القاموس العملي للقانون الإنساني

« الخطأ في تسمية الأشياء يزيد من بؤس العالم » Albert Camus.

COOKIE_INFO_HEADER

COOKIE_INFO_OK COOKIE_INFO_PARA

حصانة

الحصانة هي امتياز قانوني يُمنحلأشخاص معينين (موظفين حكوميين) ويعترف بها القانونان الوطني والدوليوتمكنهم من ممارسة وظيفتهم دون قيود أو ضغوط بما في ذلك القيود القانونية. وعلى المستوى الدولي، فإن الحصانة تعدّ أداة تحمي سيادة الدول واستقلالها بالحيلولة دون مقاضاتها هي أو وكلائها أمام محاكم أجنبية. وبذلك يستطيع الأشخاص الذين لهم حقّ الحصانة من الولاية القضائيةتفادي الملاحقات القانونية أمام المحاكم الوطنية أو الدولية. وتتوفّر الحصانة للدبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة والبرلمانيين وأعضاء الحكومات ورؤساء الدول أو الحكومات بالأساس. وقدأرسى هذا القانون الدولي العرفي والعديد من الاتفاقيات الدولية.

والحصانة ليست مطلقة، وتقتصر بصورة عامة على الأعمال التي ترتكب في ممارسة الوظائف الرسمية وخلال الفترة التي يشغل فيها الشخص المنصب الرسمي. ومن المقبول بشكل عام وجود نوعيناثنين من الحصانة (في ظل القانونين الوطني والدولي على السواء):

  1. حصانة الوظيفة، وهي المرتبطة بالوظيفة، وتغطي أنشطة معينة يؤديها مختلف موظفي الدولة، وتبقى حتى نهاية فترة الوظيفة.
  2. الحصانة الشخصية، وهي المرتبطة بالشخص بسبب قانونيتها، وتغطي جميع الأفعال التي يؤديها من ينتفع بالحصانة، وتبقى مادام الشخص المعني في الوظيفة.ويجوز رفع الحصانة في حالة الانتهاكات الجسيمة من جانب السلطات السياسية أو القانونية التي تتحكم بالوظائف الرسمية المختلفة.

ولا يمكن المطالبة بالحصانة في حالة المقاضاة أمام المحكمة الجنائية الدولية بمقتضى أحكام معينة من نظامها الأساسي (المادة 27-2 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية). بيد أن حصانة الدولة ووكلائها من المقاضاة أمام محاكم أجنبية تبقى مبدأ مطلقًا في القانون الدولي العرفي. وقدأقرت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في عديد من قراراتها. وأعادت المحكمة إلىالأذهانأنهذهالحصانةلايمكنأنتكونمماثلةللإفلاتمنالعقابلأنالحصانةضمانةإجرائيةمقيدةبالوقت. ويمكنأن ترجئ الحصانة تطبيق المسؤولية الجنائية لكنها لا تلغيها (انظر السوابق القضائيةأدناه).

وتختلف مسؤولية الدولة عن القيام بسلوك غير مشروع عن المسؤولية الجنائية ويمكن أن تنظر فيها محكمة العدل الدولية وغيرها من المحاكم الإقليمية.

وبخلاف بعض المفاهيم المغلوطة، لا يستفيد أعضاء المنظمات الإنسانية والإغاثة من أي شكل من أشكال الحصانة بالمعنى الدقيق للكلمة. ويشير مصطلح “الحصانة الإنسانية” إلى حظر شن هجمات متعمّدة وقت النزاع على المدنيين وأفراد الإغاثة وأفراد الخدمات الطبية، ويوفرها القانون الدولي الإنساني.

