القاموس العملي للقانون الإنساني

« الخطأ في تسمية الأشياء يزيد من بؤس العالم » Albert Camus.

COOKIE_INFO_HEADER

COOKIE_INFO_OK COOKIE_INFO_PARA

مسؤولية

يعتبر مفهوم المسؤولية جزءًا أساسيًا من تنفيذ واحترام القانون. وغالبًا ما يرتبط حقّ ما بالتزام متبادل. وفي حال انتهاك هذا الالتزام، يمكن تحميل الشخص الذي ارتكب مثل هذا العمل المسؤولية المدنية أو الجنائية. وغالبًا ما تكون المسؤولية فردية، ولاسيما في القانون الجنائي الدولي. ويستفيد ممثلو الدول من الحصانة القضائية باستثناء مسائل تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وينطبق نمط خاص من المسؤولية على الدول في حالة انتهاك التزاماتها الدولية تجاه دولة أخرى. ومما يسبب مسؤولية الدولة أفعال وكلائها وخاصة قواتها المسلحة وكذلك الأفراد والجماعات الذين يقومون بأفعال في الواقع تحت سيطرتها الفعلية (انظر أدناه). ومحكمة العدل الدولية هي المختصة بفحص هذه الأوضاع وإلزام الدول بدفع تعويضات.

ويعتمد احترام حقوق الإنسان أيضًا على مسؤولية الدول. وقد عززه عدد من الأدوات التي تسمح بحالات مختلفة من حالات لجوء الأفراد إلى القضاء، سواء كان ذلك إلى سلطة قضائية أم غير قضائية، من خلال مؤسسات وطنية ودولية مختلفة. وينبغي عدم الخلط بين مسؤولية الدول عن انتهاك حقوق الإنسان، والتي ما زالت في مرحلة بدائية، وبين المسؤولية الجنائية الفردية أو مسؤولية الدول في العلاقات التقليدية بين الدول.

← حقوق الإنسان؛ حصانة؛ لجوء الأفراد إلى المحاكم.

ومن ناحية أخرى يستند احترام القانون الإنساني على تحديد التزامات معينة تتحمل الدول (1) والقادة (2) والمقاتلون (3) المسؤولية تجاهها. ويحدد القانون الدولي الإنساني بدقة ويؤكد على المسؤولية الجنائية للجهات الفاعلة على مختلف المستويات والمشاركة في النزاع المسلح. وفي حال الانتهاكات الصارخة للقانون الإنساني، ينصّ القانون على وسائل التقويم التي يمكن استخدامها، والتي يمكن أن تتضمن المقاضاة أمام المحاكم الجنائية الدولية

ولا ينصّ القانون الدولي الإنساني على التزامات تخصّ المنظمات الإنسانية بشأن المسؤولية الجنائية والعقوبات. إلّا أنه يحدّد مسؤولياتها في احترام القانون الإنساني ضمن سياق أعمال الإغاثة التي تقوم بها. ويدخل مسؤولياتها بصفتها شاهدًا عندما تواجه جرائم كبرى أو عملًا قسريًّا يُرتكب ضدّ السكان الذين تتحمل المسؤولية تجاههم (4). وأوضحت الأحكام التي أصدرتها محكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية الدولية المعيار التأسيسي للمسؤولية (انظر أدناه).

← مبادئ إنسانية؛ لجوء الأفراد إلى المحاكم؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛ عقوبات جزائية في القانون الإنساني؛ احترام القانون الإنساني؛ جرائم حرب/ جرائم ضدّ الإنسانية.

أولًا مسؤولية الدول في ظل القانون الدولي الإنساني

ينص القانون الدولي الإنساني على عديد من الالتزامات التي تنشئ المسؤولية الدولية للدول في حالة الانتهاكات. وتختلف هذه المسؤولية عن المسؤولية الفردية لوكلاء الدولة حتى لو كانوا يعملون بأوامر.

ويمكن عرض مسؤولية الدول عن عدم احترام الالتزامات الواردة في القانون الدولي الإنساني على محكمة العدل الدولية من جانب حكومات أخرى لحقت بها أضرار فيما يتعلق بهذه الانتهاكات ويمكن أن تسفر عن دفع تعويضات. ويمكن أن يقع فشل الدول في مقاضاة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية على المستوى الوطني في ظروف معينة في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فاختصاص المحكمة، في الواقع، في وضع معين قد نشأ بتصديق الدولة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حين تكون هذه الدولة غير راغبة أو غير قادرة على مقاضاة الجناة المزعومين (المادة 17 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

تتعهّد الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف “باحترام وضمان احترام اتفاقيات جنيف في كافة الظروف” (اتفاقيات جنيف 1-4 المادة 1، البروتوكول 1 المادّة 80-2). ويتحوّل هذا الالتزام العام إلى عدد من الالتزامات المادية:

—تلتزم الدول بنشر نصّ اتفاقيات القانون الإنساني على أوسع نطاق بين القوات المسلحة والمدنيين (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 47، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 48، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 127، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 144، البروتوكول 1 الموادّ 83-1، و87-2، البروتوكول 2 المادة 19). فعلى سبيل المثال، يجب أن تدرج أحكام ولوائح القانون الإنساني في قوانينها العسكرية والتعليمات الموجهة إلى القوات المسلحة ومدونة الانضباط العسكري، ويجب عليها أن تضمن معرفة قادتها من العسكريين بهذه الأحكام.

—تلتزم السلطات السياسية والعسكرية باتّخاذ كافة التدابير الضرورية لضمان احترام الالتزامات المنصوص عليها في القانون الإنساني (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146، البروتوكول 1 الموادّ 80-1، 86 و87).

—تتعهد الدول بسنّ أي تشريع ضروري لفرض عقوبات جنائية فعالة للأشخاص الذين يرتكبون، أو يأمرون بارتكاب، الانتهاكات الصارخة (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146).

—تلتزم الدول بالبحث عن أشخاص يُزعم أنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب انتهاكات جسيمة وإحالتهم إلى محاكمها (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146 والبروتوكول 1 المادة 86). ويجري ذلك بغض النظر عن جنسية المتهم الذي ربّما يكون أحد أفراد قواتها المسلحة.

—الدول مسؤولة عن جميع الأعمال التي يرتكبها أفراد قواتها المسلحة. علاوة على ذلك، إذا انتهكت دولة ما القانون الإنساني، يجوز تحميلها المسؤولية وإجبارها على دفع تعويضات (البروتوكول 1 المادة 91).

—لا يجوز أن تعفي دولة ما نفسها أو أي دولة أخرى من أي مسؤولية تتحملها بخصوص انتهاكات اتفاقيات جنيف، التي ارتكبت من جانب سلطاتها أو مواطنيها أو باسمها (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 51، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 52، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 131، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 148).

وتقررت هذه الأحكام بالاتفاقيات عن مسؤولية الدولة في دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2005. وتستخلص قواعد القانون الإنساني العرفي الالتزامات التالية فيما يخص أفعال الدول في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية:

—الدولة مسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني المنسوبة إليها، والتي تشمل:

(أ) الانتهاكات المرتكبة من قبل أجهزتها بما في ذلك قواتها المسلحة،

(ب) الانتهاكات المرتكبة من قبل أشخاص أو كيانات فوضتها القيام بقدر من السلطة الحكومية،

(ج) الانتهاكات المرتكبة من قبل أشخاص أو مجموعات تعمل في الواقع بناء على تعليماتها أو تحت إشرافها أو سيطرتها،

(د) الانتهاكات المرتكبة من قبل أشخاص أو مجموعات خاصة والتي تعترف بها الدولة وتتبناها كتصرفات صادرة عنها (القاعدة 149).

—تلتزم الدولة المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني بالتعويض الكامل عن الخسائر أو الأذى الذي تسببت به الانتهاكات (القاعدة 150).

—يجب على الدول أن تحقق في جرائم الحرب التي يزعم ارتكابها من قبل مواطنيها أو قواتها المسلحة أو على أراضيها ومحاكمة المشتبه بهم عند الاقتضاء. ويجب أن تحقق أيضًا في جرائم الحرب الأخرى الداخلة ضمن اختصاصها ومحاكمة المشتبه بهم عند الاقتضاء (القاعدة 158). وأخيرًا، يجب على الدول أن تبذل ما في وسعها للتعاون إلى الحد الممكن مع بعضها البعض لتسهيل التحقيق في جرائم الحرب ومحاكمة المشتبه به (القاعدة 161).

