يقوم نظام تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها الذي وضعته الأمم المتحدة على مؤسسات دائمة تعزِّز الضمانات التي نصَّت عليها الاتفاقيات الدولية المختلفة لحقوق الإنسان. ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان هو حجر الزاوية في هذا النظام، وهو يشتمل على مجلس حقوق الإنسان الذي حلَّ محلَّ لجنة حقوق الإنسان في عام 2006، وهو تطوُّر يهدف إلى ضمان حسن أداء هذه المؤسسات لوظائفها والحدِّ من تسييسها.
أولًا- مهمة المفوَّضية السامية لحقوق الإنسان
تأسَّست مفوَّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة برقم 48/181 الصادرفي 20 كانون الأول/ ديسمبرعام 1993 بناءًعلىتوصياتإعلانفييناوبرنامجالعملالتيأُقِرَّت في 25 حزيران/ يونية عام 1993 في المؤتمر العالمي للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان. وفي عام 1997 تم دمج مكتب مفوَّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مع مركز الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مكتب واحد مقرُّه جنيف.
تتمثَّل مهمَّة مفوَّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في ”ضمان التمتع بجميع حقوق الإنسان على المستوى العالمي بواسطة التطبيق العملي لإرادة المجتمع الدولي وقراراته التي عبَّرت عنها الأمم المتحدة“. وتستند مهمَّة المفوَّضية إلى مواد ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك المادة 55 التي أعادت التأكيد على هدف المنظمة في توفير ”ظروف الاستقرار والرخاء الضرورية للعلاقات السليمة والودِّية بين الأمم، المرتكزة على احترام مبادئ المساواة في الحقوق، وتعزيز المصير للشعوب“، وكذلك التزامها بتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع من دون تمييز.
ثانيًا - بنية المفوَّضية السامية لحقوق الإنسان
ينقسم المكتب إلى وحدات تنظيمية يرأسها المفوَّض السامي الذي يشغل منصب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة لمدة 4 سنوات. ويشغل فولكر تورك هذا المنصب منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022. ويساعده في مهامه وكيل المفوَّض السامي، وطاقم من الموظفين، وقسم إداري. وهناك مكتب صغير في نيويورك يمثِّل المفوَّض السامي في المقرِّ الرئيسي للأمم المتحدة.
وبالإضافة إلى المكتب التنفيذي للمفوَّض السامي وعدد من الوحدات التي تكون مسؤولة أمام وكيل المفوَّض السامي، يوجد لمكتب المفوض السامي أربع شُعَب، هي: شُعبة الإجراءات الخاصة، وشُعبة العمليات الميدانية والتعاون التقني، وشُعبة البحوث والحق في التنمية، وشُعبة مجلس حقوق الإنسان ومعاهداتها. وبلغت ميزانية المفوَّضية 144.3 مليون من الدولارات لسنة 2023 (تمثل أقل من أربعة بالمائة من الميزانية العادية للأمم المتحدة، وبلغت التمويلات الإضافية 222.4 مليون دولار من المساهمات الطوعية للدول، والمنظمات الدولية في عام 2022). وانخفض مستوى التمويل الطوعي في عام 2022 بنسبة 1.02 بالمائة مقارنةً بالعام السابق (227.7 مليون دولار). وفي عام 2022، شكلت المساهمات الطوعية، أو الموارد الخارجة عن الميزانية، حوالي 59 بالمائة من الميزانية الإجمالية، ولم تكن كافية للاستجابة لجميع طلبات المساعدة أو الاحتياجات المحددة.
ثالثًا- وسائل المفوَّضية السامية لحقوق الإنسان
تعمل مفوَّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على تعزيز التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان، وتحديدًا تنسيق النشاطات، وتحفيز السياسات من خلال جهاز الأمم المتحدة. أما مهامها بهذا الخصوص فتشمل ما يلي:
- تعزيز إقرار الاتفاقيات الدولية والمعايير الأخرى على الصعيد العالمي وتطبيقها، والمساعدة على تطوير معايير جديدة.