وقد تشكل الهجمات المتعمّدةعلى هؤلاء العاملين جريمة حرب، خاضعة للعقوبة بموجب القانون الدولي أو القانون الوطني.ومنحت المحاكم الدولية للعاملين في المجال الإنساني حماية جزئية بشأن التعاون في الإجراءات الجنائية. ووافقت على تحديد واجب الشهادة لحماية أمن وسلامة العاملين في المجال الإنساني في مناطق النزاع وقدرة منظمات الإغاثة على مواصلة تقديم مساعدتها في حالات العنف المسلح(انظر السوابق القضائية أدناه). وقد مُنحت هذه الحصانة رسميًّا للجنة الدولية للصليب الأحمر ولمهن تغطيها السرية المهنية الواردة في القاعدة 73 من قواعد الإجراءات والأدلة للمحكمة الجنائية الدولية.

← المحكمة الجنائية الدولية؛ جرائم حرب/ جرائم ضدّ الإنسانية .

أولًا عُذر المهام الرسمية

ليست هناك معاهدات دولية تثبت على وجه التحديد الحصانة لرؤساء الدول والحكومات. وعلى مستوى دولي، فإن حصانة رؤساء الدول هي نتيجة العرف وتشابه بذلك حصانة الدبلوماسيين. وتعريفًا، يكون العرف دائمًا عرضة للتعديلات، كما ثبت ذلك في عام 1999 بأحكام مختلفة أصدرتها سلطات بريطانية وإسبانية في حالة الرئيس التشيلي السابق، أوجستوبينوشيه، ومحاكمة رئيس جمهورية يوغسلافيا، سلوبودان ميلوسفيتش من قبل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة أو اتهام المحكمة الخاصة بسيراليون للرئيس الليبيري السابق تشارلز تيلور في أيار/ مايو 2004.

من ناحية أخرى، تحدّد القوانين الوطنية لكلِّ دولة بوضوح الأنظمة التي تحدّد الحصانات والمسؤوليات الجنائية لرؤساء الدول (في الدستور بصورة عامة). إلَّا أن هذه الأحكام الوطنية لا تستطيع أن تكون سابقة للقانون الدولي، ولذلك، لا تستطيع حماية الأفراد من الإجراءات القانونية الدولية الموجهة ضدّهم، في حالات مقتصرة على أكثر الجرائم خطورة في القانون الدولي، مثل الجرائم ضدّ الإنسانية، والإبادة الجماعية وجرائم الحرب، والتعذيب.

وفي الحقيقة، وفي حالة هذه الجرائم الخطيرة، يثبت القانون الدولي صراحة عدم إمكانية منح حصانة لحماية فرد ما ضدّ العدالة.

وتنصّ المادة 27 من قانون المحكمة الجنائية الدولية (التي لها سلطة قضائية على الأفراد المتهمين بجرائم حرب، وجرائم ضدّ الإنسانية، والإبادة الجماعية)، على أن للمحكمة سلطة قضائية على “جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. وبوجه خاص، فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلًا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل، في حد ذاتها، سببًا لتخفيف العقوبة”.

وتؤكد هذه المادة على المبادئ التي سبق تحديدها في قانون محكمة نورمبرغ والمحكمة الجنائية الدولية لجمهورية يوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وبذلك تمنحها صفة قانونية دائمة وملزمة كما تؤكد كذلك على الأحكام المنصوص عليها أصلًا في عدد من المعاهدات المحدّدة وهي:

▪أحكام اتفاقيات جنيف التي تخصّ مرتكبي الانتهاكات الفاضحة للقانون الإنساني؛

▪أحكام اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعية التي تخصّ مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية؛

▪أحكام اتفاقيّة مناهضة التعذيب التي تخصّ معاقبة هذه الجريمة بالتحديد.

أما في ما يتعلّق بالنزاعات المسلحة، فيأخذ القانون الدولي الإنساني بعين الاعتبار أنه سيكون من غير المناسب ربط مسؤولية الأفراد إذا كان مرؤوسوهم في الهرم الوظيفي والآخرون الذين يمارسون وظائفهم الرسمية قد برِّئت ساحتهم. وهكذا يؤكد القانون الدوليالإنسانيعلى المسؤولية الجنائية للمرؤوسين في الهرم الوظيفي في حالات جرائم الحرب، ما لم يستطيعوا إثبات أنهم لم يصدروا الأوامر أو أنهم اتخذوا جميع الإجراءات الممكنة لمنع أو وقف الانتهاكات، وهكذا يفرض القانون الإنساني واجب عدم إطاعة الأوامر غير المنصفة.