مسؤولية الدول في الفقه القانوني

  1. مسؤولية الدولة عن سلوك وكلائها وأجهزتها

في عديد من القضايا، أيدت محكمة العدل الدولية أن سلوك جهاز دولة ما تنشأ عنه دائمًا مسؤولية تلك الدولة، دون الاضطرار إلى إثبات أن هذه المجموعة تصرفت بأوامر من الدولة أو أنها تجاوزتها.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية أنه “وفقًا لقاعدة راسخة في القانون الدولي، لها طبيعة عرفية، فإن ’سلوك أي جهاز في دولة ما يجب اعتباره عملًا من أعمال تلك الدولة’” (الفارق فيما يتعلق بالحصانة من الإجراءات القانونية لمقرر خاص للجنة حقوق الإنسان، رأي استشاري، تقارير محكمة العدل الدولية 1999 [1]، صفحة 87، فقرة 62، الأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو [جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا]، حكم، تقارير محكمة العدل الدولية 2005، صفحة 168، فقرة 213).

في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا (انظر أعلاه)، أيدت محكمة العدل الدولية أن “سلوك الجنود والضباط الأفراد بقوة الدفاع الشعبية الأوغندية [مجموعة أوغندية داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية] يجب اعتباره سلوك أحد أجهزة الدولة... بمقتضى الوضع العسكري ... ولذلك فإن الرأي القائل إن الأشخاص المعنيين لم يتصرفوا بصفتهم أشخاصًا يمارسون سلطة حكومية في الظروف المعنية لا يقوم على أساس” (فقرة 213). وفي القضية ذاتها، أكدت المحكمة أنه عند نسبة أفعالهم لأوغندا، فسواء أكان جنود قوة الدفاع الشعبية الأوغندية تصرفوا بما يخالف التعليمات المقدمة لهم أم أنهم تجاوزوا سلطتهم فإنه أمر غير ذي صلة. وأكدت المحكمة أنه “وفقًا لقاعدة راسخة ذات طبيعة عرفية، كما هو وارد في المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الرابعة عن احترام القوانين وأعراف الحرب البرية 1907 وكذلك المادة 91 من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف 1949، يكون أحد أطراف نزاع مسلح مسؤولًا عن جميع الأفعال التي يقوم بها الأشخاص الذين يشكلون قواته المسلحة” (فقرة 214).

  1. مسؤولية الدولة عن تصرفات الجماعات المسلحة من غير الدول والتي تعمل تحت سيطرتها

أثيرت مسألة مسؤولية الدولة عن أفعال قامت بها جماعات مسلحة من غير الدول تعمل تحت سيطرتها في ثلاث قضايا رئيسية نظرتها محكمة العدل الدولية: الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)، الأسباب الجوهرية، حكم، تقارير محكمة العدل الدولية 1986، صفحة 14، فقرات 109-116؛ تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود)، حكم، تقارير محكمة العدل الدولية 2007، صفحة 43، فقرات 391-407، والأنشطة العسكرية على أراضي الكونغو (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا)، حكم، تقارير محكمة العدل الدولية 2005، صفحة 168، فقرات 161-165 و213-214 و220 و245 و248-250 و277 و300-301.

توضح هذه القرارات درجة السيطرة الكاملة أو الفعالة أو العامة اللازمة لاعتبار أفعال جماعة مسلحة من غير الدول منسوبة إلى دولة ما.

وفي حالة نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كان على محكمة العدل الدولية أن “تقرر أنه... سواء كانت علاقة الكونترا بحكومة الولايات المتحدة علاقة اعتماد من جانب وسيطرة من الجانب الآخر إلى حد أنه يكون من الصواب المساواة بين الكونترا، لأغراض قانونية، وبين أحد أجهزة حكومة الولايات المتحدة أو بأنها تعمل نيابة عن الحكومة” (الفقرة 109). وأكدت المحكمة أن مشاركة دولة ما في تمويل وتنظيم وتدريب وإمداد وتجهيز جماعة مسلحة من غير الدول لا يكفي لغرض نسبة أفعال أو انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني التي ارتكبتها هذه الجماعة إلى الدولة المعنية (الفقرة 115). وكي يحمّل هذا التصرف الدولة المسؤولية القانونية “يجب مبدئيًا إثبات أن الدولة لديها سيطرة فعلية على العمليات العسكرية أو شبه العسكرية أثناء ارتكاب الانتهاكات المزعومة” (فقرة 115). وهذه السيطرة “الفعلية” تتضمن اعتماد الجماعة الكامل على الدولة، أو أن الدولة أمرت الجماعة بشكل مباشر بارتكاب الأفعال الجنائية المزعومة. وإذا لم يتسن التوصل لهذه الدرجة من السيطرة، تبقى الدولة مسؤولة عن سلوكها هي، وخاصة إذا كانت المساندة للجماعة المسلحة تعتبر غير مشروعة وإذا كانت الدولة على علم بالانتهاكات التي ارتكبتها هذه الجماعة (الفقرة 116).

وفي قضية البوسنة والهرسك ضد الصرب والجبل الأسود، كان على محكمة العدل الدولية أن تحدد ما إذا كانت أفعال الإبادة الجماعية التي ارتكبت خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة من جانب جماعات مسلحة من غير الدول والتي لم تكن أجهزة في الصرب والجبل الأسود يمكن أن تعزى إلى هذه الدولة وتحمّلها مسؤوليتها الدولية بموجب السيطرة التي مارستها على هذه الجماعات. وأعدت المحكمة المبررات التي استخدمتها في قرارها نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وأكدت المحكمة أنه “يجوز المساواة بين الأشخاص أو جماعات الأشخاص أو الهيئات، لأغراض المسؤولية الدولية، بأجهزة الدولة... شريطة أن يكون الأشخاص أو الجماعات أو الهيئات تصرفوا من قبيل ’الاعتماد الكامل’ على الدولة، التي يعتبرون مجرد أدوات لها” (فقرة 392). وأعادت المحكمة إلى الأذهان أن فكرة “الاعتماد الكامل” وغياب الاستقلالية لازمة للمساواة بين أي جماعة مسلحة غير الدولة، فعليًّا، وبين وكيل الدولة، وبالتالي تحميل الدولة المسؤولية عن الأفعال المرتكبة (فقرة 393). وأضافت المحكمة قضية أخرى يمكن تحميل الدولة فيها المسؤولية. ففي حالة عدم وجود معيار “الاعتماد الكامل”، يمكن مع ذلك نسبة أفعال الجماعة المسلحة غير الدولة إلى الدولة المعنية إذا ثبت أنها تصرفت وفقًا لتعليمات الدولة أو تحت “سيطرتها الفعلية” (فقرة 400). وفي قرارها، رفضت محكمة العدل الدولية صحة مفهوم “السيطرة العامة” الذي أعدته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية تاديتش (الفقرات 404-406).

وفي قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، سردت محكمة العدل الدولية قائمة بمختلف المعايير والأشكال لمسؤولية الدولة في حالة ما إذا ساندت دولة ما نشاط جماعات مسلحة من غير الدول من تعمل من أراضيها على أراضي دولة مجاورة. لكنها نفت هذه المسؤولية في حالة إذا كانت الدولة تتغاضى عن تلك الأفعال أو أنها تعجز عن السيطرة على هذه الجماعات. لكن المحكمة أكدت أن جمهورية الكونغو الديمقراطية خالفت واجب اليقظة بالتغاضي عن ثوار معادين لأوغندا يعملون على أرضها (فقرة 300).

ثانيًا مسؤولية القادة في إطار القانون الدولي الإنساني

يأخذ القانون الإنساني في الاعتبار الطبيعة الهرمية للقوات المسلحة والانضباط الذي يفرضه القادة. لذلك يضع التزامات محدّدة على القادة، وفي مواقف معينة، يحملهم المسؤولية الجنائية على المستوى الشخصي لا عن أفعال وتجاوزات ارتكبوها بل أيضًا عن أفعال ارتكبها مرؤوسوهم أو أشخاص تحت سيطرتهم الفعلية.

يجب أن يصاحب مبدأ السلطة دائمًا مبدأ المسؤولية. وتخصّ هذه المسؤولية كلًا من الأعمال وحالات التقاعس.