← حقوق الإنسان؛ القانون الدولي
- إدارة خدمات المعلومات لبرنامج الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مركز الوثائق والمكتبة، وتحليل السياسات، وتوفير الدراسات والاستشارات بشأن العديد من القضايا التي تشمل ممارسات أجهزة الأمم المتحدة والإجراءات الأساسية الأخرى.
- تعزيز إنشاء البنى الأساسية الوطنية لحقوق الإنسان بما في ذلك ما يندرج ضمن النشاطات والعمليات الميدانية. وهي تقوم بتنفيذ نشاطات وعمليات ميدانية، وتوفير التعليم، وخدمات استشارية معلوماتية، ومساعدة فنية بشأن قضية حقوق الإنسان، بناءً على طلب الحكومات، وإدارة الصناديق الطوعية للبعثات الميدانية لحقوق الإنسان.
- توفير الدعم لآليات تقصِّي الحقائق بشأن حقوق الإنسان (أدناه)، وأيضًا للمقررين الخاصين ومجموعات العمل المكلَّفة بمهام تتعلق بمجال مواضيعي محدَّد أو بحالة بلد معين من قِبَل مجلس حقوق الإنسان (المعروف في ما سبق باسم لجنة حقوق الإنسان) أو الهيئات الأخرى التابعة للأمم المتحدة.
- دعم الأجهزة الدولية لحقوق الإنسان وهيئات مراقبة تطبيق المعاهدات. وهي تقوم بتخطيط اجتماعات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وإعدادها وإدارتها، وتُقدِّم مساعدات فنِّية وجوهرية للاجتماعات العادية والاستثنائية لمجلس حقوق الإنسان، وكذلك لآلية المراجعة الدورية العامة (انظر أدناه).
وفي حالات الطوارئ، تعمل مفوَّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مع الأجهزة المعنية في الأمم المتحدة. وهي تشارك في اللجنة الدائمة المشترَكة بين الوكالات التي يديرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. وتعمل مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية خصِّيصًا لتطوير أساليب ضمن نظام الأمم المتحدة (وتحديدًا ما يتعلَّق بالعمل الإنساني)، وتأخذ باعتبارها قضايا حقوق الإنسان، وخاصة خلال مرحلة بناء السلام بعد انتهاء النزاعات.
رابعًا - لجنة حقوق الإنسان ومجلسها
أنشأ المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة لجنة حقوق الإنسان في عام 1946 عملًا بالمادة 68 منميثاق الأمم المتحدة. وأُسندت مهمَّة تعزيز حقوق الإنسان إلى اللجنة التي لها ولاية على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة سواء صادقت على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أو لم تصادق.
وحينما وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي النظام الأساسي للَّجنة في القرارين 5-1 و9-2 (في 16 شباط/ فبرايرعام 1946 و21 حزيران/ يونية عام 1946) اشتمل على حماية حقوق الإنسان بالإضافة إلى تعزيز مهام اللجنة.
وفي 15 آذار/ مارس عام 2006، وفي إطار إصلاح منظومة الأمم المتحدة، أصدرت الجمعية العامة القرار 60/251 الذي أنشأ مجلس حقوق الإنسان بدلًا من لجنة حقوق الإنسان السابقة. وكان الغرض من هذا الإصلاح هو تعزيز صلاحيات إجراءات الأمم المتحدة في ما يتعلق بحقوق الإنسان وإمكانية التعويل عليها، وفي الوقت نفسه منع تسييس الجهاز الجديد.
1- تشكيل مجلس حقوق الإنسان وهيكله
على خلاف اللجنة التي كانت تابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، فإن مجلس حقوق الإنسان جهاز تابع للجمعية العامة. وأعضاء اللجنة ومجلس حقوق الإنسان ليسوا خبراء مستقلِّين، وإنما دبلوماسيُّون على الرغم من تعديل تصنيفهم.