في قرار أثار الكثير من الجدل صدر في 14 شباط/ فبراير 2002 ضمن سياق قضية بين جمهورية الكونغو الديموقراطية وبلجيكا، قررت محكمة العدل الدولية استنادًا إلى القانون الدولي العرفي تمتع وزير الخارجية بحصانة من الإجراءات الجزائية وعدم المساس بحقوقه في الخارج على وجه الإطلاق. فلا يمكن أن يلاحق أو يلقى القبض عليه أو يحتجز بأمر من المحاكم الأجنبية المحلية وذلك طيلة فترة مهامه، سواء تواجد في الخارج بصفة رسمية أو شخصية وقام بأعمال قبل أوأثناء توليه منصبه أو بأعمال رسمية أو شخصية. وينحصر هذا القرار في الإجراءات أمام المحاكم الأجنبية المحلية في إطار الاختصاص العالمي ولا يعمل بها أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي قرار صدر في شباط/ فبراير 2012، حددت محكمة العدل الدولية نطاق هذا القرار بتوضيح الفارق والعلاقة بين قواعد القانون الجنائي والقواعد المتعلقة بمسؤولية الدولة (ألمانيا ضد إيطاليا؛ تدخل اليونان، محكمة العدل الدولية؛ الحكم الصادر في 3 شباط/ فبراير 2012، انظرالسوابق القضائية أدناه).

ينصّ القانون الدولي أنه في حالة جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية والتعذيب، لا يحق لأي شخص استغلال وضعه الرسمي لادعاء الحصانة في محاولة لتجنب مواجهة العدالة. ويرد هذا الحكم في:

▪ اتفاقيّة 1948 الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (المادة 4)؛

▪ اتفاقيّة 1948الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛

▪ اتفاقيات جنيف لعام 1949 (اتفاقيّة جنيف 1 المادة 49، اتفاقيّة جنيف 2 المادة 50، اتفاقيّة جنيف 3 المادة 129، اتفاقيّة جنيف 4 المادة 146)؛

▪ النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ (المادة 7)؛

▪ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لجمهورية يوغوسلافيا السابقة والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (المادة 7-2 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لجمهورية يوغوسلافيا السابقة، والمادة 6-2 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا)؛

▪ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 27).

ثانيًا الحصانة الدبلوماسية

تحدّد اتفاقيّة فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تمّ تبنّيها في 18 نيسان/ أبريل 1961 والتي دخلت حيّز التنفيذ في 1964 (وعدد الدول الموقعة عليها 190دولة حتى حزيران/ يونية 2015) هذا الشكل من الحصانة.

وتشمل أنواع الحصانات التي تحمي الدبلوماسيين ما يلي:

▪الحصانة من أي شكل من أشكال الاعتقال أو الاحتجاز (المادة 29): وهذا يعني أنه لا يجوز احتجاز أو اعتقال شخص يحمل صفة دبلوماسي؛

▪الحصانة من الإجراءات القضائية أو القانونية (المادة 31): لا يجوز محاكمة الدبلوماسي من قبل أي محكمة في الدولة التي يعمل فيها. ويعتبر هذا الضمان نافذًا بغض النظر عن خطورة الجرم المدعى عليه (جناية أو جنحة)، أو كانت الأعمال ارتكبت في ممارسة الوظائف الدبلوماسية. وتحدّد المادة 31 أيضًا أن العنصر الدبلوماسي غير مجبر على تقديم دليل بصفة شاهد. ولكن بإمكان دولة الدبلوماسي رفع الحصانة من القضاء.