ويحمل القانون الإنساني القادة المسؤولية الجنائية عندما:

  • —يصدرون لمرؤوسيهم أوامر تنتهك القانون الإنساني.
  • —يسمحون لمرؤوسيهم بارتكاب مثل هذه الانتهاكات.
  • —يفشلون في معاقبة المرؤوسين الذين ينتهكون القانون الإنساني بمبادرة شخصية منهم.
  • —لا يمنعون مثل هذا الانتهاك إذا ما عرفوا به أو توفّرت لديهم معلومات مكنتهم من الاستنتاج بأن مثل هذا الانتهاك كان يرتكب أو سيرتكب (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146، البروتوكول 1 المادة 86-2).

ويجوز تحميل القادة المسؤولية أمام المحاكم الوطنية أو المحاكم الأجنبية (وفقًا لمبدأ الاختصاص العالمي) أو أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفقًا لدراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن القانون الدولي الإنساني العرفي، فإن مسؤولية القادة تطورت إلى القواعد العرفية التالية:

  • القادة والأشخاص الآخرون الأرفع مقامًا مسؤولون جزائيًّا عن جرائم الحرب التي ترتكب بناء على أوامرهم (القاعدة 152).
  • القادة والأشخاص الآخرون الأرفع مقامًا مسؤولون جزائيًّا عن جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا عرفوا، أو كان بوسعهم معرفة أن مرؤوسيهم على وشك أن يرتكبوا أو كانوا يقومون بارتكاب مثل هذه الجرائم ولم يتخذوا كل التدابير اللازمة والمعقولة التي تخولها لهم سلطتهم لمنع ارتكابها أو لمعاقبة الأشخاص المسؤولين عنها إذا ارتكبت مثل هذه الجرائم (القاعدة 153).
  • ويتحمّل القادة كذلك مسؤولية ضمان إدراك أفراد القوات المسلحة الخاضعين لإمرتهم لالتزاماتهم وفق القانون الإنساني (البروتوكول 1 المادة 87-2).

ويعزّز النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عناصر المسؤولية هذه (المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية) ويوسّعها لتشمل الجرائم ضدّ الإنسانية، التي ترتكب وقت السلم أو الحرب، وجرائم الحرب، سواء ارتكبت في نزاع مسلح دولي أو داخلي. ويحمل القانون القادة العسكريين بالإضافة إلى كبار المسؤولين، بمن فيهم المدنيون المسؤولية عن ذلك (المادة 28 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

مسؤولية القادة والرؤساء في الفقه القانوني

بخلاف المعاهدات الدولية والقانون الدولي الإنساني، أوضحت المحاكم الجنائية الدولية شروط المسؤولية الجنائية على مستوى القادة وكذلك الظروف المشددة أو المخففة المرتبطة بهذه الأوضاع.

واشترطت المحاكم الجنائية الدولية إثبات ثلاثة عناصر قبل تحميل شخص ما مسؤولية الرؤساء عن جرائم ارتكبها المرؤوسون:

  • وجود علاقة رئيس ومرؤوس بين المتهم ومرتكب الجريمة الأساسية،
  • معرفة الرئيس بحقيقة أن مرؤوسه ارتكب الجريمة أو على وشك ارتكابها،
  • عدم قيام الرئيس بمنع ارتكاب الجريمة أو معاقبة مرتكبيها.
  1. وجود علاقة مرؤوسية أو سيطرة فعلية/ عامة

يمكن إثبات علاقة المرؤوسية بوجود علاقة تسلسل هرمي رسمية أو غير رسمية، فمن غير اللازم وجود علاقة رسمية بين مرؤوس ورئيس بين المتهم ومرتكب الجريمة. إذ يكفي الدليل على وجود قدر من السلطة من جانب المتهم بما يجبر شخصًا آخر على ارتكاب جريمة باتباع أوامر المتهم (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية سيمانزا، 15 أيار/ مايو 2003، فقرة 401، وقضية رينزاهو، 14 تموز/ يولية 2009، فقرة 738).

ويجوز أن تكون علاقة المرؤوسية مباشرة أو غير مباشرة، قانونية أو فعلية، مدنية أو عسكرية. ما يهم هو إثبات القيادة الفعلية، مع وجود سلطة لمنع ومعاقبة جرائم أشخاص تحت سيطرتهم الفعلية (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية سيليبتشي، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998، الفقرتان 277-278، و20 شباط/ فبراير 2001، فقرة 251؛ قضية بلاسكيتش، 3 آذار/مارس 2000، فقرات 300-302؛ قضية كورديتش وسيركيز، 26 شباط/ فبراير 2001، فقرة 416؛ والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، قضية كايشيما وروزيندانا، 21 أيار/ مايو 1999، فقرات 229-231). وتعتبر المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا أن السيطرة الفعلية يمكن أن تكون فعلية أو قانونية (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية موسيما، 27 كانون الثاني/ يناير 2000، فقرة 141؛ قضية باجيليشيما، 7 حزيران/ يونية 2001، فقرة 39؛ المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية أليكسوفسكي، 25 حزيران/ يونية 1999، فقرة 78؛ وقضية كورديتش وسيركيز، 26 شباط/ فبراير 2001، الفقرتان 415 و416).

ويجب أن تكون للرئيس سيطرة فعلية على المرؤوس وقت ارتكاب الجريمة، وتعني السيطرة الفعلية “القدرة المادية على منع ارتكاب الجريمة أو معاقبة مرتكبيها الرئيسيين” (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، قضية رينزاهو، 14 تموز/ يولية 2009، الفقرتان 744 و745)؛ و(المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية هاليلوفيتش، 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2007، فقرة 59). إن مفهوم السيطرة الفعلية هو الحد الأدنى للوصول إلى إثبات بوجود علاقة رئيس ومرؤوس لغرض تحميل الرئيس المسؤولية. أما ثبوت مشاركة المرؤوس في الجرائم عبر وسطاء (مثلًا، عن طريق أجهزة التحكم عن بعد) فأمر غير ذي صلة مادامت مسؤوليته الجنائية قد ثبتت بما لا يدع مجالًا للشك (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية أوريتش، 3 تموز/ يولية 2008، فقرة 20). ولا يثبت تلقائيًّا من سلطة رئيس لإصدار أوامر أن الرئيس له سيطرة فعلية على مرؤوسيه وإن كانت أحد المؤشرات الواجب مراعاتها عند إثبات السيطرة الفعلية. كما أن اتباع أوامر الرئيس فعليًّا يمكن أن يشير إلى السيطرة الفعلية للرئيس على مرؤوسيه (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية ستروغار، 17 تموز/ يولية 2008، الفقرتان 253 و256).

  1. معرفة الأفعال غير القانونية

لا يُسمح ببقاء الرئيس جاهلًا عن عمد بأفعال مرؤوسيه. فالرئيس الذي يتجاهل معلومات في نطاق سيطرته الفعلية تثبت القيام بارتكاب جرائم، أو بأن ارتكابها وشيك، من جانب مرؤوسيه يرتكب إهمالًا جسيمًا في واجباته يمكن أن يتحمّل عنها مسؤولية جنائية بموجب مبدأ مسؤولية الرؤساء.

ويمكن استخدام السيطرة الفعلية للقائد على مرؤوسيه لإثبات افتراض بأن القائد كانت لديه أسباب لمعرفة الأعمال الجنائية التي ارتكبها مرؤوسوه (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية سيليبتشي، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998، الفقرتان 386 و387).

  1. عدم منع الجريمة أو عدم المعاقبة عليها

إن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية للرؤساء بسبب عدم قيامهم بمنع ارتكاب مرؤوسيهم جرائم أو عدم معاقبتهم عليها هو مبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية ليماي وآخرون، 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005، فقرة 519؛ وقضية هاليلوفيتش، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005، فقرة 55؛ وقضية شتروغار، 31 كانون الثاني/ يناير 2005، فقرة 357). وذكرت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة أن الرئيس يمكن تحميله المسؤولية الجنائية عن قيام مرؤوسيه بالتخطيط لجريمة ما أو التحريض عليها أو الأمر بها أو ارتكابها، أو المساعدة في ارتكاب جريمة أو الحث عليها (قضية أوريتش، 3 تموز/ يولية 2008، فقرة 21). كما أكدت أن مسؤولية الرئيس تشمل جميع أشكال السلوك الإجرامي لمرؤوسيه، لا فيما يتعلق “بارتكاب” الجرائم بالمعنى الضيق للكلمة فحسب، بل أيضًا جميع أشكال المشاركة الأخرى، فتشمل الأفعال التي يقوم بها “مرؤوسوه الذين يسهمون – بوصفهم شركاء في الجريمة – إسهامًا ملموسًا في استكمال الجريمة” ولكنهم لا يرتكبون الجريمة بشكل مادي (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية بلاغوجيفيتش وجوكيتش، 9 أيار/ مايو 2007، فقرات 280-282؛ وقضية وادي لاسفا، 26 شباط/ فبراير 2001، فقرة 401؛ وقضية سيليبتشي، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998، فقرة 346؛ وقضية بلاسكيتش، 3 آذار/ مارس 2003، فقرة 294؛ وقضية أوريتش، 3 تموز/ يولية 2008، فقرة 18؛ وكذلك المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية كايشيما وروزيندانا، 21 أيار/ مايو 1999، فقرات 229-231).