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي ينتخب 54 دولة عضوًا في اللجنة السابقة. ثُم ترشِّح كلُّ دولة مختارة مَن يمثِّلها بعد التشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة. ويتألَّف المجلس الحالي من 47 دولة عضوًا ينتخبها بشكل مباشر، وبصورة فردية، أغلبية أعضاء الجمعية العامة بالاقتراع السرِّي. وتستند العضوية إلى التوزيع الجغرافي المنصف، ويتم توزيع المقاعد كما يلي بين المجموعات الإقليمية: المجموعة الأفريقية 13، والمجموعة الآسيوية 13، ومجموعة شرق أوروبا 6، ومجموعة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي 8، ومجموعة غرب أوروبا ودول أخرى 7. ويخدم أعضاء المجلس لمدة ثلاث سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابهم مباشرةً عقب فترتين متتاليتين. وأخيرًا يجوز للجمعية العامة بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين وتصويتهم تعطيل حقوق العضوية في المجلس لعضو ارتكب انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان. واستخدم المجلس هذه الصلاحية الجديدة للمرة الأولى في آذار/ مارسعام 2011 حينما علق حقوق عضوية ليبيا في أعقاب انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبها نظام القذافي في حق المحتجِّين المناهضين له، ثم بعد 11 عامًا مع تعليق عضوية الاتحاد الروسي في أعقاب الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان التي ارتكبها الجيش الروسي في أوكرانيا، ولا سيما في بوشا وعشرات المدن والقرى الأخرى. أصبحت روسيا أول عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يتم إلغاء عضويته في هيئة تابعة للأمم المتحدة. كما قررت روسيا الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان بعد التصويت على القرار الذي يصادق على تعليق عضويتها، مما يستبعد إمكانية إعادة عضويتها في المستقبل كما حدث مع ليبيا.
وانسحبت الحكومة الإسرائيلية من مجلس حقوق الإنسان في آذار/مارس 2012. كما انسحبت الحكومة الأمريكية من المجلس في 2018، قبل أن تعود للانضمام إليه في 2021. ثم انسحبت مرة أخرى في شباط/ فبراير 2025.
.وعلى خلاف اللجنة التي كانت تعقد جلسة سنويًّا، فإن مجلس حقوق الإنسان يجتمع بشكل دوري خلال العام، ويعقد ما لا يقل عن ثلاث جلسات كل عام. ويجتمع المجلس في العادة في جلسة لمدة ثلاثة أسابيع في أيار/ مايو وأيلول/ سبتمبر وجلسة لمدة أربعة أسابيع في آذار/ مارس. وفضلًا عن ذلك، فإنه إذا طلب ثلث الدول الأعضاء، فإن المجلس قد يجتمع في جلسات خاصة لمناقشة قضايا حقوق الإنسان التي تتطلب اهتمامًا فوريًّا من المجلس.
وفعل المجلسذلك أكثر من 35 مرة منذ عام 2006، وعلى سبيل المثال في شباط/ فبراير وآب/أغسطس عام 2011 على التوالي لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في الجماهيرية الليبية وإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، أو في أيار/ مايو 2022 لمناقشة تدهور حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا الناجم عن العدوان الروسي، أو في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 بشأن حالة حقوق الإنسان في جمهورية إيران الإسلامية، لا سيما فيما يتعلق بالنساء والأطفال.
وكانت اللجنة السابقة تملك صلاحية إنشاء أجهزة تابعة. وفي عام 1947، أنشأت آلية خبراء استشاريِّين، وهي اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقلِّيات. وفي عام 1999 غيَّر المجلس الاقتصادي والاجتماعي اسم هذه الهيئة إلى اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها. وهذه اللجنة الفرعية التي كانت تتألف من 26 عضوًا حلَّت محلَّها اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التي تتكون من 18 عضوًا ينتخبهم المجلس بالاقتراع السرِّي على أساس التوزيع الجغرافي المنصف (الدول الأفريقية خمسة، والدول الآسيوية خمسة، ودول شرق أوروبا اثنان، ودول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي ثلاثة، ودول غرب أوروبا وأخرى ثلاثة).