ومن الملاحظ أنه في حين أن مبدأ الحصانة اليوم لا يمتد إلى الجرائم الأكثر خطورة -الجرائم ضدّ السلام، وجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية، والإبادة، فإن اتفاقيّة جنيف لعام 1961 (بالإضافة إلى اتفاقيّة الأمم المتحدة لعام 1946 أوضحت فيما بعد)، لا تؤيد هذا الموقف وتؤكد أن الحصانة عامة.

▪عدم جواز انتهاك السكن والملكية (المادة 30): تماثل الحماية التي تتمتع بها هذه الأشياء تلك التي تتمتع بها مباني البعثات الدبلوماسية. وتحظر عمليات التفتيش والمصادرة التي تجرى في مسكن الدبلوماسي. وينطبق مبدأ عدم جواز الانتهاك هذا على أوراق الدبلوماسي ومراسلاته وملكيته. وتغطي عبارة “ملكية” عناصر مختلفة مثل الحقائب والسيارة والراتب... إلخ.

وتمنح هذه الامتيازات للدبلوماسي عندما يسجل لدى الدولة المضيفة (أي أن اسم الدبلوماسي يظهر في قائمة الأفراد المسجلين وبالتالي يعتبرون من الناحية العملية دبلوماسيين من قبل الدولة المضيفة).

ثالثًا الحصانات الممنوحة لموظفي الأمم المتحدة

تمّ اعتماد اتفاقيّة امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها في 13 شباط/ فبراير 1946، وحتى شهر حزيران/ يونية2015بلغ عدد الدول الموقعة عليها 161دولة. وتهدف الاتّفاقيّة إلى حماية أفراد موظفي الأمم المتحدة من الضغوط الوطنية ولضمان “الشخصية الدولية المحصنة” لمهامهم بما يتّفق مع المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة. وتنطبق أحكامها على الأشخاص الموظفين رسميًا وخبراء الأمم المتحدة بالمعنى الدقيق للكلمة. ويعمل الموظفون العاملون في ميدان الوكالات الإنسانية للأمم المتحدة بموجب أنواع مختلفة من عقود العمل ولذلك لا تشملهم معاهدة 1946. ويخضع الأشخاص العاملون لصالح وكالات الأمم المتحدة المتخصصة لنظام حماية معينة تنظمه اتفاقيّة امتيازات الوكالات المتخصصة وحصانتها التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 (التي بلغ عدد الدول المنضمّة لها 127دولة طرفًا حتى حزيران/ يونية 2015).

وتمنح معاهدة 1946 الحصانات التالية:

▪يتمتّع موظفو الأمم المتحدة، من بين أشياء أخرى، بالحصانة ضدّ الإجراءات القضائية (أو القانونية)، ولكن في الأعمال التي ترتكب بصفتهم الرسمية (المادة 5، الفقرة 18). كما يتمتّعون بالحصانة ضدّ الاعتقال أو الاحتجاز، لكن هذا لم يتحدّد في معاهدة 1946. وقد ملأت هذه الفجوة اتفاقيّة منع الجرائم المرتكبة ضدّ الأشخاص المتمتعين بحماية دولية، بمن فيهم الموظفون الدبلوماسيون، والمعاقبة عليها (التي اعتمدت في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1973، دخلت حيّز التنفيذ في 1977، ويبلغ عدد الموقعين عليها 178دولة حتى حزيران/ يونية2015)؛

▪يتمتّع خبراء الأمم المتحدة بالحصانة ضدّ الاعتقال والاحتجاز أثناء فترة عملهم والحصانة ضدّ القضاء عن الأعمال التي تتمّ أثناء أداء مهامهم. وتستمرّ هذه الحصانة ضدّ الإجراءات القانونية حتى بعد انتهاء مهامهم (المادة 6، الفقرة 22)؛

▪بالإضافة إلى الحصانات والامتيازات التي تحدّدها هذه المعاهدة، يمنح الأمين العام وجميع الأمناء العاملون المساعدون للأمم المتحدة نفس الحصانات والاستثناءات والتسهيلات التي تمنح للمبعوثين الدبلوماسيين وفقًا للقانون الدولي (المادة 5، الفقرة 19).