  1. وضع التسلسل الهرمي كظرف مشدد

اعتبرت المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان برواندا ويوغوسلافيا السابقة مسألة وضع التسلسل الهرمي للمتهم ظرفًا مشددًا.

فحقيقة أن المتهم كان يتولى منصبًا وزاريًا رفيعًا وقت ارتكاب الجرائم المذكورة ينفي الظروف المخففة (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية كامباندا، 4 أيلول/ سبتمبر 1998، الفقرتان 61 و62).

حقيقة أن المتهم استغل سلطته ولعب دورًا قياديًا مهمًا في ارتكاب الجرائم (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية روتاغاندا، 6 كانون الأول/ ديسمبر 1998، فقرات 468-470؛ وقضية موسيما، 27 كانون الثاني/ يناير 2000، فقرات 1000-1004؛ وكذلك المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية بلافسيتش، 27 شباط/ فبراير 2003، فقرة 57؛ وقضية سيميتش، 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، فقرة 67؛ وقضية سيكيريسا وآخرين، 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، فقرات 138-139 و172؛ قضية كرستيتش، 2 آب/ أغسطس 2001، فقرة 709؛ وقضية كوراناتش وكوفاتش وفوكوفيتش، 22 شباط/ فبراير 2001، فقرة 863؛ وقضية بلاسكيتش، 3 آذار/ مارس 2000، فقرة 788).

وبخلاف مسألة التسلسل الهرمي والقيادي، أكدت المحاكم الدولية أن ارتكاب جريمة ما أثناء ممارسة وظيفة عامة – مثل رجل الشرطة – يمكن اعتبارها عاملًا مشددًا (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية مرديا، 31 آذار/ مارس 2004، فقرة 51). فليس المهم وضع السلطة وحده، بل هذا الوضع إلى جانب أسلوب ممارسة تلك السلطة؛ فاستغلال وضع الرئيس، على سبيل المثال، يمكن اعتباره عاملًا مشددًا (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة: قضية بلاغوجيفيتش وجوكيتش، 9 أيار/ مايو 2007، فقرة 324؛ والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا: قضية سامبا، 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، فقرة 284).

ثالثًا مسؤولية الأفراد في إطار القانون الدولي الإنساني

يتحمّل كافة الأفراد ممن بلغوا سنّ الرشد القانونية المسؤولية الجنائية الفردية عن أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي يرتكبونها مهما كانت الظروف. ويتحمّل المقاتلون المسؤولية حتى وإن كانوا ينفذون أوامر من هو أعلى منهم رتبة.

الأوامر الصادرة من جهات عليا

يأخذ القانون الدولي الإنساني في الاعتبار أن المقاتلين يتصرفون بصورة عامة ضمن إطار تنظيم أو وحدة هرمية. ولذلك يفرض أولًا مسؤوليات محدّدة على القادة. إلّا أن القول بأن مقاتلًا ما كان يتصرف بموجب أوامر صادرة من جهات عليا لن يحميه من المسؤولية الجنائية الفردية المترتبة على انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني. وعليه يبقى الأفراد مسؤولين جنائيًا على المستوى الشخصي حتى رغم كونهم ينفذون الأوامر. وهكذا يكون مجرمو الحرب مسؤولين جنائيًا على المستوى الشخصي عن أفعالهم (المادة 3 من اتفاقيّة لاهاي لسنة 1907 الخاصة بقوانين وأعراف الحرب، اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146، البروتوكول 1 الموادّ 75-4- ب، 86، 87). وتؤكد أحكام أصدرتها المحاكم الجنائية الدولية التفسير المقيد للإكراه وأوامر الجهات العليا باعتبارها ظروفًا مخففة فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية (انظر الفقه القانوني).

وينصّ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كذلك على “أن حقيقة ارتكاب جريمة، تقع ضمن سلطة المحكمة، من قبل شخص تنفيذًا لأمر حكومة أو مصدر أعلى، عسكريًا كان أم مدنيًا، لن تعفي ذلك الشخص من المسؤولية الجنائية”. وفي الوقت الذي توجد فيه أسباب لاستثناء المسؤولية الجنائية في حالة جرائم الحرب، ليس هناك استثناءات في حالة الإبادة الجماعية أو الجرائم ضدّ الإنسانية (المادة 33 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

ويحدّد قانون المحكمة الجنائية الدولية بوضوح العناصر التي تشكل المسؤولية الفردية بشأن جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب:

يساءل الشخص جنائيًا ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي:

أ. ارتكاب هذه الجريمة، سواء بصفته الفردية، أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغضّ النظر عما إذا كان ذلك الشخص الآخر مسؤولًا جنائيًا؛

ب. الأمر أو الإغراء بارتكاب، أو الحثّ على ارتكاب، جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها؛

ج. تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها؛

د. المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، على أن تكون هذه المساهمة متعمدة وأن تقدم:

  1. إما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة، إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطويًا على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة؛
  2. أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة؛

ه. في ما يتعلّق بجريمة الإبادة الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية؛

و. الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق اتّخاذ إجراء يبدأ به تنفيذ الجريمة بخطوة ملموسة، ولكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص. ومع ذلك، فالشخص الذي يكفّ عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضة للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تمامًا وبمحض إرادته عن الغرض الإجرامي (المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

وينصّ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أسباب محدّدة معينة لاستثناء المسؤولية الجنائية (الموادّ 26، 30، 31، 33). وعلى سبيل المثال، توفّر هذه الأحكام الحماية للأفراد الذين تقلّ أعمارهم عن سنّ الثامنة عشرة وقت ارتكاب هذه الأعمال، بالإضافة إلى الأفراد الذين عانوا من مرض أو خلل عقلي ضمن سياق الدفاع الشرعي والمتناسب -عن النفس. وتبرر الضرورة والإكراه السلوك حين يكون هناك تهديد بالموت الوشيك أو تهديد بأذى جسدي جسيم، وحين يتصرف الشخص بشكل ضروري ومعقول لتجنب هذا التهديد، ولا ينتوي إلحاق ضرر أكبر مما تجنبه (النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 31-1-د).

فيما يتعلق بجرائم الحرب، ينص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن أي جريمة ارتكبها شخص ما وفقًا لأمر من حكومة ما.

المسؤولية الفردية للمقاتلين في الفقه القانوني

حللت المحاكم الجنائية الدولية الظروف التي يمكن بموجبها تحميل الجناة المسؤولية الجنائية عن جرائم في إطار القانون الدولي.

وهناك اختبار من مرحلتين يجب إجراؤه لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية. ويتطلب هذا الاختبار إثبات ما يلي: (1) المشاركة، بمعنى أن سلوك المتهم أسهم في ارتكاب فعل غير قانوني، و(2) المعرفة أو النية، أي وعي الفاعل بمشاركته في جريمة ما (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية كايشيما وروزيندانا، 21 أيار/ مايو 1999، فقرة 198؛ والمحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية بوسكوسكي وتاركولوفسكي، 19 أيار/ مايو 2010، فقرة 66).

ولا تنشأ المسؤولية الجنائية الفردية “فقط على الأفراد الذين يرتكبون الجريمة ماديًا، بل أيضًا على الأفراد الذين يشاركون في ارتكاب جريمة ما ويسهمون فيها بوسائل أخرى تتراوح من التخطيط الأولي لها إلى تنفيذها، كما يرد في التصنيفات الخمسة للأفعال بهذه المادة: التخطيط أو التحريض أو الأمر أو التنفيذ أو المساعدة والحث” (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية كاموهاندا، 22 كانون الثاني/ يناير 2004، فقرة 588). انظر أيضًا المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية بيسنجيمانا (13 نيسان/ أبريل 2006، فقرة 31)، والمحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية جوكيتش (18 آذار/ مارس 2004، فقرة 56) وقضية سيميتش وآخرين (17 تشرين الأول/ أكتوبر 2003، فقرة 135).

