944 في كتاب ليمكين ”حكم المحور في أوروبا المحتلة“. على الرغم من ذلك، لم تُدرج الإبادة الجماعية في قائمة الجرائم الدولية التي لاحقت مرتكبيها قضائيًّا محكمة نورمبرغ في عام 1945. ومع ذلك، أشار المدعي العام للمملكة المتحدة في محاكمة نورمبرغ، هـ. و. شوكروس، إلى الإبادة الجماعية في اتهامها بأنها نوع مُغلَّظ من الجرائم ضد الإنسانية عندما تُرتكب أثناء نزاع مسلح.
منذ عام 1948، تم الاعتراف بالإبادة الجماعية كجريمة دولية محظورة، سواء في أوقات السلم أو الحرب بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 (المعروفة باسم اتفاقية الإبادة الجماعية).
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الإبادة الجماعية في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948 (قرار الجمعية العامة A/RES/260(III)[A]) ودخلت حيز النفاذ في عام 1951. وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صادقت 153 دولة على الاتفاقية. ومع ذلك، فإن أحكام اتفاقية الإبادة الجماعية تنطبق حتى على الدول التي لم تصادق عليها، في أعقاب حكم صادر عن محكمة العدل الدولية يعترف باتفاقية الإبادة الجماعية على أنها تقنن القانون الدولي العرفي (الفتوى المؤرخة 28 أيار/مايو 1951)، وهو ملزم لجميع الدول. وقد تعزز ذلك بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الذي أشار فيه إلى أن الاتفاقية جزء من القانون العرفي (التقرير S/25704 المؤرخ 3 أيار/مايو 1993). وأعاد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تأكيد ذلك، ووافق على التقرير في قراره 827 (5 أيار/مايو 1993).
وتنص اتفاقية الإبادة الجماعية على تعريف يتطلب نية وشروطًا مُحددة تختلف عن تلك المطلوبة بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم الأخرى ضد الإنسانية (أولًا). وهي تنشئ التزامات مختلفة على الدول بمنع الإبادة الجماعية (ثانيًا) والمعاقبة عليها (ثالثًا). وتوضح قرارات محكمة العدل الدولية (ثالثًا) وقرارات المحاكم الجنائية الدولية (خامسًا) بعض العناصر المحددة المتعلقة بتعريف هذه الجريمة ومنعها ومعاقبة مرتكبيها.
وقد فشلت الآلية المنصوص عليها في البداية في الاتفاقية في العديد من النواحي في منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ولا تزال قيد التطوير.
وأثارت محاولات تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية عدة قضايا تتعلق، من ناحية، بتفسير تعريف الإبادة الجماعية، ومن ناحية أخرى، بضعف آلية العقوبات على النحو المتوخى في البداية.
تؤدي محكمة العدل الدولية دورًا مهمًّا في منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وقد لجأت إليها الدول في عدة مناسبات في قضايا تتعلق بتفسير أحكام اتفاقية الإبادة الجماعية وتنفيذها في حالات محددة. وقد أوضحت السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية تفسير بعض القضايا القانونية المهمة المتعلقة بتفسير الاتفاقية والمسؤولية الدولية للدول عن هذه الجريمة.
وخلال الفترة الممتدة من عام 1948 وحتى عام 1995، لم تكن هناك محاكم جنائية دولية لها اختصاص محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أعمال الإبادة الجماعية. وقد سد إنشاء محكمتين جنائيتين دوليتين مخصصتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا هذه الفجوة جزئيًّا وبشكل مؤقت.
منذ عام 1998، تم تعزيز إمكانيات فرض عقوبات جنائية دولية على الأفراد المتهمين بالإبادة الجماعية. الإبادة الجماعية هي جريمة دولية بموجب المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تعرف جريمة الإبادة الجماعية بنفس المصطلحات الواردة في اتفاقية عام 1948. وبالتالي، تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بالاختصاص القضائي في ظل ظروف معينة لمحاكمة الأفراد المشتبه في ارتكابهم جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وتختلف جريمة الإبادة الجماعية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مثل المذابح والاضطهاد والإبادة وغيرها من الهجمات المتعمدة ضد المدنيين، من حيث إنها تتطلب إثبات شروط محددة للنية.
أولًا - تعريف الإبادة الجماعية
يختلف تعريف الإبادة الجماعية عن تعريف الجرائم الأخرى مثل الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، ولا سيما جرائم الاضطهاد والإبادة أو التطهير العرقي.
تعريف الإبادة
تُعرِّف المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية والمادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الإبادة الجماعية بعبارات متماثلة تنص على ما يلي:
”أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة، قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكًا كليًّا أو جزئيًّا:
(أ) قتل أفراد الجماعة؛
(ب) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة؛
(ج) إخضاع الجماعة عمدًا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليًّا أو جزئيًّا؛
(د) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة؛
(هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.
وتنص المادة الثالثة من اتفاقية الإبادة الجماعية أيضًا على ما يلي:
”يعاقب على الأفعال التالية:
(أ) الإبادة الجماعية؛
(ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية؛
(ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية؛
(د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية؛
(هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية“.
← قائمة الدول الأطراف في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان (رقم 22. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها؛ و31. نظام روما الأساسي).
يجمع تعريف جريمة الإبادة الجماعية عدة عناصر تبدو مثيرة للجدل وتتطلب تفسيرًا مثل:
- طبيعة الأفعال المرتكبة عند ارتكاب التدمير الجزئي أو الكلي للجماعة (1)،
- المعايير التي تحدد الجماعة المستهدفة بهذه الصفة (2)،
- المعايير ذات الصلة بالتدمير الكلي أو الجزئي للجماعة (3)،
- مفهوم النية المحددة لمرتكب الجريمة في إهلاك الجماعة بهذه الصفة (4).
(للاطلاع على عناصر السوابق القضائية بمزيد من التفصيل، انظر نهاية هذا الفصل).
يمكن العثور على توضيح بشأن تلك العناصر في الأعمال التحضيرية (ترجمتنا) لاتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 ولنظام روما الأساسي لعام 1998، المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية. كما توفر قرارات محكمة العدل الدولية وقرارات المحكمتين الجنائيَّتين الدوليَّتين الخاصَّتين بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ الاختصاص العالمي، عناصر مهمة لتوضيح الفقه القانوني. وترد هذه القرارات بمزيد من التفصيل أدناه (ثالثًا وخامسًا) وفي المداخل المخصصة.
←المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا؛ الاختصاص العالمي
1- التدمير البيولوجي الفوري أو اللاحق:
لا تقتصر أعمال الإبادة الجماعية على أعمال القتل. إنما تشمل أيضًا الأفعال التي قد لا تؤدي إلى الوفاة الفورية، ولكنها تقضي في النهاية على جماعة بوصفها هذا. وهي أفعال متعمدة تهدف إلى تدمير جماعة بوصفها هذا على الفور أو في نهاية المطاف. وبناء على ذلك، قد تشكل الأفعال التالية أيضًا إبادة جماعية: الأفعال التي تستهدف عمدًا الظروف المعيشية للجماعة بهدف إهلاكها، وكذلك فرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب داخل الجماعة، ونقل الأطفال قسرًا، والتسبب في ضرر جسدي أو عقلي خطير لأفراد الجماعة (بما في ذلك الاغتصاب).
2- المعايير التي تشكل الجماعة بوصفها هذا
يتطلب التعريف أن يكون الهدف المتوخى من الأفعال المرتكبة هو تدمير جماعة بوصفها هذا. الأفعال التي يغطيها التعريف هي تلك التي تستهدف الفرد ليس بوصفه هذا، ولكن لأنه عضو في جماعة قومية أو عرقية أو إثنية أو دينية. وتُورِد الاتفاقية المعايير الموضوعية التي ينتمي وفقًا لها المرء إلى إحدى هذه الجماعات، ولكنها ليست محددة بوضوح من الناحية القانونية أو العلمية. ولذلك، فسرت المحاكم الجنائية الدولية هذه المعايير على النحو التالي بالنظر إلى القصد المحدد اللازم لجريمة الإبادة الجماعية: "يجب أن تُوجَّه الأفعال نحو جماعة محددة على هذه الأسس التمييزية [القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية]. وتستند الجماعة العرقية إلى السمات الجسدية الوراثية التي غالبًا ما يتم تحديدها حسب المنطقة الجغرافية. وتشمل الجماعة الدينية طائفة أو طريقة عبادة أو مجموعة تشترك في معتقدات مشتركة. والجماعة العرقية هي الجماعة التي يتقاسم أعضاؤها لغة وثقافة مشتركتين؛ أو جماعة تميز نفسها، على هذا النحو (تحديد الهوية الذاتية)؛ أو جماعة حددها آخرون على هذا النحو، بمن في ذلك مرتكبو الجرائم (تحديد الآخرين للهوية)". ومن المثير للاهتمام ملاحظة أن المحاكم قبلت أن تعريف الجماعة يمكن أن يستند إلى معايير ذاتية يحدد بموجبها مرتكبو الجرائم هوية أعضاء الجماعة ويصمونهم. وتشمل هذه المعايير ما اعتبره الجناة "جوانب رئيسية قومية وإثنية وعرقية ودينية للجماعة المعنية" (المحكمة الجنائية الدولية لرواندا: قضية كايشيما وآخرين، الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 98). (انظر أيضًا، المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة: قضية جيليسيتش، حكم الاستئناف، 5 تموز/يوليه 2001، الفقرات 45-47؛ قضية ستاكيتش، حكم الاستئناف، 22 آذار/مارس 2006، الفقرة 25).
غير أن تدمير جماعة بحجة المعارضة السياسية لا يعتبر مدرجًا في تعريف جريمة الإبادة الجماعية. وقد تم توضيح ذلك في قرارات الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا. ولقد أنشئت هذه المحكمة المختلطة (إنشاء دوائر استثنائية داخل الهيكل الحالي للمحكمة في كمبوديا) من خلال اتفاق بين منظمة الأمم المتحدة وحكومة كمبوديا لمقاضاة الجناة في الجرائم المرتكبة بين عامي 1975 و1979 في كمبوديا من قبل سلطات الخمير الحمر. ومع ذلك، لم يؤيد القضاة نظرية "الإبادة الجماعية الذاتية" (التي لم يتم تحديدها في اتفاقية الإبادة الجماعية أو في مصادر أخرى للقانون الدولي الجنائي). وقد وضعت سلطات الخمير الحمر مفهوم "الإبادة الجماعية الذاتية" هذا لوصف قتل ربع السكان الكمبوديين (بمن فيهم بعض الضحايا من أغلبية الخمير العرقية) بأنه إبادة جماعية. وقصر قضاة الدوائر الاستثنائية في كمبوديا التهم التي تعتبر إبادة جماعية في كمبوديا بحيث تشمل فقط الجرائم التي ارتكبها الخمير الحمر ضد مجموعتين عرقيتين مُدمَّرتين: مسلمو التشام والأقليات الفيتنامية. (انظر مكتب قاضيي التحقيق، أمر الإغلاق، القضية رقم 002/19-09-2007-ECCC-OCIJ، 15 أيلول/سبتمبر 2010، الفقرات 1335 و1545 و1546 و1548 و1549 و1551 و1552 و1554 و1556 و1559 و1563؛ الدائرة الابتدائية، قرار بشأن الفصل الإضافي للقضية 002 ونطاق القضية 002/02، القضية رقم 002/19-09-2007-ECCC/TC، 4 نيسان/أبريل 2014، الصفحة 12، الاستنتاج الثاني).
3- التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة
يجب أن تكون الأفعال قد ارتكبت بنية إهلاك الجماعة كليًّا أو جزئيًّا. ويثير تفسير هذا الشرط مسألة ما إذا كان شرط التدمير "كليًّا أو جزئيًّا" يتعلق فقط بالتدمير أم بالقصد من وراء التدمير أيضًا. وترتبط هذه المسألة جزئيًّا بمسألة طبيعة الجماعة. ووفقًا للسوابق القضائية للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين، يجب أن تكون نية التدمير قائمة فيما يتعلق بجزء كبير من الجماعة المستهدفة. ويمكن قياس ذلك بمعايير كمية (عدد الضحايا بالنسبة إلى الحجم الإجمالي للجماعة) أو بمعايير نوعية، مثل تدمير جميع الذكور في الجماعة المستهدفة أو بمكانة الضحايا داخل الجماعة (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة: قضية جيليسيتش، 14 كانون الأول/ديسمبر 1999، الحكم الابتدائي، الفقرة 82 و5 تموز/يوليه 2001، حكم الاستئناف، الفقرة 47) وينبغي تقييمه فيما يتعلق بما حدث لبقية أعضاء الجماعة (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة: قضية كريستيتش، حكم الاستئناف، 19 نيسان/أبريل 2004، الفقرة 8). والواقع أن بعض الأفعال التي ترقى إلى الإبادة الجماعية لا تسبب بالضرورة الموت الفوري، ولكنها ستجعل من المستحيل على الجماعة البقاء على قيد الحياة في المدى القصير أو المتوسط.
4- إثبات وجود قصد جنائي محدد للإبادة الجماعية
تتمثل إحدى الصعوبات في تعريف الإبادة الجماعية في حقيقة أن الأفعال المعنية يجب أن تتجاوز إثبات القتل الجماعي المتعمد وأن تظهر نية محددة لتدمير جماعة بهذه الصفة. ولا يكفي إثبات أن الجاني قد ارتكب فعلًا معينًا؛ بل يجب أيضًا إثبات أنه قصد النتيجة النهائية للجريمة - أي إهلاك جماعة معينة كليًّا أو جزئيًّا (المحكمة الجنائية الدولية لرواندا: قضية كامباندا، الحكم الابتدائي والعقوبة، 4 أيلول/سبتمبر 1998، الفقرة 16؛ قضية كايشيما وروزيندانا، الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرتان 91 و96). ووفقًا للسوابق القضائية، يمكن إثبات هذا القصد من خلال سياسة قائمة للإبادة الجماعية أو من خلال أفعال منفذي الأوامر. ويمكن الاستدلال على وجود سياسة للإبادة الجماعية من خطة أوسع نطاقًا. وبالمثل، يمكن الاستدلال في حالات معينة وتحت ظروف معينة على القصد المحدد لتدمير جماعة محمية من البيانات العلنية الصادرة عن السلطات، ومن حجم وطبيعة الجرائم المرتكبة، ومن خصوصية التخطيط المحيط بارتكاب الجرائم.
واجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة نفس الصعوبات في إثبات وجود خطة متفق عليها وقصد الإبادة الجماعية في الجرائم المرتكبة في سربرنيتشا ومواقع أخرى. في حكمها الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ضد راتكو ملاديتش، أقرت المحكمة بوجود مؤسسة إجرامية مشتركة كان هدفها الرئيسي هو القضاء على المسلمين البوسنيين من سربرنيتشا من خلال قتل الرجال والفتيان والنزوح القسري للنساء والأطفال الصغار وكبار السن. ومع ذلك، في القضية نفسها، برأت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة راتكو ملاديتش من تهم الإبادة الجماعية لارتكابه جرائم مماثلة في أماكن أخرى في البوسنة. ولم تعتبر المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في هذه القضية أن الاستنتاج المعقول الوحيد من هذه الجرائم هو توفر عنصر القصد لدى الجناة لتدمير جزء كبير من الجماعة المحمية من مسلمي البوسنة.
تنص الوثيقة المتعلقة بأركان الجرائم التي اعتمدتها المحكمة الجنائية الدولية على أنه يمكن استنتاج القصد والعلم على أساس كل حالة على حدة. غير أن محكمة العدل الدولية قد وضعت قيودًا على إمكانية إثبات القصد المحدد لارتكاب الإبادة الجماعية عن طريق الاستنتاج. وفي حكمها الصادر في 26 شباط/فبراير 2007 في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، قضت المحكمة بأنه من أجل استنتاج دليل على القصد الجنائي الخاص من نمط سلوكي، يجب أن يكون هذا الاستنتاج هو الاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه بشكل معقول من الأفعال المعنية (الفقرة 373). وأكدت محكمة العدل الدولية هذا الموقف في حكم لاحق صدر في عام 2015 (قضية كرواتيا ضد صربيا، الحكم الصادر في 3 شباط/فبراير 2015، الفقرة 440). انظر ثالثًا أدناه. كما أكد هذا الموقف قرارات لاحقة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ولا سيما الحكم الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في قضية راتكو ملاديتش، بشأن الاعتراف بذنبه في الإبادة الجماعية التي ارتكبت في سربرنيتشا وتبرئته من تهم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في مناطق أخرى. (انظر خامسًا أدناه).
ثانيًا- الالتزام بمنع جريمة الإبادة الجماعية الوارد في اتفاقية الإبادة الجماعية
تنص المادة الأولى من اتفاقية الإبادة الجماعية على أن جميع الدول الأطراف تعترف بالإبادة الجماعية كجريمة بموجب القانون الدولي وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها.
بالإضافة إلى هذا الالتزام الفردي لكل دولة طرف، تنص اتفاقية منع الإبادة الجماعية أيضًا على آليتين دوليتين للمنع. الأولى اختيارية وتشير إلى منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك من خلال دور المستشار الخاص المعني بمنع الإبادة الجماعية (1). والثانية إلزامية وتشير إلى ولاية وقرارات محكمة العدل الدولية (2)، (3).
وتستند هاتان الآليتان الدوليتان للوقاية إلى المادتين الثامنة والتاسعة من الاتفاقية، اللتين تنصان على ما يلي:
• لأي من الأطراف المتعاقدة أن يطلب إلى أجهزة الأمم المتحدة المختصة أن تتخذ، طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، ما تراه مناسبًا من التدابير لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى" (المادة الثامنة).
• تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى (المادة التاسعة).
1- اللجوء إلى هيئات الأمم المتحدة والمستشار الخاص المعني بمنع الإبادة الجماعية
تسمح اتفاقية الإبادة الجماعية للدول بإحالة حالات الإبادة الجماعية إلى هيئات الأمم المتحدة من أجل المنع والاستجابة. ولا تذكر المادة الثامنة من الاتفاقية أسماء هذه الهيئات. ونظرًا لخطورة هذه الجريمة، يجوز لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة المشاركة في إطار ولايتهما المتعلقة بالتهديدات التي تهدد السلام والأمن الدوليين.
في عام 2004، وضع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان خطة عمل من خمس نقاط لمنع الإبادة الجماعية، تضمنت إنشاء منصب مستشار خاص لمنع الإبادة الجماعية. في 30 حزيران/يونيه 2025، شغلت السيدة فيرجينيا غامبا منصب المستشارة الخاصة بالنيابة لمنع الإبادة الجماعية. وهي تحل محل السيدة أليس ويريمو نديريتو من كينيا، التي عُينت في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 لتحل محل السيد أداما ديينغ من السنغال، الذي شغل هذا المنصب منذ إنشائه. يعمل المستشار الخاص كآلية إنذار مبكر للأمين العام ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث يرفع الوعي على أعلى مستويات الأمم المتحدة بشأن الحالات التي تنطوي على خطر الإبادة الجماعية. كما يقدم توصيات إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول كيفية قيام الأمم المتحدة بمنع مثل هذه الأحداث.
2- الدور المنوط بمحكمة العدل الدولية في تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية
بالإضافة إلى العقوبة الجنائية المحتملة لجريمة الإبادة الجماعية، منحت المادة التاسعة من اتفاقية عام 1948 اختصاصًا قضائيًّا موسعًا للمحكمة الجنائية الدولية.
وبالتالي، تتمتع محكمة العدل الدولية باختصاص إلزامي لتفسير الاتفاقية وتسوية النزاعات بين الدول بشأن تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية. ويتيح هذا الدور للمحكمة توضيح المفاهيم القانونية المتعلقة بتفسير تعريف الإبادة الجماعية، ودراسة مدى الامتثال لتطبيق الاتفاقية في حالات محددة من العنف ضد السكان، وتحديد مسؤولية الدول عن الانتهاكات المحتملة للاتفاقية. ويختلف دور محكمة العدل الدولية عن دور العدالة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية، التي تحكم على الأفراد المذنبين بارتكاب هذه الجريمة وتعاقبهم.
لقد أججت هذه التدابير الوقائية النقاش حول مشروعية استخدام القوة من قبل الدول لمنع أو وقف الإبادة الجماعية إما تحت سلطة الأمم المتحدة أو بمبادرة منها. وفي الماضي، وفرت العقيدة القانونية القديمة المتمثلة في "الحرب العادلة" أو المفهوم الأحدث عهدًا ”المسؤولية عن الحماية“ الذي استحدثته الأمم المتحدة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ”الأساس الأخلاقي“ لاستخدام القوات المسلحة الوطنية أو الدولية لوقف الإبادة الجماعية.
ومع ذلك، فإن التجارب السابقة لاستخدام القوات المسلحة الدولية لمنع أو وقف الإبادة الجماعية قد باءت بالفشل.. ولم تعد مبادرات الأمم المتحدة هذه موضوعًا للتوافق متعدد الأطراف منذ التجاوزات التي ارتكبتها التدخلات التي أذنت بها الأمم المتحدة في ليبيا في عام 2011.