رابعًا حصانات أفراد قوات حفظ السلام

تعتمد الحصانات التي تمنح لأعضاء قوات حفظ السلام على أوضاعهم، التي تحدّدها الاتّفاقيّة الموقعة بين الأمم المتحدة والدولة التي تجري فيها العملية. وتحدّد الاتّفاقيات النموذجية التي تنظم حالة قوات حفظ السلام عدة أنظمة مختلفة:

▪يتمتّع الممثل الخاص، قائد الفرع العسكري لعملية حفظ السلام، رئيس الشرطة المدنية، كبار الموظفين المتعاونين مع الممثل الخاص والقائد، بالحصانة الدبلوماسية الكاملة؛

▪يتمتّع المراقبون العسكريون، وأفراد الشرطة المدنية التابعة للأمم المتحدة، والعناصر المدنية من غير الموظفين الحكوميين بالحصانات المحدّدة لخبراء الأمم المتحدة؛

▪يتمتّع الموظفون العسكريون من الوحدات العسكرية الوطنية المكلفون بالجانب العسكري من عملية حفظ السلام بالحصانة ضدّ الإجراءات القضائية عن أعمال تنفيذ أثناء ممارسة مهامهم، وتبقى هذه الحصانة سارية المفعول حتى بعد انتهاء مهامهم كأفراد في العملية.

☜يحق للأمين العام للأمم المتحدة رفع الحصانة عن أي موظف أو خبير. ويحق له ومن واجبه أن يقوم بذلك في أي حالة يرى أنها تعيق مسيرة العدالة ويمكن رفعها دون المساس بمصالح الأمم المتحدة. ويحق لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رفع الحصانة عن الأمين العام(المادة 5، الفقرة 20، المادة 6، الفقرة 23 من اتفاقيّة 1946).

وتعتبر هذه النقطة مهمة إذا ما عرفنا أنه في العديد من عمليات حفظ السلام، يتحمّل الموظفون العسكريون المسؤولية المزدوجة للأمم المتحدة ومسؤولية التسلسل العسكري في بلدانهم. وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا في تحديد الآليات التي يجب استخدامها في توضيح مسؤولياتهم في الحالات التي ترتكب ضدّ الأشخاص الذين كانت لهم مهمة يتولون حمايتها.

خامسًا حصانةالدول من الولاية القضائية

إن الحصانة القضائية للدول تحكمها الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بحصانة الدول، التي أقرها المجلس الأوروبي في بازل يوم 16 أيار/ مايو 1972، واتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية، والتي أقرت يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2004. وتنص هاتان الاتفاقيتان على أن الدولة المتعاقدة لا تستطيع أن تزعم الحصانة من الولاية القضائية لمحكمة دولة متعاقدة أخرى في دعوى قضائية تتعلق بتعويض عن إصابات للشخص أو أضرار لأصول مادية، إذا كانت الوقائع التي تسببت في الإصابة أو الأضرار قد حدثت في أراضي الدولة التي تقع بها المحكمة، وإذا كان المتسبب في الإصابة أو الأضرار موجود في تلك الأراضي وقت حدوث تلك الوقائع (المادة 11 من الاتفاقية الأوروبية، والمادة 12 من اتفاقية الأمم المتحدة).

وتنص الاتفاقية الأوروبية على أنه لا شيء يؤثر على ما تتمتع به الدولة المتعاقدة من حصانات وامتيازات فيما يتعلق بأي شيء وقع أو أُغفل وقوعه من جانب قواتها المسلحة، أو فيما يتعلق بها، حين كانت على أراضي دولة متعاقدة أخرى (المادة 31).