وفيما يتعلق بالمساعدة في ارتكاب جريمة ما أو الحث عليها، “يمكن مناقشة المسؤولية الجنائية الفردية تحت شكلين متميزين للمسؤولية، هما: (1) المساعدة والحث بالموافقة الضمنية والتشجيع الضمني، و(2) المساعدة والحث بالإحجام الكامل” (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية بردانين، 3 نيسان/ أبريل 2007، الفقرتان 273 و274).

ودرست المحاكم الجنائية الدولية كيف يمكن لأوامر الرؤساء أن تؤثر على المسؤولية الجنائية للجناة (عن طريق زيادة هذه المسؤولية أو تخفيفها).

  1. الإكراه وأوامر الرؤساء

لا يتيح الإكراه دفاعًا كاملًا للجندي المتهم بارتكاب جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب تتضمن قتل أبرياء من البشر. وهناك فارق واضح بين الإكراه وواجب طاعة أوامر الرؤساء. فمع الإكراه، يجب أن تكون حياة المتهم في خطر وشيك إذا رفض تنفيذ الأمر. وهناك ثلاثة ظروف أساسية للإكراه كي يصبح مقبولًا كدفاع عن انتهاك القانون الدولي الإنساني، هي: (1) القيام بالفعل لتجنب خطر وشيك جسيم ويتعذر علاجه، و(2) عدم وجود سبل ملائمة للنجاة، و(3) العلاج لم يكن متناسبًا مع الأذى (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية إرديموفيتش، 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1996، فقرة 17).

إن غياب الاختيار الأخلاقي هو أحد المكوّنات الرئيسية لاعتبار الإكراه دفاعًا كاملًا. فالواجب المجرد لطاعة الرؤساء لا يمثل إكراهًا. وفي مواجهة أمر غير قانوني بشكل واضح، فإن الواجب كان العصيان لا الطاعة؛ “فواجب العصيان هذا يمكن فقط أن يتراجع في مواجهة أشد مستويات الإكراه”. ويجب تقييم وجود الإكراه وأوامر الرؤساء في كل حالة على حدة، لأنه “في حين أن الدفاع الكامل المستند إلى الإكراه الأخلاقي و/أو حالة الضرورة الناشئة عن أوامر الرؤساء غير مستبعد تمامًا، فإن ظروف تطبيقه صارمة كثيرًا”. ويجب “دراسة ما إذا كان المتهم في وضعه لم يتسن له واجب العصيان، سواء توفر له الخيار الأخلاقي لفعل ذلك أو لمحاولة فعل ذلك”. وتأكد لاحقًا هذا التعريف المقيد للإكراه (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية مرديا، 31 آذار/ مارس 2004، فقرات 65-67). ورفضت الدائرة الابتدائية الإقرار بأن جوًا من الكراهية والدعاية فقط يمكن أن يخلق إكراهًا. فلربما يكون لهذه الظروف قدر من التأثير على السلوك الإجرامي للمتهم، لكن المحكمة لم تقبل بأنها كانت قوية إلى حد أن المتهم، حتى مع مراعاة سنه وتدني رتبته، لم يكن أمامه بديل سوى المشاركة في مذبحة لحوالي مائتي مدني. إن غياب أي دليل مقنع ذي مغزى بأن المتهم أراد فصل نفسه عن المذبحة وقت وقوعها منعها من قبول الإكراه كظرف مخفف (فقرة 66).

وقد انحصر تعريف الإكراه في الأوضاع الشديدة حيث لا يتوفر أي خيار سوى القتل أو التعرض للقتل (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية إرديموفيتش، 5 آذار/ مارس 1998، فقرة 17). وأوضحت المحكمة أن أوامر الرؤساء لا تُعتبر ظروفًا مخففة إلا إذا كانت الأوامر غير واضحة بأنها غير قانونية. وفي حالة ما إذا كانت الأوامر غير قانونية بشكل واضح، وقبل الاستفادة من الظروف المخففة، يجب أن يثبت المرؤوس أنه عصا الأوامر مما خلق تهديدًا مباشرًا لحياته (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية مرديا، 31 آذار/ مارس 2004، الفقرتان 67 و68).

  1. الظروف المخففة

أقرت المحاكم الجنائية الدولية، إلى جانب الإكراه وأوامر الرؤساء، ظروفًا مخففة أخرى. غير أن خفض العقوبة الناشئ عن تطبيق ظروف مخففة يجب ألا يخفي بأي صورة كانت جسامة الجرم (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية كامباندا، 4 أيلول/ سبتمبر 1998، الفقرات 36-37 و56-58).

في عديد من القضايا، أولت المحاكم اعتبارًا للظروف المخففة التالية:

  • —التعاون الملموس مع الادعاء،
  • —الاستسلام للسلطات،
  • —الاعتراف بأنه مذنب،
  • —إظهار الندم للضحايا وحقيقة أن المتهم لم يكن سلطة قانونية (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية كايشيما وروزيندانا، 21 أيار/ مايو 1999، الحكم، فقرة 20).
  • —يمكن أن تكون الظروف الشخصية للمتهم ذات صلة أيضًا: غياب سجل إجرامي، وطبيعة المتهم، ومساعدة المتهم للضحايا، وحقيقة أن المتهم لم يشارك شخصيًا في عمليات القتل (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية روغيو، 1 حزيران/ يونية 2000، فقرات 53-80).
  • —سلوك المتهم بعد النزاع اُعتبر ظرفًا مخففًا (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية بلاغوجيفيتش وجوكيتش، 9 مايو 2007، فقرات 328، 330، 342، 344).
  • —حقيقة أن المتهم لم يكن مسؤولًا رفيع المستوى في التسلسل الهرمي الحكومي (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية أكايسو، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1998، الحكم، صفحة 8).
  • —ضرورة أن تعكس الأحكام الأهمية النسبية لدور المتهم في السياق الأوسع للنزاع في يوغوسلافيا السابقة: “رغم أن السلوك الإجرامي الذي يشكل الأساس للتهم المدان بارتكابها المستأنف كان شائنًا، فإن مستواه في الهيكل القيادي، عند مقارنته برؤسائه، أي القادة، أو المخططين الفعليين لاستراتيجية التطهير العرقي، كان متدنيًا” (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية تاديتش، 26 كانون الثاني/ يناير 2000، الفقرتان 55 و56).
  1. الظروف المشددة

—يعتبر ضعف الضحايا عاملًا مشددًا في الحكم. ولا يعد الوضع المدني للضحية عنصرًا مساندًا لأوجه ضعف خاصة للضحية، لأنها تمثل بالفعل عنصرًا في الجريمة. غير أن حقيقة أن الضحايا كانوا أشخاصًا نازحين أو محتجزين تمثل عاملًا مشددًا (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية مرديا، 31 آذار/ مارس 2004، الفقرتان 47 و48). انظر أيضًا المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية كورديتش وتشيركيز، الحكم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2004، الفقرة 1088؛ وقضية بلاسكيتش، الحكم، 3 آذار/ مارس 2000، فقرة 786؛ وقضية كوناراتش، الحكم، 22 شباط/ فبراير 2001، فقرة 864 (صغر سن الضحايا).

—تبعات الجرائم على الضحايا، وبخاصة المعاناة الشديدة، تعتبر عاملًا مشددًا (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية مرديا، 31 آذار/ مارس 2004، فقرة 56).

—عدد الضحايا وحجم الجريمة يمكن أن يكونا من العوامل المشددة (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية كوناراتش، الحكم، 22 شباط/ فبراير 2001، فقرة 866؛ قضية ستاكيتش، الحكم، 31 تموز/ يوليو 2003، فقرة 907؛ وقضية إرديموفيتش، الحكم، 5 آذار/ مارس 1998، فقرة 15).

—إساءة استغلال السلطة من الظروف المشددة (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية تاديتش، الحكم، 15 تموز/ يوليو 1999، فقرة 55؛ وقضية كرستيتش، الحكم، 2 آب/ أغسطس 2001، فقرة 709).