وتقوم اللجنة الاستشارية بدور هيئة بحثية لمجلس حقوق الإنسان، وتشارك في دراسة مخاطبات الأفراد في ما يتعلقبانتهاكاتحقوقالإنسان بموجب الإجراءات الخاصة. ومع ذلك، فإنه ليس بوسعها تقديم المشورة في القضايا التي لا تتصلبتفويضالمجلس،وليستلهاصلاحيةتبنِّي قرارات، لكن يمكنها اقتراح توصيات وتقديم مقترحات، وخاصة في ما يتصلبالبحوث.
وبينما تجتمع اللجنة الفرعية مرة واحدة سنويًّا، يمكن للجنة الاستشارية عقد ما يصل إلى جلستين لمدة عشرة أيامِ عملٍ كحدٍّ أقصى سنويًّا. وعقدت اللجنة الاستشارية جلستها الأولى في جنيف في المدة من 4 إلى 15 من آب/ أغسطس عام 2008. وحتى نيسان/أبريل 2023، عقدت اللجنة تسعًا وعشرين جلسة، وعقدت آخر جلسة لها في الفترة من 20 إلى 24 فبراير 2023..
ويجوز للدول الأعضاء والمراقبين، ومنهم دول ليست أعضاء في مجلس حقوق الإنسان، ووكالات متخصِّصة للأمم المتحدة، ومنظمات دولية حكومية أخرى، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، وكذلك منظمات غير حكومية أن تشارك في أعمال اللجنة الاستشارية على أساسٍ مختلف، ومن ذلك قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1996/31 والممارسات السابقة.
☜ وبوسْع كل المنظمات غير الحكومية إحالة مسائل إلى مجلس حقوق الإنسان، ولكن من بين هذه المنظمات لا يجوز المشاركة في اجتماعات المجلس كمراقبين، إلا لمن يعترف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بوضعٍ استشاري لها. ويمكنها أيضًا تقديم عروض مكتوبة وشفوية.
2 - مهام مجلس حقوق الإنسان
تشبه مهام مجلس حقوق الإنسان مهام اللجنة السابقة، وقد استمر العمل بنظام الإجراءات الخاصة. وفضلًا عن ذلك، تم إنشاء إجراءات جديدة.
أ - تعزيز حقوق الإنسان
المهمة الرئيسية للمجلس هي صياغة النصوص القانونية الدولية. وقد أُنشئت اللجنة في الأصل لصياغة مشروع قانون دولي للحقوق، ومن ثَمَّ فهو أصل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهدين الدوليَّين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 1966.
وعمل المجلس بشكل خاص على إمكانية وضع إطار قانوني دولي لتنظيم أنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة ومراقبتها والإشراف عليها. وفضلًا عن ذلك، أعدَّت اللجنة الاستشارية مسوَّدة إعلان الأمم المتحدة للتثقيف والتدريب في ميدان حقوق الإنسان. وأعدَّ المجلس أيضًا بروتوكولًا اختياريًّا لاتفاقية حقوق الطفل ينصُّ على آليةٍ للاتصال من المنظمات غير الحكومية أو الأفراد تكون مُكمِّلة لآلية إبلاغ الدولة بموجب الاتفاقية. وفتح البروتوكول الاختياري للتوقيع في 28 شباط/ فبرايرعام 2012.
ولذلك تشتمل مهمَّة المجلس على إجراء دراسات، وتقديم توصيات، وإعداد مشروعاتِ اتفاقياتٍ لحقوق الإنسان. ويقوم أيضًا بإعداد برامج المساعدات الفنية من خلال تعيين خبراء مستقلِّين لتنفيذ الدراسات القطرية بشأن القضايا القانونية، واقتراح وسائل المساعدة.