وعلاوة على ذلك، لا يعترف القانون الدولي بشرعية استخدام الدولة للقوة المسلحة من جانب واحد لمنع أو وقف الإبادة الجماعية. بل إن القرار أحادي الجانب الذي تتخذه دولة ما باستخدام القوة المسلحة يجب أن يمتثل بوضوح لأحكام ميثاق الأمم المتحدة الذي يقصره على حالات الدفاع الشرعي عن النفس. وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها الأولي في قضية أوكرانيا ضد روسيا، الذي أشار إلى أن القرار الانفرادي للدولة باستخدام القوة المسلحة يجب أن يمتثل بوضوح لأحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تقصره على حالات الدفاع الشرعي عن النفس. وهو يرفض مشروعية استخدام دولة ما للقوة من جانب واحد على أساس منع الإبادة الجماعية أو وقفها.
وفي هذا السياق، أوضحت قرارات محكمة العدل الدولية التفسير والتنفيذ والإنفاذ المناسب لاتفاقية الإبادة الجماعية في حالات محددة.
⚖ ثالثًا- السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية بشأن الإبادة الجماعية
عرضت خمس قضايا رئيسية تتعلق باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها أمام محكمة العدل الدولية:
- البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، إحالة بتاريخ 20 آذار/مارس 1993 وانتهت بحكم محكمة العدل الدولية في 26 شباط/فبراير2007.
- كرواتيا ضد صربيا، إحالة بتاريخ 2 يوليو 1999، وحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 3 فبراير 2015.
- غامبيا ضد ميانمار إحالة بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 مع الأمر الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التدابير التحفظية المؤقتة في 23 كانون الثاني/يناير 2020 والحكم الصادر في 22 تموز/يوليو 2022.
- أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، إحالة بتاريخ 26 شباط/فبراير 2022 والأمر الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التدابير التحفظية في 16 آذار/مارس 2022.
- جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، قضية تتعلق بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبتها في قطاع غزة. إحالة بتاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر 2023 مع أوامر محكمة العدل الدولية بشأن التدابير الاحترازية بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2024 و12شباط/فبراير 2024 و6 و28 آذار/مارس 2024 و24 أيار/مايو 2024.
من بين هذه القضايا الخمس، وصلت قضيتان إلى مرحلة الحكم النهائي، بينما لا تزال القضايا الثلاث الأخرى في المرحلة الأولية من الإجراءات القضائية. وستعزز هذه القضايا مضمون الاختصاص القضائي لمحكمة العدل الدولية بشأن الإبادة الجماعية في المستقبل. ويمكن بالفعل ملاحظة أن محكمة العدل الدولية اتخذت في جميع هذه القضايا تدابير مؤقتة دون انتظار الحكم النهائي الذي يمكنها من البت في ما إذا كانت الحالة المعروضة عليها تشكل إبادة جماعية بالمعنى المقصود في الاتفاقية.
ونظرًا لخطورة عواقب مثل هذه الحالات وطول المدة اللازمة لصدور الحكم، طلبت الدول من المحكمة أن تأمر باتخاذ تدابير مؤقتة فورية. واستندت في طلبها إلى الالتزام بمنع الإبادة الجماعية، وخطر حدوث إبادة جماعية الوارد في الاتفاقية، دون انتظار أن تبت محكمة العدل الدولية في موضوع الدعوى.
في جميع هذه القضايا، رفعت الدولة المدعى عليها، دون جدوى، اعتراضًا أوليًّا على اختصاص محكمة العدل الدولية.
وفي كل حالة، أجمع قضاة محكمة العدل الدولية تقريبًا على تأييد اختصاص المحكمة، حيث صوت القاضي الروسي بالاعتراض في قضيتي أوكرانيا والبوسنة وصوت القاضي الصيني بالاعتراض في جميع القضايا الثلاث.
1- فيما يتعلق باختصاص محكمة العدل الدولية:
لقد أكدت محكمة العدل الدولية مرارًا أن اتفاقية الإبادة الجماعية تنص على مبادئ تشكل جزءًا من القانون الدولي العرفي العام، وبالتالي فهي ملزمة - حتى على الدول الأربعين الأعضاء في الأمم المتحدة التي لم تصادق عليها. وتشمل هذه المبادئ العرفية حظر الإبادة الجماعية والالتزام بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وهي تشمل أيضًا الاختصاص التلقائي للمحكمة تجاه جميع الدول الأطراف بموجب المادة التاسعة من الاتفاقية. وأوضحت المحكمة أيضًا في مناسبات عديدة أن عدم مشاركة طرف في النزاع لا يستبعد اختصاص المحكمة وإجراءاتها:
- بموجب الحكم الصادر في 11 تموز/يوليه 1996 في القضية رقم 91، البوسنة والهرسك ضد يوغوسلافيا المقدمة إلى محكمة العدل الدولية في 20 آذار/مارس 1993، رفضت المحكمة الدفع الابتدائي الذي قدمته يوغوسلافيا وأعلنت أنها مختصة على أساس المادة الحادية عشرة من اتفاقية الإبادة الجماعية (الفقرات 32-34).
- بموجب الحكم الصادر في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2008 في القضية رقم 118، كرواتيا ضد صربيا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية في 2 تموز/يوليه 1999، رفضت المحكمة نفس الدفع الابتدائي وأعلنت أنها مختصة استنادًا إلى اتفاقية الإبادة الجماعية (الفقرة 136). وبموجب الحكم الصادر في 22 تموز/يوليه 2022 في القضية رقم 178، غامبيا ضد ميانمار، المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، رفضت المحكمة الدفوع الابتدائية لميانمار وأعلنت أنها مختصة على أساس اتفاقية الإبادة الجماعية (الفقرات 89-92).
- بموجب أمرها المؤرخ 16 آذار/مارس 2022 في القضية رقم 182، أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية في 26 شباط/فبراير 2022، رفضت المحكمة الدفع الابتدائي لروسيا وأعلنت نفسها مختصة بناء على اتفاقية الإبادة الجماعية وعلى الرغم من عدم مشاركة روسيا في قضية محكمة العدل الدولية، (الفقرات 43-48).
2- فيما يتعلق بتطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية خارج الحدود الإقليمية وانتهاك دولة ما لالتزامها بمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها:
في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن الالتزام بمنع جريمة الإبادة الجماعية الوارد في المادة الأولى من اتفاقية الإبادة الجماعية هو التزام يتجاوز نطاق الحدود الإقليمية (الفقرة 183، البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، القضية رقم 91، الحكم، 26 شباط/فبراير 2007). وهذا يعني أن من واجب الدول التي لها القدرة على التأثير على الآخرين أن تستخدم جميع الوسائل المتاحة لها بشكل معقول لمنع جريمة الإبادة الجماعية، حتى عندما تُرتكب أفعال خارج حدودها (الفقرة 443، البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، القضية رقم 91، الحكم، 26 شباط/فبراير 2007). وهكذا، وفيما يتعلق بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها ميليشيات صرب البوسنة في سربرنيتشا في تموز/يوليه 1995، قضت محكمة العدل الدولية بأن صربيا نفسها لم ترتكب أعمال الإبادة الجماعية، ولكنها انتهكت التزامها بمنع الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (الفقرة 471 (5)، البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، القضية رقم91، الحكم، 26 شباط/فبراير 2007). وهذه هي المرة الأولى التي تدين فيها محكمة العدل الدولية دولة استنادًا إلى التزامها بمنع الإبادة الجماعية.
3- فيما يتعلق بمصلحة الدول في التصرف أمام محكمة العدل الدولية:
في قضية غامبيا ضد ميانمار، طعنت ميانمار في وجود نزاع مع غامبيا يبرر الإحالة إلى محكمة العدل الدولية. واعترفت المحكمة بأن دعوى غامبيا لدى محكمة العدل الدولية كانت مقبولة على الرغم من أن غامبيا لم تكن ضحية مباشرة لميانمار أو في نزاع مفتوح معها حول تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية. ويمكن أن يكون أساس حق غامبيا في إحالة المسألة إلى محكمة العدل الدولية نزاعًا قانونيًّا، واعتُبر كافيًا للإحالة إلى محكمة العدل الدولية، حيث إنه تم الإعراب علانية عن آراء متباينة بشأن الاتفاقية (الفقرات 63-65 و73 و77 و93-114، غامبيا ضد ميانمار، القضية رقم 178، الحكم، 22 تموز/يوليه 2022). وأشارت المحكمة إلى موقفها الثابت منذ فتواها المؤرخة 28 أيار/مايو 1951 بشأن التحفظات على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها: "بموجب هذه الاتفاقية، ليس للدول المتعاقدة أي مصالح خاصة بها؛ وليس لكل منها سوى مصلحة مشتركة، وهي الحفاظ على تحقيق الأغراض السامية لهذه الاتفاقية التي هي سبب وجودها" (غامبيا ضد ميانمار، القضية رقم 178، الحكم، 22 تموز/يوليه 2022، الفقرتان 107-108، والتحفظ على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فتوى، 28 أيار/مايو 1951، الصفحة 23).
4- فيما يتعلق بحق الدول في استخدام القوة لمنع الإبادة الجماعية:
في قضية أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، طلبت أوكرانيا من محكمة العدل الدولية حماية حقها في "عدم التعرض لادعاء كاذب بارتكاب إبادة جماعية" و"عدم التعرض لعمليات عسكرية لدولة أخرى على أراضيها بناء على انتهاك سافر للمادة الأولى من اتفاقية الإبادة الجماعية". وأوضحت المحكمة، في قرارها الأولي المؤرخ 16 آذار/مارس 2022 بشأن التدابير المؤقتة، نطاق المادة الأولى من اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تعهدت بموجبها جميع الدول بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ورأت المحكمة أن هذا الالتزام بالمنع والمعاقبة يجب أن تنفذه الدول بحسن نية، مع مراعاة الأجزاء الأخرى من الاتفاقية، ولا سيما المادتين الثامنة والتاسعة اللتين تنصان على اتخاذ إجراء في إطار الأمم المتحدة أو الإحالة إلى محكمة العدل الدولية (الفقرة 56، أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، القضية رقم 182، الأمر، 16 مارس/آذار 2022). وأشارت المحكمة أيضًا إلى أن التدابير التي تتخذها الدولة لمنع الإبادة الجماعية يجب أن تحترم القانون الدولي، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة (الفقرة 56، أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، القضية رقم 182، الأمر، 16 آذار/مارس 2022).