—الحماس والسادية من العوامل التي تعتبر، عند الاقتضاء، مشددة (المحكمة الجنائية الدولية المختصة برواندا، قضية سيمبان، الحكم، 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، فقرة 320؛ وقضية موفونيا، الحكم، 11 شباط/ فبراير 2010، فقرة 145).

—التعمد يمكن أيضًا أن يعتبر عاملًا مشددًا (المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة، قضية كرسيتش، الحكم، 2 آب/ أغسطس 2001، فقرة 711).

رابعًامسؤولية المنظمات الإنسانية ومنظمات الإغاثة

يعتمد تنفيذ القانون الدولي الإنساني على احترام المتقاتلين لالتزامات خاصة، لا سيما ما يتعلق منها بحماية المدنيين وقت النزاع، لكن أيضًا احترام عمل المنظمات الإنسانية. وأنشأ القانون الدولي الإنساني آليات العقوبات الجنائية التي تحدّدها اتفاقيات جنيف لانتهاكات هذه الالتزامات. ولذلك فمن المهم ملاحظة أن القانون الإنساني مبتكر في هذا المجال، حيث إن الأساس الذي يثبت عليه المسؤولية الفردية للمرؤوسين والقادة هو إن كانت الأوامر التي تمّ تنفيذها شرعية أم لا. وقد أثبت القانون إبداعه في التأكيد عام 1949 على مبدأ الاختصاص العالمي، الذي يتضمن إمكانية امتلاك محاكم أي دولة سلطة قضائية على قضايا الانتهاكات الصارخة (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية).

إلا أن تطبيق القانون الإنساني يستند أساسًا على آليات منع الجريمة والتخفيف من العنف، وهامشيًا فقط على آليات العقاب. ففي حالات النزاع المسلح، يسعى القانون الإنساني أولًا وقبل كل شيء إلى الحيلولة دون جعل المدنيين هدفًا للهجمات المباشرة أو أنواع العنف الأخرى أو أن يكونوا خاضعين لظروف عيش تؤدي إلى وفاة معظم الأشخاص الأكثر ضعفًا. وأول اهتمامات القانون الإنساني هي الحد من تبعات العنف، وليس الاعتماد على عدالة ما بعد الموت. ولهذا السبب منحت اتفاقيات جنيف والبروتوكولان الإضافيان لها دورًا أساسيًا وحقوقًا معينة إلى المنظمات الإنسانية المحايدة. ومُنحت حق المبادرة الإنسانية للتفاوض على أنشطة الإغاثة وتنفيذها فيما يتعلق بضحايا حقوق النزاع والمبادئ الإنسانية. ويؤكد القانون الدولي الإنساني بفعالية أن للمنظمات الإنسانية غير المنحازة الحقّ (من بين أشياء أخرى) في:

—توفير المساعدة لأطراف النزاع، في أي وقت، دون أن يفسر ذلك على أنه تدخل في الشؤون الداخلية للدولة المعنية؛

  • —التحقق من عدم معاناة السكان من الضائقة بسبب ندرة التجهيزات الأساسية الضرورية لحياتهم مثل الغذاء والإمدادات الطبية؛
  • —القيام بأعمال إغاثة لصالح السكان عندما يعانون من نقص حادّ في التجهيزات الأساسية ومراقبة توزيعها على السكان الأكثر تضررًا؛
  • —جمع الجرحى والمرضى والعناية بهم والتأكد من أن معالجتهم تلتزم بأخلاقيات مهنة الطب ولا تشمل أي شكل من أشكال التمييز السلبي؛
  • —تضمن حصول الأشخاص النازحين أو المحتجزين نتيجة نزاع ما على الحماية والمساعدة التي يستحقونها؛
  • —تقديم المساعدة لكافة فئات الأشخاص المحميين بما يتفق والحقوق وضمانات الحماية التي يمنحها القانون الإنساني.

يعد عمل المنظمات الإنسانية المحايدة مؤشرًا مهمًا لرغبة وقدرات المتقاتلين لتوفير المساعدة للمنظمات الإنسانية والإذن لها بأن تقوم بذلك. ولذلك تلعب المنظمات الإنسانية دورًا أساسيًا بالتفاوض على وصيانة التوازن بين حقوق الإغاثة والحقوق المعينة المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي لكل فئة من فئات الأشخاص المحميين. ويمثل هذا الإطار والمعايير الواردة في القانون الإنساني الدولي لحماية ضحايا النزاعات المسلحة. ولا يعتمد واجب الحماية هذا على أطراف النزاع فحسب بل أيضًا على اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفوضة رسميًّا باتفاقيات جنيف وكذلك اتحاد المنظمات الإنسانية المحايدة.

← مساعدة؛أشخاص محميون؛ الدول الحامية؛ حماية.

ولا تفرض اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لها لعام 1977 التزامات قانونية متشددة على المنظمات الإنسانية التي يمكن أن تخضعها لعقوبات جزائية. ولكن من غير المتصور أن الحقوق الممنوحة لها لا تنشئ، مقابل ذلك، مسؤوليات محدّدة على مثل هذه المنظمات.

وتقع هذه المسؤولية بصورة عامة في فئتين: مسؤولية بصفتها أطرافًا فاعلة تنهض بأنشطة إغاثة (1)، ومسؤولية كونها شاهدًا محتملًا على جرائم ترتكب ضدّ السكان(2).

1 بصفتها أطرافًا فاعلة تنهض بأنشطة إغاثة

يحدّد القانون الإنساني قواعد معينة تحكم مساعدة وحماية المدنيين في أوقات النزاع، وتتحمل المنظمات الإنسانية في مثل هذه الأوضاع مسؤولية التفاوض على ظروف عملها مع المتحاربين، ويجب أن تتلاءم هذه الظروف مع الضمانات التي ينصّ عليها القانون الإنساني. وتتحمّل المنظمات الإنسانية كذلك مسؤولية الإبلاغ عن درجة نجاحها في ضمان المساعدة الفعالة لحماية وسلامة السكان المعنيين أو منعها من القيام بذلك، ولا تقتصر هذه المسؤولية على مجرد ممارسة الرقابة المالية السليمة على استخدام الأموال الخاصة أو المؤسسية المخصصة لها للمعونات الإنسانية. وهي تختلف أيضًا عن أنشطة حماية حقوق الإنسان ولذلك فليس بوسع منظمات الإغاثة نقل مسؤولياتها إلى منظمات حقوق الإنسان باسم تقسيم واستكمال أعمال الإغاثة والإدانة.

ويمكن تصنيف مسؤوليتها إلى عدة فئات:

  • —عليها أن تتفاوض بشأن ظروف عملها مع السلطات بما يتفق والضمانات التي ينصّ عليها القانون الإنساني لإعانة السكان بشكل عام ومعظم المستضعفين بشكل خاص.
  • —تتحمّل مسؤولية تحديد أي عوائق والإبلاغ عنها والمحظورات المفروضة على أنشطة الإغاثة والتي ستؤثر سلبًا على معظم المستضعفين. ويجب أن تنفذ أنشطتها على المستويات المحلية والوطنية والدولية، وهذا أمر مهمّ لأن ذلك يجذب الانتباه إلى المخاطر التي يظلّ سكان معينون أو فئة معينة عرضة لها، رغم وجود المنظمات الإنسانية وبغض النظر عن حجم المساعدة المقدمة. ومن أدوار منظمات الإغاثة تمكين السلطات المشاركة بشكل مباشر والتي لا تستطيع الزعم لاحقًا أنها لم تكن تعلم.
  • —تتحمّل المسؤولية عن إدانة المواقف التي يجري فيها تحويل أنشطة المساعدة عن أهدافها أو تستخدم لتعريض السكان المراد حمايتهم إلى الخطر. وهذه ليست سيناريوهات نظرية، فهناك العديد من الأمثلة التاريخية والمعاصرة لاستخدام وجود المنظمات الإنسانية وأنشطتها ضدّ السكان الذين تحاول مساعدتهم. فعلى سبيل المثال، تكون هذه هي الحال عندما تُستخدم المنظمات الإنسانية لتحديد ومهاجمة الأماكن التي يتجمّع فيها الأفراد المعرضون للخطر أو عندما يستخدم توزيع المساعدة لجمع السكان الذين ستتمّ مهاجمتهم أو تصنيفهم أو تشريدهم فيما بعد بالقوة. وأحيانًا، يقوم طرف من أطراف النزاع بحرمان السكان من التجهيزات الأساسية من أجل استقطاب المساعدات وتحويلها عن أهدافها، وأخيرًا، تفوض منظمات الإغاثة أحيانًا بتوفير المساعدة المادية من أجل تهيئة أجواء طبيعية في الأماكن التي يكون فيها السكان عرضة للعنف المميت والأعمال القسرية رغم المساعدة.