ب - حماية حقوق الإنسان
في المدة من عام 1946 إلى 1967 لم تستجب لجنة حقوق الإنسان حقًّا للانتهاكات في هذا المجال، وذلك مرجعه أساسًا افتقارها إلى الآلية لعمل ذلك. وتم توسيع صلاحيات اللجنة في عام 1967 وعام 1970 حينما أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي القرارين 1235 (6 حزيران/ يونية عام 1967) و1503 (27 أيار/ مايوعام 1970) اللذينتضمَّناإنشاءآليَّتين خاصتين (معروفتين باسم هذين القرارين) لدراسة أوضاع حقوق الإنسان. ولم تكن فلسفة اللجنة معاقبة أي دولة، أو محاولة الحصول على تعويض عن الانتهاكات التي تُرتَكب، وإنما ممارسة ضغوط دولية على الحكومات المعنية أثناء فحص أوضاع حقوق الإنسان في بلدانها.
وتم تعديل هاتين الآليَّتين حينما أُنشئ مجلس حقوق الإنسان عام 2006 وأُنشئت آليات جديدة. وفي الواقع أنه بعد عام من اجتماعه الأول في 18 حزيران/ يونية عام 2007 أصدر المجلس ”حزمةَ بناءِ مؤسَّساته“ وهو قرار يشرح صلاحياته، وآلياته، وأجهزة المجلس، وهي: آلية الاستعراض الدوري الشامل، وآلية الإجراءات الخاصة واللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، وآلية إجراءات الشكوى؛ وينصُّ على قواعد عمل المجلس وإجراءاته.
ج - آلية إجراءات الشكوى
كانت الآلية 1503 التي أنشأها القرار 1503 في 27 أيار/ مايو عام 1970 الأساس لإنشاء الآلية الجديدة لإجراءات الشكوى التي أُنشئت بموجب قرار تشكيل المجلس. ولهذه الآلية الجديدة صلاحيات مماثلة للآلية السابقة، وهي النظر في المخاطبات التي تكشف عن أنماط ثابتة من الانتهاكات الجسيمة لكل حقوق الإنسان والحرِّيات الأساسية.
ولمعالجة تلك المزاعم عن انتهاكات حقوق الإنسان أُنشئ فريقا عمل، وهما فريق عمل المخاطبات وفريق عمل الأوضاع، ومهمتهما دراسة المخاطبات، وإبلاغ المجلس بالأنماط الثابتة من الانتهاكات الجسيمة، والتحقق من صحَّة انتهاكات حقوق الإنسان والحرِّيات الأساسية.
وتختار اللجنة الاستشارية الفريق العامل المعني بالبلاغات من بين أعضائها لمدة ثلاث سنوات، ويتألف من خمسة خبراء مستقلين يمثِّلون التوزيع الجغرافي للمجموعات الإقليمية الخمس. ويجتمع فريق العمل مرَّتين سنويًّا لمدة خمسة أيام عمل لتقييم مقبولية استحقاق بلاغ ومداه. وفي الواقع فإنه لقَبول بلاغٍ ما، يجب تلبية بعض المعايير:
- يجب ألَّا تكون له دوافع سياسية،
- يجب ألَّا يأتي من مجهول، أو ينطوي على إساءة،
- يجب اللجوء إلى كل الوسائل المتاحة على المستوى الوطني واستنفادها،
- يجب ألَّا يكون الوضع محل الشكوى تجري معالجته وَفقًا لإجراءات دولية أخرى.
وعند تقييم مقبولية شكوى ما، يتم تقديم المعلومات إلى الدولة المعنية من دون الكشف عن صاحبها لتمكين هذه الدولة من الردِّ عليها. وهذه السرِّية بالغة الأهمية لحماية سلامة الضحايا وكاتب الشكوى. ولكن ليس ذلك ضمانًا مطلقًا بعدم الكشف عن هوية مقدم الشكوى.
كل البلاغات والتوصيات المقبولة التي تأتي في معظمها من منظمات غير حكومية تُنقَل بعد ذلك إلى الفريق العامل المَعني بالحالات.