رأت المحكمة، دون أن تبت في هذه المرحلة بشأن الأسس الموضوعية للقضية، أنه من المشكوك فيه ما إذا كانت الاتفاقية تجيز في ضوء الغرض منها الاستخدام أحادي الجانب للقوة من جانب دولة طرف متعاقدة في إقليم دولة أخرى، بغرض منع عمل يُزعَم أنه من أعمال الإبادة الجماعية أو معاقبة عليه (الفقرة 59، أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، القضية رقم 182، الأمر، 16 آذار/مارس 2022). ونظرًا لعدم وجود أدلة تدعم ادعاء الاتحاد الروسي بأن إبادة جماعية قد ارتكبت في الأراضي الأوكرانية، رأت المحكمة أيضًا أن لأوكرانيا حقًّا معقولًا في ألا تتعرض لعمليات عسكرية من جانب الاتحاد الروسي بغرض منع الإبادة الجماعية المزعومة على الأراضي الأوكرانية والمعاقبة عليها (الفقرة 60، أوكرانيا ضد الاتحاد الروسي، القضية 182، الأمر، 16 آذار/مارس 2022).
5- فيما يتعلق بإثبات القصد الجنائي المحدد لارتكاب الإبادة الجماعية:
في حكمها الصادر في 26 شباط/فبراير 2007 في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود المحالة إلى محكمة العدل الدولية في عام 1993، خلصت المحكمة إلى أن ما يُعرف عمومًا بـ ”التطهير العرقي“ لا يشكل في حد ذاته شكلًا من أشكال الإبادة الجماعية. وقد تشكل أعمال التطهير العرقي عنصرًا من عناصر تنفيذ خطة الإبادة الجماعية، شريطة أن تكون هناك نية لتدمير المجموعة المستهدفة ماديًّا وليس مجرد نقلها قسرًا (الفقرة 190). وأن المذابح والفظائع الأخرى المرتكبة أثناء النزاع الدائر في جميع أنحاء إقليم البوسنة والهرسك لم تقترن بالقصد المحدد الذي يُميِّز جريمة الإبادة الجماعية، أي نية إهلاك الجماعة المشمولة بالحماية كليًّا أو جزئيًّا (الفقرة 277). ولذلك فإن هذه الفظائع تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ورأت المحكمة أن القصد المحدد لتدمير الجماعة كليًّا أو جزئيًّا يجب إثباته بشكل مقنع بالرجوع إلى ظروف معينة، إذا لم يكن بالإمكان إثبات وجود خطة عامة للقيام بذلك بشكل مقنع. ولكي يتم قبول هذا النمط من السلوك كدليل على قصد الإبادة الجماعية، يجب أن يكون من النوع الذي لا يشير إلا إلى وجود هذا القصد المحدد (الفقرة 373). وبالتالي، قبلت المحكمة إمكانية إثبات نية الإبادة الجماعية بشكل غير مباشر عن طريق الاستدلال. ومع ذلك، من أجل استنتاج وجود قصد خاص من نمط السلوك، من الضروري أن يكون هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه بشكل معقول من الأفعال المعنية.
وخلصت المحكمة، في ضوء دراستها للأدلة الوقائعية المقدمة إليها فيما يتعلق بالفظائع المرتكبة في البوسنة والهرسك بين عامي 1991 و1995، إلى أنه باستثناء الأحداث التي وقعت في سربرنيتشا في تموز/يوليه 1995، لم يثبت بشكل قاطع القصد المحدد اللازم لتشكيل جريمة الإبادة الجماعية لكل حادث على حدة (الفقرة 370). والواقع أن المحكمة قضت بأن المذابح التي وقعت في سربرنيتشا في تموز/يوليه 1995 ارتكبت بقصد محدد لتدمير السكان المسلمين البوسنيين في تلك المنطقة تدميرًا جزئيًّا، وأن ما حدث في سربرنيتشا كان في الواقع إبادة جماعية (الفقرة 297).
وفي حكمها الصادر في 3 شباط/فبراير 2015 في القضية رقم 118، كرواتيا ضد صربيا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية في 2 تموز/يوليه 1999، رفضت المحكمة دعوى كرواتيا وادعاء صربيا المضاد بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية. ورأت أنه على الرغم من عمليات قتل المواطنين الكرواتيين أو المجموعات العرقية الكرواتية، لم يثبت بما فيه الكفاية أن الأفعال المعنية تعكس نية الإبادة الجماعية (الفقرة 440). وخلصت المحكمة إلى أن كرواتيا لم تثبت أن "الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من نمط السلوك الذي تعتمد عليه هو قصد تدمير الجماعة الكرواتية كليًّا أو جزئيًّا. ولم ترتكب الأفعال التي تشكل الفعل الجرمي للإبادة الجماعية بالمعنى المقصود في الفقرتين (أ) و(ب) من المادة الثانية من الاتفاقية انطلاقًا من القصد المحدد اللازم لتصنيفها على أنها أعمال إبادة جماعية" (الفقرات 143-148 و440-441 و510-511).
وفي أمرها المؤرخ 2 حزيران/يونيه 1999 في قضية يوغوسلافيا ضد بلجيكا بشأن تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية على قصف منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو، أكدت محكمة العدل الدولية من جديد أن ”التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد دولة لا يمكن أن يشكل في حد ذاته عملًا من أعمال الإبادة الجماعية بالمعنى المقصود في المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية“. وفي هذا الأمر، رفضت محكمة العدل الدولية طلب اتخاذ تدبير مؤقت معتبرة أنه ”لا يبدو في المرحلة الحالية من الإجراءات القضائية أن عمليات القصف بالقنابل التي تشكل موضوع الدعوى اليوغوسلافية تنطوي في الواقع على عنصر القصد، تجاه جماعة بهذا الوصف الذي تتطلبه أحكام“ اتفاقية الإبادة الجماعية (الفقرات 40 و41 و51).
6- إخضاع أفراد الجماعة لظروف معيشية تهدف إلى تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا
أنشأ الأمر باتخاذ تدابير مؤقتة الصادر عن محكمة العدل الدولية في 24 أيار/مايو 2024، في قضية جنوب أفريقيا ضد دولة إسرائيل بشأن تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية في حالة غزة، صلة بين رفض السماح بتقديم المساعدة الإنسانية للسكان المدنيين في منطقة محاصرة وخطر ارتكاب عمل إبادة جماعية يتمثل في إخضاع أفراد الجماعة لظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم جسديًّا كليًّا أو جزئيًّا. وأمرت محكمة العدل الدولية دولة إسرائيل باتخاذ تدابير فورية وفعالة للسماح بتقديم الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية المطلوبة على وجه السرعة لتخفيف الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة.
← حصانة؛ محكمة العدل الدولية؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحاكم الجنائية الدولية؛ عدم سريان التقادم؛ الاختصاص العالمي؛ جرائم حرب/الجرائم ضد الإنسانية
رابعًا- الالتزام بالمعاقبة على ارتكاب الإبادة الجماعية
استند الالتزام بقمع الإبادة الجماعية المنصوص عليه في اتفاقية عام 1948 إلى العقوبات الجنائية التي تفرضها المحاكم الدولية والمحاكم الوطنية (1). وقد تم مؤخرًا استكمال هذا النظام بمحاكم جنائية دولية مخصصة والمحكمة الجنائية الدولية (2)، فضلًا عن الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية (3). ويكمل نظام العقوبات الجنائية هذا عمل محكمة العدل الدولية، التي تركز فقط على مسؤولية الدول.
1- الملاحقة الجنائية للمسؤولين عن الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948
تحظر اتفاقية عام 1948 جريمة الإبادة الجماعية وتعاقب عليها سواء ارتكبت في أوقات السلم أو الحرب. وتنص على معاقبة أي عمل من أعمال الإبادة الجماعية، وكذلك أي تآمر أو تحريض مباشر وعلني أو محاولة أو تواطؤ في الإبادة الجماعية (المادة الثالثة من اتفاقية الإبادة الجماعية).
ويُعاقب مرتكبو مثل هذه الأفعال، "سواء كانوا حكامًا دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادًا" (المادة الرابعة).
وهذا يعني أنه، بغض النظر عن منصبهم الرسمي، لا يمكن لأحد التمتع بأي شكل من أشكال الحصانة.
ويتعين على الدول الأطراف اعتماد تشريعات تنص على عقوبات فعالة لمرتكبي هذه الجرائم وتسليم المتهمين دون قيد أو شرط إلى البلدان الطالبة (المادتان الخامسة والسابعة).
ومع ذلك، تنص المادة السادسة من الاتفاقية على أن الأشخاص المتهمين بالإبادة الجماعية لا يمكن محاكمتهم إلا من قبل المحاكم الوطنية للدولة التي ارتكب فيها الفعل ومن قبل محكمة جنائية دولية - كان من المقرر إنشاؤها في عام 1948، ولكنها لم تُنشأ نهائيًّا إلا في عام 1998 (اعتماد معاهدة روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية). وفي الواقع، لم تحظَ فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية قادرة على محاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية بدعم كبير من الدول مباشرة بعد اعتماد اتفاقية الإبادة الجماعية.
وقد أظهرت التجارب التاريخية أن المحاكم الوطنية في البلدان التي تُرتكب فيها جرائم الإبادة الجماعية تتردد في معاقبة مرتكبي هذه الجرائم، التي تتطلب بطبيعتها تدخل السلطات الوطنية. وهذا يفسر سبب عدم تطبيق المحاكم الوطنية للاتفاقية، سواء في كمبوديا في عام 1975 أو في رواندا في عام 1994. ومن المثير للاهتمام أيضًا ملاحظة أن رواندا لم تفِ بالتزامها بإدراج الإبادة الجماعية في قانونها الجنائي الوطني وفقًا للمادة الأولى من اتفاقية عام 1948 قبل الإبادة الجماعية التي وقعت في عام 1994 ضد قبائل التوتسي في رواندا. ولم يقم البلد بتحديث تشريعاته إلا بعد هذه المأساة من خلال القانون الأساسي رقم 08/96 المؤرخ 30 آب/أغسطس 1996 بشأن مقاضاة الجرائم التي تشكل جريمة الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر 1990.
2- العقوبة الجنائية في حالة الإبادة الجماعية التي تنزلها المحاكم الجنائية الدولية المخصصة والمحكمة الجنائية الدولية
أدى فشل المحاكم الوطنية في معاقبة الأفراد الذين يرتكبون أعمال الإبادة الجماعية إلى إدراج جريمة الإبادة الجماعية في قائمة الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحاكم الجنائية الدولية المخصصة (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا) والمحكمة الجنائية الدولية (المادة 4 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، والمادة 2 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والمادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية). اعتمدت النصوص التأسيسية لكل من هذه المحاكم تعريف الإبادة الجماعية الوارد في اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948، والذي لا يشير إلى إبادة الجماعات السياسية.
ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي اعتمد في روما في 17 تموز /يوليه 1998 ودخل حيز التنفيذ في 1 تموز/يوليه 2002، على أن قضايا الإبادة الجماعية تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (المادة 6) وكذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (المادتان 7-8)، شريطة أن تكون الجريمة قد ارتكبت على أراضي دولة صادقت على نظام روما الأساسي أو ارتكبها مواطن من تلك الدولة (المادة 12). إذا لم تكن الدولة التي ارتكبت فيها الجريمة أو الدولة التي يحمل جنسيتها المتهم قد صادقت على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو الهيئة الوحيدة التي لها سلطة فرض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (المادة 13- ب). وبمجرد قبول الدول المعنية باختصاص المحكمة، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تنظر في مثل هذه القضية بثلاث طرق: إحالة القضية إلى المحكمة: (1) من قبل أي دولة طرف؛ (2) من قبل المدعي العام نفسه، على أساس معلومات تتعلق بأعمال الإبادة الجماعية وردت من أي مصدر موثوق؛ أو (3) من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (الإجراءات المتخذة في حالة وجود تهديد للسلام أو خرق له).
أحال مجلس الأمن الدولي في آذار/مارس 2005 (قرار مجلس الأمن الدولي 1593 (2005)) أول قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بادعاءات بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في دارفور (السودان) منذ 1 تموز/يوليه 2002. وكانت إحالة القضية من قبل مجلس الأمن الدولي ضرورية لتجاوز مسألة كون السودان ليس دولة طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية. في 4 آذار/مارس 2009 و12 تموز/يوليه 2010، صدرت لوائح اتهام ومذكرات توقيف ضد رئيس السودان، عمر البشير. تضمنت لائحة الاتهام الصادرة في 12 تموز/يوليه 2010 ثلاث تهم بالإبادة الجماعية: القتل، أو التسبب في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالسلامة العقلية أو الصحة البدنية، إخضاع الجماعة عمدًا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها فعليًّا. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُتهم فيها رئيس دولة يشغل سدة الرئاسة بالإبادة الجماعية. ومنذ ذلك الحين، طعن السودان في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية برفضه التعاون في تنفيذ أوامر إلقاء القبض. ولا تزال السوابق القضائية للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الإبادة الجماعية محدودة في الوقت الحالي بلائحة الاتهام وأوامر القبض في هذه القضية الوحيدة.
ثلاث قضايا حديثة تتعلق بتطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية رفعت إلى محكمة العدل الدولية هي أيضًا موضوع تحقيقات جنائية من جانب المحكمة الجنائية الدولية. وهذه القضايا هي قضايا ميانمار وبنغلاديش المتعلقة بمصير شعب الروهينغيا، وأوكرانيا وروسيا، والوضع في فلسطين وغزة. ومع ذلك، فإن عمل المحكمة الجنائية الدولية في هذه السياقات لا يزال في مرحلة التحقيق، وأوامر القبض الصادرة بالفعل لا تستهدف الإبادة الجماعية بل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وبالتالي، فإن السوابق القضائية الجنائية الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية تنبع أساسًا من عمل المحكمتين الجنائيتين الدوليتين المخصصتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا، ومن لوائح الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بشأن السودان، وإن كانت في شكلها الأولي. (المادة الخامسة أدناه). وهي تكمل السوابق القضائية الدولية للمحكمة الدولية بشأن هذا الموضوع (المادة الثالثة أعلاه) وقرارات المحاكم الوطنية التي تعمل بموجب الاختصاص العالمي.
3 - العقوبة الجنائية في حالة الإبادة الجماعية من خلال ممارسة الاختصاص العالمي للمحاكم الجنائية الوطنية
تساهم المحاكم الوطنية التي تعمل في إطار الاختصاص القضائي العالمي أيضًا في قمع جريمة الإبادة الجماعية.
لا تنص اتفاقية الإبادة الجماعية على الاختصاص القضائي العالمي الذي يسمح بالملاحقة الجنائية أمام محاكم أي بلد. ومع ذلك، يجوز للبلدان التي صادقت على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها القضائي على الجرائم التي يرتكبها رعايا أجانب خارج أراضيها الوطنية، وفقًا لمبدأ التكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، شريطة أن يكون القانون الجنائي المحلي للبلد قد عدل لهذا الغرض.
وقد أبرزت التباينات والثغرات في التشريعات الوطنية المتعلقة بالاختصاص القضائي العالمي عدم قدرة العديد من البلدان على مقاضاة المجرمين الأجانب، مثل مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا، أمام محاكمها الوطنية. وقد تحسنت هذه الحالة مع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، التي أتاحت إدراج تعريف موحد للإبادة الجماعية وإجراء الاختصاص القضائي العالمي في القانون الجنائي الوطني لكل دولة عضو.
وعلى هذا الأساس، أصدرت محكمة فرانكفورت الإقليمية العليا في ألمانيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 أول حكم بإدانة جماعة مسلحة غير حكومية (عضو في تنظيم داعش) بتهمة الإبادة الجماعية. وأيدت المحكمة الاتحادية الألمانية مؤخرًا هذا الحكم في 17 كانون الثاني/يناير 2023، بعد استئناف قدمه عضو داعش. وحُكم على المدعى عليه بالسجن مدى الحياة، وأيدت المحكمة هذا الحكم في الاستئناف، ولم يعد من الممكن الآن تقديم أي استئناف آخر. وأكدت المحكمة أن "أفعال المتهم، التي تسببت في أذى جسيم لرضا [ووالدته]، إلى جانب أفعال مماثلة من قبل أعضاء آخرين [في تنظيم داعش]، كان من شأنها تدمير الجماعة الدينية الكردية من طائفة اليزيديين". وأوضحت أن "الاستعباد المنظم للنساء والفتيات، لا سيما في سياق إعادة التثقيف الديني، هو بالضبط ما أدى إلى تدمير الأقلية الدينية اليزيدية من أجل إقامة خلافة إسلامية. وبشكل عام، كان من المرجح أن يؤدي هذا النهج إلى [...] التدمير (الجزئي) لهذه الجماعة بصفتها هذه". (المحكمة الاتحادية الألمانية العليا، القرار 3 StR 230/22، الفقرات 3 و5 و8 و15 و37 و38). وتبع ذلك إدانة ثانية بارتكاب إبادة جماعية في أيار/مايو 2022، وصدرت آخر وثالث إدانة بالإبادة الجماعية في ألمانيا ضد عضو سابق في تنظيم داعش (كلاهما يتعلق بضحايا يزيديين في العراق) في 21 حزيران/يونيه 2023. في هاتين القضيتين، أدينت امرأتان بالتواطؤ في الإبادة الجماعية لاستعبادهما وإساءة معاملتهما لامرأة يزيدية شابة من أجل دعم حملة داعش للقضاء على الأقلية الدينية اليزيدية. وحُكم عليهما بالسجن لمدة خمس سنوات ونصف وتسع سنوات وثلاثة أشهر على التوالي.
☜ جريمة الإبادة الجماعية، سواء ارتكبت في أوقات السلم أو الحرب، لا تخضع لأي قانون تقادم، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية عام 1968 بشأن عدم انطباق قانون التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وبالتالي، يمكن الشروع في الإجراءات القانونية بغض النظر عن المدة التي انقضت منذ ارتكاب الجريمة.
⚖ رابعًا - السوابق القضائية للمحاكم الجنائية الدولية (المحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا)
تسعى قرارات المحاكم الجنائية الدولية إلى إثبات المسؤولية الجنائية الفردية عن أعمال الإبادة الجماعية بما لا يدع مجالًا للشك. وعلى الرغم من أنها تطبق نفس تعريف الإبادة الجماعية، فإن عملها يختلف عن عمل محكمة العدل الدولية، التي تنظر في مسؤولية الدول فيما يتعلق بالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.
لا تزال السوابق القضائية للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الإبادة الجماعية في مهدها في انتظار قرارات بشأن حالات مثل السودان (2005) وميانمار وبنغلاديش أو إسرائيل وفلسطين. وحتى شباط/فبراير 2026، صدرت مذكرات قبض عن المحكمة الجنائية الدولية في سياق العنف الذي مارسته الدولة ضد سكان الروهينغيا في ميانمار وفي سياق حرب إسرائيل في غزة على أساس جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ولكن ليس على أساس الإبادة الجماعية.
وقد نظرت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في عدد كبير من القضايا المتعلقة بالإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد التوتسي الروانديين في رواندا في عام 1994. ولم تعترف المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلا بقضية واحدة من قضايا الإبادة الجماعية التي ارتكبت في عام 1995 في سربرنيتشا ضد السكان المسلمين في سربرنيتشا. كان الحكم الصادر عن الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية كرستيتش هو الأول في عام 2001 الذي يعترف بوجود إبادة جماعية في سربرنيتشا. الأحكام الرئيسية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة المتعلقة بالإبادة الجماعية في سربرنيتشا هي تلك الصادرة بحق الجنرال راديسلاف كرستيتش والجنرال راتكو ملاديتش وبوبوفيتش وآخرين.
1- تعريف الإبادة الجماعية
أ - الأركان العامة
عرَّفت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة قضية كرستيتش، )الحكم، 23 آب/أغسطس 2001، الفقرة 550) الإبادة الجماعية على النحو التالي:
تشير الإبادة الجماعية إلى أي عمل إجرامي يسعى إلى الإهلاك، كليًّا أو جزئيًّا، لنوع معين من الجماعات البشرية، بهذه الصفة، بوسائل معينة. ولشرط النية المحددة للإبادة الجماعية عنصران: [1)] يجب أن يستهدف الفعل أو الأفعال مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية؛ [و2)] ويجب أن يسعى الفعل أو الأفعال إلى إهلاك تلك الجماعة كلها أو جزء منها.
وفي الحكم نفسه، أقرت الدائرة الابتدائية بأن القانون الدولي العرفي يقصر تعريف الإبادة الجماعية على الأفعال التي تسعى إلى التدمير المادي أو البيولوجي للجماعة كليًّا أو جزئيًّا. وهذا ما أكدته الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا في قضية سيمانزا (الحكم والعقوبة، 15 أيار/مايو 2003، الفقرة 315). وأشارت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا إلى أن "جريمة الإبادة الجماعية تعتبر جزءًا من القانون الدولي العرفي، وعلاوة على ذلك، قاعدة من القواعد الآمرة" (كايشيما وروزيندانا، الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 88؛ قضية روتاغاندا، الحكم والعقوبة، 6 أيلول/سبتمبر 1999، الفقرة 46؛ وقضية موسيما، الحكم والعقوبة، 27 كانون الثاني/يناير 2000، الفقرة 151).