ومن الضروري، في مثل هذه الأوضاع، أن تكون منظمات الإغاثة قادرة على تحليل الطبيعة الحقيقية لأعمالها، ولا يجوز أن تتغاضى عن أوضاع يتواصل فيها تعريض حياة السكان وسلامتهم للخطر رغم توزيع المساعدة. بل ينبغي لها أن تقيّم وجودها وعملها لاستثارة مسؤولية الأطراف المسلحة تجاه الضحايا والاحتياجات الإنسانية.

ولا يزال العديد من المنظمات الإنسانية في مرحلة البدايات المبكرة عندما نأخذ مسؤوليتها في الاعتبار. وفي كثير من الأحيان، يتمّ التطرّق إلى هذه المسؤوليات من خلال مناقشات عامة تتعلّق بالمآزق الأخلاقية التي يواجهها العمل الإنساني أو للتقسيم المزعوم للعمل بين المنظمات التي تركز على العمل وبين تلك التي تركز على المعلومات والدعوة. ومن المعالم المهمة “المعايير المهنية الخاصة بأنشطة الحماية” المنشورة عام 2010 والتي شاركت في صياغتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجموعة من الخبراء من المنظمات الدولية وغير الحكومية. وتصنف هذه المعايير المخاطر التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أوجه ضعف الضحايا أو إضعاف حقوقهم. ويجب مراعاتها عند تخطيط الأنشطة وتقييمها داخل كل منظمة وأن تكون محل شفافية أكبر أمام الجمهور. وتكمل المعايير قواعد السلوك التي صاغها في التسعينيات الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر والتي تحدد المبادئ الإنسانية المقبولة لمنظمات الإغاثة.

← مبادئ إنسانية؛ حماية

السوابق القضائية

تم تسليط الضوء على التفاعل بين أنشطة المساعدة الإنسانية والأنشطة الإجرامية في قضيتين نظرتهما المحكمة الجنائية الدولية المختصة بيوغوسلافيا السابقة. ففي قضية ستاكيتش (20 آذار/ مارس 2006، فقرة 286)، رأت دائرة الاستئناف التابعة للمحكمة أن مشاركة منظمة غير حكومية في تسهيل النزوح لا تضفي بذاتها وفي ذاتها المشروعية على عملية النقل غير المشروعة. ووفقًا لهذا النهج، رأت دائرة الاستئناف في قضية سيميتش (28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، فقرة 180) أن وجود ممثلين من قوة الدفاع التابعة للأمم المتحدة ومن اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال بعض التبادلات التي وقعت لا تحوّل عمليات النزوح محل النظر إلى عمليات مشروعة، ولا تؤدي إلى استنتاج أن عمليات النزوح القسري لم تكن بالجسامة التي ترقى إلى مستوى الاضطهاد.

2 مسؤولية كونها شاهدًا محتملًا على جرائم ترتكب ضدّ السكان

من خلال تواجدهم على أرض الميدان، يمكن أن يكون أفراد المنظمات الإنسانية شهودًا مباشرين على الجرائم وأعمال القمع التي ترتكب ضدّ المدنيين في حالة النزاع.

ولا تتحمل المنظمات الإنسانية المسؤولية عن الحماية أو الدفاع عن حقوق الإنسان بصورة عامة أو محاربة الإفلات من العقاب في الجرائم الدولية. إلّا أن مسؤوليتها في إطار القانون الإنساني تغطي الانتهاكات الصارخة. ويجب عليها الإبلاغ عنها للجنة الدولية للصليب الأحمر وأن تحتج لدى الطرف المعني في النزاع مطالبة بوقف هذه الانتهاكات. وعندما تقوم منظمة إنسانية بمثل هذه الإدانة، فإنها لا تقوم بذلك على أسس ودوافع أخلاقية أو قانونية: ذلك أن هدفها هو تأمين التحسين الفوري للظروف من أجل مساعدة وحماية السكان المعرضين للخطر، من خلال إبلاغ ومواجهة السلطات العسكرية والسياسية المسيطرة على الوضع كي تتقيد بالتزاماتها بمواءمة الضرورة العسكرية والإنسانية مع القانون الدولي الإنساني. وتنطلق نوعية ودقة الحوار أو المواجهة التي تحدث بين السلطات المسؤولة عن السكان المعنيين ومنظمات الإغاثة من قدرة المنظمات على إحداث توازن بين التفاوض المباشر والإعلان عن الوضع كملاذ أخير لرفع وعي الجمهور وممارسة ضغوط على المستويين المحلي أو الدولي.

ولا يفرض القانون الإنساني أي التزام بالسرية على اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو المنظمات الإنسانية الأخرى فيما يخص الانتهاكات الجسيمة. غير أن ذلك يحول دون المناظرات السياسية العامة باسم الحياد، ولذلك فمن المهم تبرير الإدانة بمراعاة سلوك طرفي النزاع.

ومع ذلك، فإن الإدانة العلنية للجرائم من جانب المنظمات الإنسانية يثير عديدًا من المشاكل أو العوائق في الميدان.

يقوم العائق الأول على حقيقة أن أي إجراء عام يتخذ بشأن جريمة قد يعرّض سلامة المنظمات الموجودة على أرض الميدان ووجودها وأعمالها للخطر. ولفترة طويلة، تبنّت المنظمات الإنسانية تفسيرًا مطلقًا لمبدأ الحياد الخاص بحلّ مثل هذه المشاكل. ويحظر مبدأ الحياد على المنظمات اتّخاذ موقف في مواجهة المتحاربين وأساليب حربهم. ولكن وفي حالة جرائم الإبادة الجماعية وأعمال الإبادة، مثلًا، لم تعد الآراء التي تفضل ضمان مواصلة أعمال الإغاثة للسكان بدلًا من المخاطرة بتعريض عمليات المساعدة إلى الخطر، تعني شيئًا. ولا يشكل الصمت سياسة للمنظمات الإنسانية، إذ قد تسمح سلطة ما بأنشطة إنسانية لتغطي على الجرائم التي ترتكب ضدّ جزء من السكان أو كلهم. ومن المحتمل كذلك أن تكون سلطة معينة مسؤولة عن تنظيم المعاناة والحرمان الذي يعانيه السكان عن عمد بهدف استقطاب المساعدة ومن ثم تحويلها عن وجهتها الصحيحة. ويتسبّب هذا السلوك في تحدّي مسؤولية وممارسات المنظمات الإنسانية.

ولذلك يجب النظر إلى الحياد من منظور الميدان وتقييمه من خلال تأثيره الحقيقي على الحماية والمساعدة للسكان المعنيين. ويجب أن نلاحظ أنه في النزاع المسلح في يوغسلافيا السابقة مثلًا، قرّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن إدانة الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني لم يكن انتهاكًا لمبدأ الحياد. ومنذ ذلك الحين أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنه لا يمكن الخلط بين الحياد وبين السرية والصمت. ولهذا المبدأ أهميته في فعالية عملياتها وينبغي ألا يكون مبدأ نظريًا ومطلقًا.