ويتألَّف الفريق العامل المعني بالحالات من خمسة أعضاء يتم تعيينهم من بين الدول الأعضاء في المجلس لمدة عام واحد. ويجتمع الفريق مرَّتين سنويًّا لمدة خمسة أيامِ عملٍ لدراسة البلاغات التي يُحيلها إليه الفريق العامل المَعني بالبلاغات، ومن ذلك ردود الدول المعنية، وكذلك الحالات التي راجعها المجلس بالفعل بموجب آلية إجراءات الشكوى. وعلى أساس المعلومات والتوصيات التي يقدِّمها الفريق العامل المَعني بالبلاغات، يُقدِّم الفريق العامل المعني بالحالات إلى المجلس تقريرًا عن الأنماط الثابتة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تم التحقُّق منها، ويرفع توصيات إلى المجلس بشأن الإجراء الذي يمكن اتخاذه.
وبعد ذلك، يتخذ المجلس قرارات في ما يتصلبكلوضعأحيلإليه. ويمكن للمجلس أن يختار من بين الاختيارات الأربعة التالية: (1) إيقاف مراجعة الوضع المذكور؛ أو (2) إبقاء هذا الوضع قيد المراجعة ومطالبة الدولة المعنية بتقديم مزيد من المعلومات؛ أو (3) تعيين خبير مستقل لمتابعة الوضع وتقديم تقرير في ذلك إلى المجلس؛ أو (4) إذا أبدت الدولة الافتقار إلى حسن النية وكانت الانتهاكات خطيرة، فللمجلس أن يكشف عن ذلك الوضع علانية.
البلاغات بموجب هذه الآلية يجوز أن يقدِّمها أفراد أو جماعات على العنوان التالي: cp@ohchr.orgأو إلى أي مكتب قطري أو إقليمي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
د - آلية الاستعراض الدوري الشامل
من بين التغييرات الرئيسية إنشاء آلية الاستعراض الدوري الشامل، وهي آليةٌ للتقييم على أساس كل أربع سنوات لأوضاعِ حقوقِ الإنسان في كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها 193 دولة.
وآلية الاستعراض الدوري الشامل هي عملية تُحرِّكها الدولة، وتتيح للدول فرصةً للكشف عن الإجراءات والخطوات التشريعية التي تتخذها لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في بلدانها، وللوفاء بالتزامات حقوق الإنسان.
وكل أربع سنوات تجري مراجعة أوضاع حقوق الإنسان في كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والدول التي تتمتع بوضع مراقب؛ ويتقرَّر ترتيب الدول على أساس التوزيع الجغرافي المنصف.
ويستند استعراض كل دولة إلى عدة وثائق:
- المعلومات التي أعدَّتها الدولة المعنية، وفي العادة تكون في شكل تقرير وطني.
- تجميع أعدَّه مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان للمعلومات التي وردت في تقارير أجهزة الاتفاقية (لجنة الخبراء)، والإجراءات الخاصة (المقرِّرين الخاصين وفرق العمل)، بما في ذلك الملاحظات والتعليقات التي تقدِّمها الدولة المعنية وغيرها من وثائق الأمم المتحدة ذات الصلة ولا سيما من اليونيسيف.
- أي معلومات إضافية موثوق بها ويُعوَّل عليها تقدِّمها جهات أخرى ذات صلة: منظَّمات دولية أخرى، أو منظَّمات غير حكومية، أو مؤسَّسات وطنية لحقوق الإنسان، وما شابه ذلك.
ويُجرِي الاستعراض فريق عمل يرأسه رئيس المجلس، وفي حضور الدول السبع والأربعين الأعضاء في المجلس. وتُحدِّد كل دولة عضو تشكيلَ وفدها، ويساعدها مجموعة من ثلاث دول تُعرف باسم «الثلاثي» تقوم بدور مقرِّرين. ويتم اختيار الدول الثلاث لكل دولة من خلال إجراء قُرعة في أعقاب الانتخابات الخاصة بعضوية المجلس في الجمعية العامة. وكل الدول، حتى الدول التي تتمتع بوضع مراقب، يمكنها المشاركة في المراجعة، بما في ذلك في الحوار التفاعلي الذي يجري بعد كشف الدول قَيْدَ الاستعراض عن تقريرها. ويجوز أن يحضر الاستعراض أيضًا مراقبون آخَرون، مثل المنظمات الدولية، أو المنظمات غير الحكومية. وتكون مدة الاستعراض تقريبًا ثلاث ساعات لكل بلد. وفي نهاية المطاف، يتبنَّى المجلس نتيجة الاستعراض، وهي تقرير يتكوَّن من ملخَّصٍ لإجراءات عملية الاستعراض، والنتائج، والتوصيات، والتعهُّدات الطوعية للدولة المعنية. وهذه النتيجة، بوصْفها آلية تعاونية، يجب أن تنفذَّها في الأساس الدولة المعنية، وكذلك ـ إذا اقتضت الضرورةـ الجهات الأخرى ذات الصلة، على الرغم من أن الدول تحجم أحيانًا عن تنفيذ التوصيات.