ب- تفسير المادة 2 (2) (ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا: ”الإبادة الجماعية تعني [...] إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة“
وفي قضية سيمانزا (الحكم والعقوبة، 15 أيار/مايو 2003، الفقرة 320)، خلصت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا إلى أن "الضرر الجسدي أو العقلي الجسيم" يشمل التعذيب والعنف الجنسي بما في ذلك الاغتصاب، فضلًا عن "العنف الجسدي غير المميت الذي يسبب تشوهًا أو إصابة خطيرة للأعضاء الخارجية أو الداخلية أو الحواس". انظر أيضًا قضية سيرومبا (حكم الاستئناف، 12 آذار/مارس 2008، الفقرة 46) وقضية رينزاهو (الحكم الابتدائي)، 14 تموز/يوليه 2009، الفقرة 762).
ج- لا يوجد حد رقمي
في قضية سيرومبا (الحكم الابتدائي، 13 كانون الأول/ديسمبر 2006، الفقرة 319)، رأت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أنه لا يوجد حد عددي للضحايا ضروري لإثبات الإبادة الجماعية. انظر أيضًا قضية باغوسورا وآخرين (الحكم والعقوبة، 18 كانون الأول/ديسمبر 2008، الفقرة 2155)، وقضية سيمبا (13 كانون الأول/ديسمبر 2005، الفقرة 412)، قضية موفونيي (الحكم والعقوبة، 12 أيلول/سبتمبر 2006، الفقرة 479)، وقضية موهيمانا (الحكم والعقوبة، 28 نيسان/أبريل 2005، الفقرة 514).
2- إثبات القصد الجنائي لارتكاب الإبادة الجماعية (ركن القصد الجنائي)
خلصت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا في حكمها في قضية باغيليشيما في الفقرة 55 إلى ما يلي:
[ألف] تثبت جريمة الإبادة الجماعية إذا تبيَّن بما لا يدع مجالًا للشك المعقول، أولًا، أن أحد الأفعال المدرجة في الفقرة 2 من المادة 2 من النظام الأساسي قد ارتكب، وثانيًا، أن هذا الفعل ارتكب ضد جماعة مستهدفة على وجه التحديد قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بقصد محدد هو إهلاك تلك الجماعة كليًّا أو جزئيًّا.
وهذا القصد المحدد هو الذي يميز جريمة الإبادة الجماعية عن الجرائم الأخرى مثل القتل واسع النطاق للمدنيين (قضية كايشيما وروزيندانا، الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 91). وعليه، فإن الإبادة الجماعية تستدعي إجراء تحليل ذي شقين: (1) الأفعال الأساسية المحظورة، و(2) القصد المحدد للإبادة الجماعية، أو dolus specialis (قضية باغيليشيما، الحكم الابتدائي، 7 حزيران/يونيه 2001، الفقرة 55). انظر أيضًا قضية أكايسو (الحكم الابتدائي، 2 أيلول/سبتمبر 1998، الفقرات 498، 517–522).
وفي قضية سيرومبا (حكم الاستئناف، 12 آذار/مارس 2008، الفقرتان 175-176)، رأت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن نية الإبادة الجماعية يمكن الاستدلال عليها من الأدلة الظرفية. وأشارت الدائرة إلى ما يلي:
يمكن استنتاج القصد المحدد للإبادة الجماعية من وقائع أو مؤشرات معينة، تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، (أ) السياق العام لارتكاب أفعال أخرى مُجرَّمة مُوجَّهة بصورة منهجية ضد تلك الجماعة نفسها [نمط سلوك ثابت]، سواء ارتكب هذه الأفعال نفس الجاني أو ارتكبها آخرون، (ب) حجم الفظائع المرتكبة ونطاقها، (ج) طابعها العام، (د) تنفيذها في منطقة أو بلد ما، (هـ) اختيار الضحايا عمدًا وبطريقة منهجية بسبب انتمائهم إلى جماعة معينة، (و) استبعاد أعضاء جماعات أخرى، في هذا الصدد، (ز) المذهب السياسي الذي أدى إلى الأفعال المشار إليها، (ح) تكرار أعمال مدمرة وتمييزية، (ط) ارتكاب أعمال تنتهك أساس الجماعة ذاته أو يعتبرها مرتكبوها كذلك.
انظر أيضًا قضية كامباندا (الحكم والعقوبة، 4 أيلول/سبتمبر 1998، الفقرة 169، قضية ناهيمانا وآخرين (حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 524)، قضية نشاميهيغو (الحكم والعقوبة، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، الفقرة 331)، قضية زيغيرانييرازو (الحكم والعقوبة، 18 كانون الأول/ديسمبر 2008، الفقرة 398)، قضية بيكيندي (الحكم الابتدائي، 2 كانون الأول/ديسمبر 2008، الفقرة 420)، قضية موفونيي (الحكم والعقوبة، 12 أيلول/سبتمبر 2006، الفقرة 480)، وقضية بلاغوييفيتش ويوكيتش (حكم الاستئناف، 9 أيار/مايو 2007، الفقرتان 122–123).
في قضية غاكومبيتسي (حكم الاستئناف، 7 تموز/يوليه 2006، الفقرة 40)، أضافت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أنه يمكن أيضًا استنتاج القصد من "الاستهداف المادي للجماعة أو لممتلكاتها؛ واستخدام لغة مهينة لأفراد الفئة المستهدفة؛ والأسلحة المستخدمة ومدى الإصابات الجسدية؛ والطريقة المنهجية للتخطيط والطريقة الممنهجة للقتل". انظر أيضًا قضية كاموهاندا (الحكم والعقوبة، 22 كانون الثاني/يناير 2004، الفقرة 625) وقضية كايشيما وروزيندانا (الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 527).
في قضية كايشيما وروزيندانا (الحكم الابتدائي، 21 أيار/مايو 1999، الفقرة 91)، رأت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أنه ”لكي تقع جريمة الإبادة الجماعية، يجب أن يتشكَّل القصد الجنائي قبل ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية“.
وفي قضية سيمبا (حكم الاستئناف، 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 266)، نقضت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا النتيجة التي توصلت إليها في الحكم الصادر في قضية كايشيما وروزيندانا، حيث رأت أن قصد الإبادة الجماعية لا يلزم تشكيلها قبل ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، بل يجب أن تكون حاضرة وقت ارتكاب الجريمة. وعلاوة على ذلك، رأت دائرة الاستئناف التابعة للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا في حكمها في قضية نشاميهيغو (حكم الاستئناف، 18 آذار/مارس 2010، الفقرة 363) أن الدليل على وجود "خطة رفيعة المستوى للإبادة الجماعية" غير مطلوب لإدانة متهم بالإبادة الجماعية أو لشكل المسؤولية عن التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية". انظر أيضًا قضية ناهيمانا وآخرين (حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 480).
واجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة نفس الصعوبات في إثبات وجود مشروع إجرامي مشترك (خطة متفق عليها) قائم على قصد الإبادة الجماعية في الجرائم المرتكبة خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة في سربرنيتشا ومواقع أخرى، ولا سيما في تمييزها عن جريمة التطهير العرقي.
في قضية ملاديتش (حكم 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، أقرت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بوجود مؤسسة إجرامية مشتركة كان هدفها الرئيسي القضاء على المسلمين البوسنيين في سربرنيتشا من خلال قتل الرجال والفتيان والنقل القسري للنساء والأطفال الصغار وكبار السن. وكان أعضاء هذا المشروع الإجرامي المشترك هم رادوفان كارادزيتش، وراديسلاف كرستيتش، وفويادين بوبوفيتش، وزدرافكو توليمير، وليوبومير بوروفتشانين، وسفيتوزار كوسوريتش، وراديفوي ميليتيتش، ورادوسلاف يانكوفيتش، وليوبيشا بيرا، وميلينكو زيفانوفيتش، وفينكو باندوريفيتش، وفيدوي بلاغويفيتش. وخلصت الدائرة إلى أن الاستنتاج الوحيد الممكن من جميع الظروف هو أن المتهمين كانوا ينوون تدمير الجماعة المسلمة البوسنية في سربرنيتشا، التي تمثل جزءًا كبيرًا من الجماعة المحمية من المسلمين في البوسنة والهرسك. ومع ذلك، في القضية نفسها، برأت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة راتكو ملاديتش من تهم الإبادة الجماعية لارتكابه جرائم مماثلة في أماكن أخرى في البوسنة. ولم تعتبر المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في هذه القضية أن الاستنتاج المعقول الوحيد من هذه الجرائم هو توفر القصد لدى الجناة لتدمير جزء كبير من المجموعة المحمية من مسلمي البوسنة.
في قضية كرستيتش، نقضت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في حكمها الصادر في 9 نيسان/أبريل 2004، الحكم الصادر عن الدائرة الابتدائية في 2 آب/أغسطس 2001، الذي أدان الجنرال راديسلاف كرستيتش بجريمة الإبادة الجماعية ضد جماعة المسلمين البوسنيين في سربرنيتشا. وميزت دائرة الاستئناف بين معرفة قصد الإبادة الجماعية لدى مرتكبي الجرائم ومشاركة ذلك القصد بصفته شريكًا في الجريمة. وخلصت دائرة الاستئناف بالإجماع إلى أن إبادة جماعية قد ارتكبت في سربرنيتشا في عام 1995. واعترفت بأن "راديسلاف كرستيتش كان يعلم أنه بالسماح باستخدام فيلق درينا، فإنه يساهم بشكل كبير في إعدام السجناء المسلمين البوسنيين". وعلى الرغم من أن الأدلة المقدمة تشير إلى أن راديسلاف كرستيتش لم يؤيد هذا المخطط، إلا أنه بصفته قائد فيلق درينا، سمح للموظفين الرئيسيين باستخدام موارد الفيلق. ووجد القضاة أن راديسلاف كرستيتش كان على علم بقصد الإبادة الجماعية لدى بعض أعضاء الموظفين الرئيسيين في جيش جمهورية صربسكا. ومع ذلك، وجدوا أنه لم يثبت بشكل كافٍ أن راديسلاف كرستيتش كان لديه القصد ذاته. في ظل هذه الظروف، خلصت دائرة الاستئناف إلى أن راديسلاف كرستيتش مسؤول جنائيًّا ليس بصفته مرتكبًا رئيسيًّا للجرائم، بل بصفته شريكًا في الإبادة الجماعية لمساعدته وتشجيعه على ارتكاب الجرائم المختلفة.