← مبادئ إنسانية

وتفضل بعض المنظمات نقل المعلومات التي تملكها بخصوص الانتهاكات الصارخة سرًا إلى منظمات حقوق الإنسان، التي تستطيع نشر مثل هذه المعلومات دون أن تكشف مصدرها وتعرّض للخطر عمليات وعمال الإغاثة على الأرض. وهناك كذلك آليات مختلفة لدى الأمم المتحدة تجعل من الممكن نشر هذه المعلومات على الملأ، في الوقت الذي تحافظ فيه على عدم الكشف عن هوية المصدر. ومن أحد المخاطر التي يواجهها هذا النهج هو أن هذه الإجراءات لا يمكن أن تضمن تمامًا سرية المصدر، وسلامته. بالإضافة إلى ذلك، تجازف هذه الحلول بتخفيف مسؤولية كل منظمة تجاه حماية الضحايا طالما أن لديها أهدافًا مختلفة وتتصرّف في ضوء محدّدات زمنية مختلفة. وكقاعدة عامة، يجب أن تتصرّف المنظمات الإنسانية وفقًا لمنطق الوقاية الفورية بدلًا من اتباع منطق الإدانة اللاحقة للحدث. ويمكن أن يتضمن هذا في النهاية التعطيل الطوعي لأعمال الإغاثة عند فشل التفاوض على مبادئ إنسانية أساسية، وذلك كي يصبح المتحاربون على دراية بمسؤولياتهم والتزاماتهم في إطار القانون الدولي الإنساني. ويختلف ذلك من ثمّ عن أنشطة التوثيق والإدانة لانتهاكات حقوق الإنسان وكذلك تجميع الأدلة للمحاكمات أمام المحاكم الدولية باسم محاربة الإفلات من العقاب.çحماية

وأضاف إنشاء المحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا وكذلك المحكمة الجنائية الدولية بعدًا قضائيًا جديدًا للعلاقات الدولية، ما دفع المنظمات الإنسانية إلى إعادة التفكير في مواقفها تجاه انتهاكات القانون الإنساني. وتتعاون بعض المنظمات الإنسانية غير الحكومية بنشاط مع العدالة الجنائية الدولية وترى نفسها أطرافًا فاعلة في محاربة الإفلات من العقاب، والإفصاح عن المعلومات لتوجيه الاتهام إلى مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المزعومين ومحاكمتهم. وتنأى منظمات أخرى بنفسها عن مثل هذا التعاون مؤكدة أن الأنشطة القضائية لا تتفق مع العمل الإنساني وضرورة التفاوض على أعمال الإغاثة وضمانات السلامة مع الجهات الفاعلة في العنف المسلح.

ويبرز العائق الثاني في إدانة الجرائم من الانطباع بأن مرتكبيها لن يعاقبوا أو أنهم سيُحاكمون في النهاية على أساس سياسي فضفاض، سواء نتيجة فشل أنظمة العدالة المحلية أو هيئة إنفاذ القانون أو بسبب الانتقائية السياسية للتحقيقات في المواقف من جانب المحكمة الجنائية الدولية. وبموجب القانون الدولي الإنساني، فإن هذا لا يشكل سببًا ذا علاقة، طالما أنه بالإمكان محاكمة مرتكبي الانتهاكات الصارخة أمام محاكم مختلفة أخرى دولية أو وطنية دون أي نظام أساسي جغرافي أو قيود زمنية. وفي ذات الوقت، من الضروري أن تستطيع المنظمات الإنسانية مواجهة خصوصية هذه الجرائم وتقييد تبعاتها السلبية عبر تدابير الإغاثة الملائمة. وبالإمكان كذلك توثيق ما يجري قبل ظهور الأدلة، وأخيرًا، بإمكانها كذلك توفير تقارير طبية ووثائق أخرى إلى الضحايا، من أجل تمكينهم من تأكيد مطالبهم وحقوقهم كلما كان ذلك ممكنًا في وقت لاحق.

في كل الأحوال، يجب أن تكون المنظمات الإنسانية قادرة على تأهيل الأوضاع التي تعمل في ظلّها. وهذا يمكنها من أن تكون في وضع تناقش فيه نشاطات الإغاثة التي تقدّمها في ما يتعلّق بالحقوق التي منحها القانون الدولي الإنساني للضحايا والمنظمات الإنسانية في كل حالة خاصة والإصرار على تطبيق أحكام القانون الدولي ذات العلاقة. وتستند هذه القدرة في تأهيل وضع ما وتصنيفات السكان المستضعفين إلى الافتراض الذي مفاده أن المنظمات تتفهّم وتدرك مصير السكان وأنماط العنف الذي يُرتكب حولهم وضدّهم. وهذه هي المرحلة الأولى من أعمال الإغاثة المسؤولة. وهكذا يشكل تقصّي الحقائق وإدانة انتهاكات القانون الإنساني جزءًا لا يتجزأ من أي نشاط إغاثي مسؤول.

يتعيّن على هذه المنظمات مسؤولية الإبلاغ عن هذه الجرائم إلى السلطات المدنية أو العسكرية المختصة وإلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الحالات الأكثر خطورة.

غير أنه ينبغي عدم الخلط بين هذا الالتزام بتنبيه السلطات إلى انتهاكات القانون الإنساني وبين الالتزام بالشهادة أمام المحاكم الجنائية الوطنية أو الدولية. فهذا الخلط قد يعرض للخطر وجود عمال الإغاثة وسلامتهم في أوضاع النزاع. وقد أقرّت بهذا المحاكم الجنائية الدولية التي سلَّمت في عديد من الأحكام بعدم التوافق بين التفويضات لعمال الإغاثة والمراسلين الحربيين وبين دور الشهود في القضاء. وقد أقرت بهذه الحصانة للجنة الدولية للصليب الأحمر من قبل المحكمة الجنائية الدولية وللمهن التي تتمتع بحق سرية المهنة كالأطباء والصحفيين.

إن الفقه القانوني عن مبادئ ومعايير هذه الحصانة من الشهادة للعاملين في المنظمات الإنسانية واردة تحت المدخل

← الحصانة.

عفو شامل؛ واجب القادة؛ المبادئ الإنسانية؛ حصانة، لجوء الأفراد إلى المحاكم؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا؛حفظ السلام؛ العقوبات الجزائية في القانون الإنساني؛ احترام القانون الدولي الإنساني؛ الاختصاص العالمي؛ جرائم حرب/ جرائم ضدّ الإنسانية.

لمزيد من المعلومات:

Aubert, Maurice. “The Question of Superior Orders and the Responsibility of Commanding Officers in the Protocol Additional to the Geneva Conventions of 12 August 1949, and Relating to the Protection of Victims of International Armed Conflicts (Protocol I), of 8 June 1977.” International Review of the Red Cross 263 (March–April 1998): 105–20.

Blishenko, Igor P. “Responsibility in Breaches of Humanitarian Law.” In International Dimensions ofHumanitarian Law, 283–96. Geneva: Henry Dunand Institute, 1988.

Brownlie, Ian. Principles of Public International Law. Oxford: Oxford University Press, 2003.

Dinstein, Yoram. The Conduct of Hostilities under the Law of International Armed Conflict. Cambridge: Cambridge University Press, 2004, esp. chap. 9.

Graditzky, Thomas. “Individual Criminal Responsibility for Violations of International Humanitarian Law Committed in Non-international Armed Conflicts.” International Review of the Red Cross 322 (March–April 1998): 29–56.

Henckaerts, Jean-Marie, and Louise Doswald-Beck, eds. Customary International Law. Vol. 1, The Rules. Cambridge: Cambridge University Press, 2005, part 6.

ICRC. Professional Standards for Protection Work Carried Out by Humanitarian and Human Rights Actors in Armed Conflict and Other Situations of Violence.2nd ed. Available at http://www.icrc.org/eng/assets/files/other/icrc-002-0999.pdf .

La Rosa, Anne-Marie. “Humanitarian Organizations and International Criminal Tribunals, or Trying to Square the Circle.” International Review of the Red Cross 861 (March 2006): 169–86.

Mettraux, Guénaël. The Law of Command Responsibility. Oxford:Oxford University Press, 2009.

Mongelard, Eric. “Corporate Civil Liability for Violations of International Humanitarian Law.” International Review of the Red Cross 863 (September 2006): 665–91.

Moore, Jonathan, ed. Hard Choices: Moral Dilemmas in Humanitarian Intervention. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1998.

Paust, Jordans J. “Superior Orders and Command Responsibility.” In International Criminal Law, edited by M. Cherif Bassiouni, 223–38. Ardsley, NY: Transnational, 1999.

Renault, Celine. “The Impact of Military Disciplinary Sanctions on Compliance with International Humanitarian Law.” International Review of the Red Cross 870 (June 2008): 319–26.

Rona, Gabor. “The ICRC Privilege Not to Testify: Confidentiality in Action.” 28 February 2004. Available at http://www.icrc.org/eng/resources/documents/misc/5wsd9q.htm .

Schaff, Michael, and Nigel S. Rodley. “International Law Principles on Accountability.” In Post ConflictJustice, edited by Cherif Bassiouni, 89–99. Ardsley, NY: Transnational, 2002.

Van Sliedregt, Elies. The Criminal Responsibility of Individuals for Violations of International Humanitarian Law. The Hague: T.M.C. Asser Press, 2003.

Williamson, Jamie Allan. “Some Considerations on Command Responsibility and Criminal Liability.” International Review of the Red Cross 870 (June 2008): 303–17.