هـ - التحقيقات الدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني
على مر السنين، أنشأت منظومة الأمم المتحدة العديد من لجان التحقيق الدولية وبعثات تقصي الحقائق وكلفتها بالتحقيق في حالات محل خلاف تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
ويُعد التوصل إلى الحقائق على الصعيد الدولي وبشكل مستقل بالفعل الخطوة الأولى نحو إدارة دبلوماسية أو قضائية للحالات شديدة الاستقطاب.
بالإضافة إلى مختلف الإجراءات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان، مثل عمل المقررين الخاصين، يتم استخدام آليات التحقيق بشكل متزايد داخل الأمم المتحدة للاستجابة لحالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الدولية والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تلك التي تمثل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين. وتعتبر هذه الآليات الآن أداة أساسية في استجابة الأمم المتحدة لمثل هذه الانتهاكات، لا سيما في تعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب. وقد أنشأت هذه الآليات الدولية للتحقيق هيئات مختلفة تابعة للأمم المتحدة، مثل مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان (وسابقته لجنة حقوق الإنسان) والأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان.
على سبيل المثال، استخدم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سلطته (بموجب المادة 34 من ميثاق الأمم المتحدة) للتحقيق في أي نزاع أو أي حالة من شأنها أن تعرض السلام والأمن الدوليين للخطر، لإطلاق تحقيق دولي في انتهاكات القانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة في 1992-1994 (S/RES/780 (1992))، وفي رواندا في عام 1994 (S/RES/935(1994))، وفي دارفور في عام 2004 (S/RES/1564 (2004)) . كما دعم مجلس الأمن عملية التحقيق التي أجراها الأمين العام للأمم المتحدة، مثل فريق التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 1998 (S/1998/581) وفريق الخبراء المعني بالمساءلة في سري لانكا في عام 2010 بموجب إعلان الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ 22 حزيران/يونيه 2010 (SG/SM/12967). وفي حالات مثل سورية، حيث تمت عرقلة عمل مجلس الأمن الدولي بسبب حق النقض الذي استخدمه أحد الأعضاء الدائمين، استخدمت الجمعية العامة للأمم المتحدة سلطتها بموجب المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة لإطلاق آلية تحقيق دولية نزيهة ومستقلة في عام 2016 (A/71/248) . وتكمل هذه العملية اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في عام 2011 (لا تزال مستمرة بموجب ولاية مجلس حقوق الإنسان).
منذ إنشائها في عام 2006، كلفت لجنة حقوق الإنسان 37 آلية تحقيق مباشرة، بما في ذلك بعثات تقصي الحقائق ولجان التحقيق، وساهمت في إنشاء المزيد. وقد أنشئت معظم هذه الآليات للتحقيق في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في بلدان معينة، باستثناء آلية واحدة ذات طابع مواضيعي (الآلية الدولية للخبراء المستقلين المعنية بالنهوض بالعدالة والمساواة العرقيتين في سياق إنفاذ القانون). وتقوم هذه الآليات بجمع المعلومات والتحقق منها، وإنشاء سجل تاريخي للأحداث، وتحديد الجناة المزعومين، وتوفير أساس لمزيد من التحقيقات أو الملاحقة القضائية أمام المحاكم الدولية أو الوطنية. كما توصي باتخاذ تدابير لجبر الضرر الناجم عن الانتهاكات، وتوفير العدالة والتعويض للضحايا، ومحاسبة الجناة.