وفي قضية بوبوفيتش وآخرين، أقرت الدائرة الابتدائية في حكمها الصادر في 10 حزيران/يونيه 2010 بوجود مشروع إجرامي مشترك يتعلق بالإبادة الجماعية في سربرنيتشا شارك فيه المتهمون الآخرون في تلك القضية، لكنها حددت مسؤولية جنائية مختلفة للمتهمين الآخرين الذين شاركوا في نية الإبادة الجماعية وأولئك الذين كانوا على علم بها دون أن يشاركوا فيها بالضرورة. لذلك أدانت المحكمة فوجادين بوبوفيتش بالإبادة الجماعية على أساس علمه بهذا المشروع الإجرامي المشترك ومشاركته النشطة فيه وعلمه بقصد الإبادة الجماعية. ورأت المحكمة أن "فوجادين بوبوفيتش كان يعلم أن قصد القوات الصربية البوسنية لم يكن مجرد قتل من وقعوا في أيديهم، بل قتل أكبر عدد ممكن بهدف تدمير المجموعة بأكملها. وتدل مشاركته الحازمة في جميع مراحل هذا المخطط على أنه لم يكن على علم فقط بالقصد التدميري وراء المشروع، بل شارك فيه أيضًا. ولم تدن المحكمة دراغو نيكوليتش بالإبادة الجماعية، بل بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية، معتبرة أنه، بالنظر إلى الأدلة المقدمة وطبيعة أعمال دراغو نيكوليتش المشاركة، والظروف الشخصية التي كان يعيشها والمركز الذي كان يشغله، لم تقتنع الدائرة الابتدائية بما لا يدع مجالًا للشك بأنه كان يشارك في قصد الإبادة الجماعية. وخلصت الدائرة الابتدائية إلى أنه شارك في المؤامرة الإجرامية المشتركة للقتل بقصد الاضطهاد، وأنه كان على علم بتوفر قصد الإبادة الجماعية لدى الأعضاء الآخرين في المؤامرة، وأنه ساهم بشكل كبير في الإبادة الجماعية. (المدعي العام ضد فوجادين بوبوفيتش، ليوبيشا بيارا، دراغو نيكوليتش، ليوبومير بوروفتشانين، راديفوي ميليتيتش، ميلان جفيرو، وفينكو باندوريفيتش).
لم تعترف المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بكمبوديا بالانتماء إلى جماعة معارضة سياسية كمعيار أساسي لجريمة الإبادة الجماعية. بل إنها رفضت مفهوم "الإبادة الذاتية" الذي طرحه البعض لتوصيف إبادة 20% من السكان على يد نظام الخمير الحمر بين عامي 1975 و1979. من ناحية أخرى، احتفظت المحكمة بتصنيف الإبادة الجماعية للجرائم المرتكبة ضد مجموعتين عرقيتين تم تدميرهما، وهما مسلمو التشام والفيتناميون في كمبوديا. (انظر مكتب القضاة المشاركين في التحقيق، أمر الإغلاق، القضية رقم002/19-09-2007-ECCC-OCIJ، 15 أيلول/سبتمبر 2010، الفقرات 1335 و1545 و1546 و1548 و1549 و1551 و1552 و1554 و1556 و1559 و1563؛ الدائرة الابتدائية، قرار بشأن الفصل الإضافي في القضية 002 ونطاق القضية 002/19-09-2007-ECCC/TC، 4 نيسان/أبريل 2014، الصفحة 12، الاستنتاج الثاني). يجب أن يكون القصد من التدمير موجهًا إلى جزء كبير من المجموعة المستهدفة. ويمكن قياس ذلك بمعايير كمية (عدد الضحايا مقارنة بالمجموعة) أو نوعية (مكانة الضحايا داخل المجموعة) (قضية جيليسيتش، حكم الاستئناف، 5 تموز/يوليه 2001)، ويمكن أيضًا تقييمه بالرجوع إلى ما حدث لبقية المجموعة. في قضية كرستيتش (حكم الاستئناف، 19 نيسان/أبريل 2004)، جادلت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بأن إبادة الذكور البوسنيين المسلمين في سربرنيتشا هددت إعادة التكوين البيولوجي للمجموعة، وبالتالي هددت وجود المجموعة ذاته.
3- تدمير جماعة بوصفها هذا، كليًّا أو جزئيًّا
فيما يتعلق بمفهوم الجماعة، كانت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا مرنة في تفسيرها. ففي قضية روتاغاندا (الحكم والعقوبة، 6 كانون الأول/ديسمبر 1999)، لاحظت الدائرة الابتدائية أنه "لأغراض تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية، فإن العضوية في مجموعة ما هي، في جوهرها، مفهوم ذاتي وليس موضوعيًّا. وينظر مرتكب الإبادة الجماعية إلى الضحية على أنه ينتمي إلى جماعة من المقرر تدميرها. وفي بعض الحالات، قد ينظر الضحية إلى نفسه على أنه ينتمي إلى الجماعة المذكورة". (الفقرة 56). ومع ذلك، رأت الدائرة أن "التعريف الذاتي وحده لا يكفي لتحديد فئات الضحايا، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية الإبادة الجماعية. ويبدو من قراءة الأعمال التحضيرية لاتفاقية الإبادة الجماعية أن بعض الجماعات، مثل المجموعات السياسية والاقتصادية، قد استبعدت من تلك المشمولة بالحماية لأنها تعتبر "مجموعات متنقلة" ينضم إليها المرء من خلال الالتزام السياسي الفردي. ويبدو أن ذلك يوحي، على النقيض من ذلك، بأن الاتفاقية يقصد بها أن تشمل المجموعات الدائمة المستقرة نسبيًّا (الفقرة 57). [...] وترى الدائرة أنه عند تقييم ما إذا كان يمكن اعتبار جماعة مشمولة بالحماية من جريمة الإبادة الجماعية، فإنها ستمضي قدمًا في العمل على أساس كل حالة على حدة، آخذة في الاعتبار الأدلة ذات الصلة المقدمة والسياق السياسي والاجتماعي والثقافي" (الفقرة 373). انظر أيضًا قضية موسيما (الحكم والعقوبة، 27 كانون الثاني/يناير 2000، الفقرات 160-163)، وقضية سيرومبا (الحكم الابتدائي، 13 كانون الأول/ديسمبر 2006، الفقرة 318).
ولكي يعتبر الأفراد ضحايا للإبادة الجماعية، يجب أن يكون استهدافهم بسبب انتمائهم إلى جماعة ما. وتفترض نية إهلاك جماعة بهذه الصفة، كليًّا أو جزئيًّا، أن الضحايا قد اختيروا بسبب عضويتهم في الجماعة التي قُصِد تدميرها، سواء كانت جماعة قومية أو أخلاقية أو عرقية أو دينية (قضية معسكر سوشيتسا [المدعي العام ضد نيكوليتش]، الحكم في الاستئناف المتعلق بالعقوبة، 4 شباط/فبراير 2005). ولا يكفي مجرد معرفة الجناة بانتماء الضحايا إلى جماعة معينة لإثبات نية تدمير الجماعة بوصفها هذا (قضية كريستيتش، الحكم الابتدائي، 2 آب/أغسطس 2001، الفقرة 561). انظر أيضًا قضية جيليسيتش (الحكم الابتدائي، 14 كانون الأول/ديسمبر 1999، الفقرة 67).
وقد حددت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية جيليسيتش (الحكم الابتدائي، 14 كانون الأول/ديسمبر 1999، الفقرة 82) أن قصد الإبادة الجماعية يمكن أن يتجلى بطريقتين. فقد يكون القصد هو تدمير عدد كبير جدًّا من أفراد الجماعة، وفي هذه الحالة يكون القصد هو تدمير جماعة بأكملها. ومع ذلك، قد يكون القصد أيضًا من الرغبة في إبادتهم عدد أقل من الأفراد، يتم اختيارهم بسبب تأثير اختفائهم على بقاء الجماعة ككل. وعلاوة على ذلك، أشارت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية جيليسيتش (حكم الاستئناف، 5 تموز/يوليه 2001، الفقرة 82) إلى أنه من المعترف به على نطاق واسع أن قصد الإبادة يجب أن يستهدف على الأقل جزءًا كبيرًا من الجماعة. وأكدت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ذلك في قضية باغوسورا وآخرين (الحكم والعقوبة، 18 كانون الأول/ديسمبر 2008، الفقرة 2115). انظر أيضًا قضية كاريرا (الحكم والعقوبة، 7 كانون الأول/ديسمبر 2007، الفقرة 534)، وقضية موفوني (12 أيلول/سبتمبر 2006، الفقرة 479)، وقضية مبامبارا (الحكم الابتدائي، 11 أيلول/سبتمبر 2006، الفقرة 8)، وقضية سيمبا (الحكم والعقوبة، 13 ديسمبر 2005، الفقرة 412)، وقضية موهيمانا (قضية موهيمانا (28 أبريل 2005، 28 أبريل 2005، الفقرة 514).
في قضية سيكيريكا وآخرين (الحكم بشأن طلبات الدفاع بالبراءة، 3 أيلول/سبتمبر 2001، الفقرتان 76-77)، ذكرت الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن قصد التدمير الجزئي يمكن أن يثبت "إذا كان هناك دليل على أن التدمير يتعلق بجزء هام من الجماعة، مثل قيادتها. [...] والعنصر المهم هنا هو استهداف عدد محدد من الأشخاص الذين، بسبب صفاتهم القيادية الخاصة داخل الجماعة ككل، لهم أهمية كبيرة بحيث إن إيذاءهم بموجب أحكام المادة 4-2-أ إلى ج من شأنه أن يؤثر على بقاء الجماعة بحد ذاتها". في هذا الصدد، انظر أيضًا حكم محكمة العدل الدولية الصادر في 26 شباط/فبراير 2007 في القضية 91، البوسنة والهرسك ضد يوغوسلافيا (الفقرتان 190 و373) وحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 3 شباط/فبراير 2015 في القضية 118، كرواتيا ضد صربيا (الفقرات 132-148 و440-441 و510-515).
في قضية ملاديتش (الحكم الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، لم تجد الدائرة جريمة الإبادة الجماعية في إدانتها للجرائم المرتكبة خارج سربرنيتشا. وخلصت بأغلبية الأصوات إلى أن مرتكبي الجرائم في عدة بلديات في البوسنة والهرسك كانت لديهم نية تدمير المسلمين البوسنيين في تلك البلديات باعتبارهم جزءًا من المجموعة المحمية. ومع ذلك، خلصت إلى أن المسلمين البوسنيين المستهدفين في كل بلدية يشكلون جزءًا صغيرًا نسبيًّا من المجموعة المحمية ولا يشكلون، باستثناء من حيث العدد، جزءًا كبيرًا منها. وبالتالي، لم تقتنع بأن الاستنتاج المعقول الوحيد هو أن الجناة كانوا مدفوعين بالنية المطلوبة لتدمير جزء كبير من المجموعة المحمية من المسلمين البوسنيين.
لم تعترف الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا بعضوية جماعة معارضة سياسية كمعيار أساسي لجريمة الإبادة الجماعية. والواقع أنهم رفضوا مفهوم "الإبادة الجماعية الذاتية" الذي طرحه البعض لوصف تدمير 20% من السكان على أيدي نظام الخمير الحمر بين عامي 1975 و1979. ومن ناحية أخرى، احتفظوا بوصف الإبادة الجماعية للجرائم المرتكبة ضد مجموعتين عرقيتين مدمرتين، هما مسلمو التشام والفيتناميون في كمبوديا. (انظر مكتب قاضيي التحقيق، أمر الإغلاق، القضية رقم 002/19-09-2007-ECCC-OCIJ، 15 أيلول/سبتمبر 2010، الفقرات 1335 و1545 و1546 و1548 و1549 و1551 و1552 و1554 و1556 و1559 و1563؛ الدائرة الابتدائية، قرار بشأن الفصل الإضافي للقضية 002 ونطاق القضية 002/02، القضية رقم 002/19-09-2007-ECCC/TC، 4 نيسان/أبريل 2014، الصفحة 12، الاستنتاج الثاني). ويجب أن تكون نية التدمير قائمة فيما يتعلق بجزء كبير من المجموعة المستهدفة. ويمكن قياس ذلك بمعايير كمية (عدد الضحايا مقارنة بالمجموعة) أو بمعايير نوعية (مكانة الضحايا داخل المجموعة) (قضية جيليسيتش، حكم الاستئناف، 5 تموز/يوليه 2001)، ويمكن أيضًا تقييمه فيما يتعلق بما حدث لبقية المجموعة. وفي قضية كريسيتش (حكم الاستئناف، 19 نيسان/أبريل 2004)، جادلت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بأن تدمير الذكور البوسنيين المسلمين في سربرنيتشا يهدد إعادة التكوين البيولوجي للجماعة، وبالتالي يهدد وجود الجماعة ذاته.
4- التآمر لارتكاب الإبادة الجماعية
في قضية ناهيمانا وآخرين (حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرات 344 و894 و896)، أشارت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا إلى أن التآمر لارتكاب الإبادة الجماعية يُعرَّف بأنه "اتفاق بين شخصين أو أكثر على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية". وخلصت الدائرة إلى ما يلي:
تتألف جريمة التآمر المنصوص عليها في المادة 2 -3-ب من النظام الأساسي من ركنين يجب الاحتجاج بهما في لائحة الاتهام: '1' اتفاق بين أفراد يستهدف ارتكاب الإبادة الجماعية (الفعل الجرمي)؛ و'2' امتلاك الأفراد المشاركين في الاتفاق قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه (القصد الجنائي).
5- التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية
في قضية سيرومبا (حكم الاستئناف، 12 آذار/مارس 2008، الفقرة 161)، رأت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن "ارتكاب الإبادة الجماعية" لا يقتصر على الارتكاب المباشر والفعلي وأن الأفعال الأخرى يمكن أن تشكل مشاركة مباشرة في الفعل الجرمي، ولا سيما المساعدة والتحريض، فضلًا عن التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.
وفي قضية ناهيمانا وآخرين (حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007)، رأت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن أي شخص يمكن إدانته بجريمة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية إذا حرض بشكل مباشر وعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية (الركن المادي أو الفعل الجرمي) وكان لديه قصد لتحريض الآخرين بشكل مباشر وعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية (الركن المتعمد أو القصد الجنائي) (الفقرة 677). انظر أيضًا قضية كاليمانزيرا (الحكم الابتدائي، 29 حزيران/يونيه 2009، الفقرات 509-16) وقضية بيكيندي (حكم الاستئناف، 18 آذار/مارس 2010، الفقرة 135).
أ- الفرق بين التشجيع على الإبادة الجماعية والتحريض المباشر والعلني عليها
من الضروري التمييز بين التشجيع والتحريض العلني والمباشر على ارتكاب الإبادة الجماعية. فالتشجيع هو شكل من أشكال المسؤولية، وهو ما يعني ضمنًا أن المتهم سيتحمل المسؤولية الجنائية "فقط إذا كان التشجيع قد أسهم بالفعل إسهامًا كبيرًا في ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المواد من 2 إلى 4 من النظام الأساسي [للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا]"، وهي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات القانون الدولي. وعلى النقيض من ذلك، فإن التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية بموجب المادة 2 -3-ج من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا هو في حد ذاته جريمة، وبالتالي ليس من الضروري إثبات أن التحريض أسهم بالفعل إسهامًا كبيرًا في ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية. وهكذا، فإن "جريمة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية هي جريمة غير مكتملة، يُعاقَب عليها، حتى لو لم ينتج عنها أي عمل من أعمال الإبادة الجماعية". وهذا ما تؤكده "الأعمال التحضيرية للاتفاقية المتعلقة بالإبادة الجماعية"، التي يمكن الخلوص منها إلى أن واضعي الاتفاقية كانوا يعتزمون المعاقبة على التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، حتى وإن لم يرتكب أي فعل من أعمال الإبادة الجماعية، والهدف من ذلك هو الحيلولة دون وقوع مثل هذه الأعمال" (قضية ناهيمانا وآخرين، حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرات 678-679 و720).
ب- الفرق بين خطاب الكراهية والتحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية
هناك أيضًا فرق بين خطاب الكراهية بشكل عام (أو ”التحريض على التمييز أو العنف“) والتحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية. ويفترض التحريض المباشر على ارتكاب الإبادة الجماعية أن الخطاب هو "نداء مباشر لارتكاب فعل مشار إليه في المادة 2 -2 من النظام الأساسي؛ يجب أن يكون أكثر من مجرد اقتراح غامض أو غير مباشر". وفي كثير من الحالات، يسبق أو يرافق التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية خطاب الكراهية، ولكن لا تحظر المادة 2 -3-ج من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا سوى التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية (قضية ناهيمانا وآخرين، حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 692).
ووفقًا لقضية أكاييسو (الحكم الابتدائي، 2 أيلول/سبتمبر 1998، الفقرات 557 و558 و700)، رأت دائرة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا في قضية ناهيمانا وآخرين (حكم الاستئناف، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، الفقرة 698) أنه من الضروري مراعاة ثقافة رواندا ولغتها عند تحديد ما إذا كان الخطاب يشكل تحريضًا مباشرًا على ارتكاب الإبادة الجماعية.
انظر أيضَا: ← محكمة العدل الدولية؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ الاختصاص العالمي؛ جرائم حرب/جرائم ضد الإنسانية
✐ للاتصال:
@ مكتب المستشار الخاص لمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن توفير الحماية:
https://www.un.org/en/genocideprevention/office-mandate.shtml#:~:text=T….
المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة: https://www.icty.org/en
المحكمة الجنائية الدولية لرواندا: http://unictr.unmict.org/en
الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين: https://www.irmct.org/en
📖 لمزيد من المعلومات:
- Becker, Annette, Messagers du désastre. Raphael Lemkin, Jan Karski et les génocides, Paris, Fayard, 2018.
- Bloxham, Donald, MOSES, A. Dirk (dir.), The Oxford Handbook of Genocide Studies, Oxford/New York, Oxford University Press, 2010.
- Cassese, Antonio. “Genocide.” In The Oxford Companion to International Criminal Justice, edited by Antonio Cassese, 332–36. Oxford: Oxford University Press, 2009.
- Dallaire, Romeo. “The End of the Innocence: Rwanda 1994.” In Hard Choices: Moral Dilemmas in Humanitarian Intervention, edited by Jonathan Moore, 71–86. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1998.
- Des Forges Liebhafsky, Alison. Leave None to Tell the Story: Genocide in Rwanda. New York: Human Rights Watch, 1999.
- Human Rights Watch. Genocide, War Crimes, and Crimes Against Humanity: A Digest of the Case Law of the International Criminal Tribunal for Rwanda. 2010. Available at http://www.hrw.org/sites/default/files/reports/ictr0110webwcover.pdf
- Lemkin, Raphael, Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation - Analysis of Government - Proposals for Redress, Washington, D.C., Carnegie Endowment for International Peace, Washington, 1944. Available at
http://www.preventgenocide.org/lemkin/AxisRule1944-1.htm - “Genocide - A modern Crime”, Free World, New York, April 1945. Available at http://www.preventgenocide.org/lemkin/freeworld1945.htm
Martin, Ian. “Hard Choices after Genocide: Human Rights and Political Failures in Rwanda.” In Hard Choices: Moral and Dilemmas in Humanitarian Intervention, edited by Jonathan Moore, 157–76. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1998. - Neier, Aryeh. War Crimes: Genocide, Terror and the Struggle for Justice. New York: Times Books, 1998.
- Ochab, U. Ewelina (Dr.), “German Federal Court of Justice Confirms the First-Ever Conviction of a Daesh Member for Genocide”, Forbes, 26 January 2023. Available at https://www-forbes-com.cdn.ampproject.org/c/s/www.forbes.com/sites/ewelinaochab/2023/01/26/german-federal-court-of-justice-confirms-the-first-ever-conviction-of-a-daesh-member-for-genocide/amp/
- Ozoráková, Lilla, “The Road to Finding a Definition for the Crime of Genocide – the Importance of the Genocide Convention” In: The Law & Practice of International Courts and Tribunals, Vol. 21, Issue 2, Brill | Nijhoff, July 2022, p. 278-301.
- Power, Samantha. “A Problem from Hell”: America and the Age of Genocide. New York: Basic Books, 2003.
- Sands, Philippe, Retour à Lemberg, Paris, Albin Michel, August 2017.
- Scalia, Damien, Génocidaire(s) au coeur de la justice pénale internationale, Dalloz, 352 pages, 2022. Available at https://univ-droit.fr/recherche/actualites-de-la-recherche/parutions/46782-genocidaire-s
- Schabas, A. William. “The Crime of Genocide: Recent Problems of Interpretation.” in Carey, John, Dunlap V, William and Pritchard, John, International Humanitarian Law, Origins, Ardsley, New York: Transnational Publishers, 2003, pp. 239-282.
- Genocide in International Law: The Crime of Crimes, Second edition, Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
- Nuremberg and the Drafting of the Genocide Convention, Washington University Global Studies Law Review, Vol. 21, No. 71 (2022), p. 71-91. Available at https://journals.library.wustl.edu/globalstudies/article/id/8723/downlo…;
- Sémelin, Jacques, « Du massacre au processus génocidaire », Revue internationale des sciences sociales, n° 174, December 2002, p. 483-492.
- The International Bar Association (IBA), Justice and Accountability for the Atrocities of Daesh -Progress made and the way Forward: Working draft, March 2023. Available at https://www.ibanet.org/document?id=JUSTICE-AND-ACCOUNTABILITY-FOR-THE-ATROCITIES-OF-DAESH
- Uraz, Onur, Classifying Genocide in International Law: The Substantiality Requirement, Routledge, 2023.