واستنادًا إلى هذه الخبرة الواسعة، قامت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أيضًا بوضع وتوفير إرشادات بشأن المنهجية والمعايير الدولية لهذه الهيئات التحقيقية، وتضطلع بدور الوديع الاضطلاع بدور وديع ذاكرة عمل المنظمة المؤسسية.
وبداية من نيسان/ أبريل 2023، كان مجلس حقوق الإنسان يدير إحدى عشرة آلية تحقيق:
- البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن جمهورية إيران الإسلامية؛
- فريق خبراء حقوق الإنسان المعني بنيكاراغوا؛
- اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن أوكرانيا؛
- اللجنة الدولية لخبراء حقوق الإنسان المعنية بإثيوبيا؛
- لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل؛
- بعثة تقصي الحقائق المستقلة بشأن ليبيا؛
- بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن جمهورية فنزويلا البوليفارية؛
- آلية التحقيق المستقلة لميانمار؛
- فريق الخبراء الدولي بشأن جمهورية الكونغو الديمقراطية؛
- لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان؛
- لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية.
كما أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة آليات تحقيق أخرى في الفترة من 1985 إلى 2021، أو أنشأتها الجمعية العامة في حالات تعرض فيها مجلس الأمن لعرقلة من قبل الأعضاء الدائمين باستخدام حق النقض، كما حدث في عام 2016 مع الآلية الدولية المحايدة المستقلة للمساعدة في التحقيق في الجرائم المرتكبة في سورية؛ وأنشأ الأمين العام للأمم المتحدة في عام 1987 آليته للتحقيق في الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
← قائمة الدول الأطراف في اتّفاقيّات القانون الدوليّ الإنسانيّ وحقوق الإنسان (رقم 17 إلى 21)
انظر أيضَا :← طفل؛ اللجنة المعنية بحقوق الإنسان؛ لجنة مناهضة التعذيب؛ لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضدَّ المرأة؛ لجنة القضاء على التمييز العنصري؛ لجنة حقوق الطفل؛ تمييز؛ حقوق الإنسان؛ المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة؛ الأفراد في اللجوء إلى القضاء؛ الأمم المتحدة؛ نظام عام؛ رفاهية؛
✐للاتصال:
Office of the High Commissioner for Human Rights (OHCHR)
Palais Wilson
52 rue des Pâquis
1201 Geneva, Switzerland
Tel.: (41) 22 917 92 2020
EmailEmail: InfoDesk@ohchr.org
📖 لمزيد من المعلومات:
Bassiouni, M. Cherif, and William A. Schabas.New Challenges for the UN Human Rights Machinery.Cambridge: Intersentia, 2011.
Mertus, Julie, The United Nations and Human Rights: A Guide for a New Era, 2nd ed. London: Routledge, 2009.
OHCHR, Commissions of Inquiry and Fact-finding missions on international human rights and humanitarian law: Guidance and practice, 2015, Geneva. Available at https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/CoI_Guidance_and_Practice.pdf
Ramcharan, Bertrand, The United Nations High Commissioner for Human Rights and International Humanitarian Law, Program on Humanitarian Policy and Conflict Research. Cambridge, MA: Harvard University, 2005. Available at http://www.hpcr.org/pdfs/OccasionalPaper3.pdf.
Sweeney, Caroline, “The United Nations Human Rights Council at 16: a creature of compromise or a compromised creature?”, The International Journal of Human Rights, Vol. 27, Issue 1, 2023, pages 74-116.
UNHRC, Human Rights Council-mandated Investigative Bodies, 2023. Available at https://www.ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/list-hrc-mandat
UNSC, Practices, Procedures and Working Methods: Repertoire of Security Council Practice, Subsidiary Organs: Overview, 2023. Available at https://www.un.org/securitycouncil/content/repertoire/commissions-and-investigative-bodies