غير أن تطبيق هذه الاتفاقيات محدود حيث إن عددًا ضئيلًا للغاية من الدول قد صدقت عليها. فلم يصدق على الاتفاقية الأوروبية سوى ثماني دول حتى نيسان/ أبريل 2013، وهي: النمسا وبلجيكا وقبرص وألمانيا ولوكسمبورغ وهولندا والمملكة المتحدة وسويسرا. إلى جانب ذلك، فإن اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائيةلم تدخل حيز النفاذ حيث إنها تحتاج إلى التصديق عليها من قبل 30 دولة على الأقل. وحتى حزيران/ يونية 2015، لم يصدق عليها سوى 18 دولة، هي: النمسا وجمهورية التشيك وفنلندا وفرنسا وإيران (الجمهورية الإسلامية) وإيطاليا واليابانوكازاخستان ولاتفيا وليشتنشتاين ولبنان والنرويج والبرتغال ورومانيا والمملكة العربية السعودية وإسبانيا والسويد وسويسرا.

ويوجد مشروع لاتفاقية البلدان الأمريكية بشأن حصانة الدول من الولاية القضائية، وقد أقرتها اللجنة القانونية للبلدان الأمريكية يوم 21 كانون الثاني/ يناير 1983 لكنها لم تدخل أبدًا حيز النفاذ.

← واجب القادة؛ موظفو الإغاثة الإنسانية؛ إفلات من العقاب؛ المحكمة الجنائية الدولية؛ محكمة العدل الدولية؛ حفظ السلام؛ مسؤولية.

السوابق القضائية

  1. وجودالقانونالدوليالعرفيللحصانة

في قضيتين حديثتين، أشارت محكمة العدل الدولية إلى الحصانة الشخصية وحصانة الدول حين ذكّرت بمبدأ حصانة الدول من الولاية القضائية: أمر اعتقال صدر في 11 نيسان/ أبريل 2000 (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا)، الحكم، تقارير محكمة العدل الدولية 2002 (يُشار إليها لاحقًا بعنوان جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا)، الفقرتان 58 و60؛ وحصانة الدول من الولاية القضائية(ألمانيا ضد إيطاليا، مع تدخل اليونان)، محكمة العدل الدولية، الحكم، 3 شباط/ فبراير 2012 (يُشار إليها لاحقًا بعنوان ألمانيا ضد إيطاليا).

وفي عام 2000، أكدت المحكمة في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا وجود حصانات من الولاية القضائية لرؤساء الدول والحكومات وكذلك لوزراء الخارجية أثناء توليهم مناصبهم. وأكدت المحكمة أن هذه الحصانة لا تعني أن هؤلاء الأشخاص يفلتون من العقاب عن جرائم ربما يكونون قد ارتكبوها. وفي الواقع، فقد رأت المحكمة أن الحصانة من الولاية القضائية والمسؤولية الجنائية الفردية مفهومان واضحان ومنفصلان. فالحصانة من الولاية القضائية دائمة وتحول دون الملاحقة الجنائية لفترة محدودة من الزمن. علاوة على ذلك لا يمكن إثارتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفي قضية 2012 لألمانيا ضد إيطاليا بشأن مسألة تعويضات لضحايا النازية، عادت محكمة العدل الدولية إلى عرض هذه الفكرة. ففي هذه القضية أيدت المحكمة أن القانون الدولي العرفي يفرض الاعتراف بحصانة الدول المتهمة قواتها المسلحة بارتكاب أفعال ضارة على أراضي دولة أخرى خلال نزاع مسلح. وأكدت أيضًا أن الحصانة لا تعتمد على فداحة الأعمال المزعومة (الفقرات 78-93 و100-101). وذكّرت المحكمة بأن لجنة القانون الدولي وجدت في عام 1980 أن قاعدة حصانة الدول تم اعتمادها كقاعدة عامة في القانون الدولي العرفي الراسخ بقوة في الممارسات الحالية للدول. وأيدت المحكمة أن “هذه النتيجة... تتأكد بسجل للتشريعات الوطنية، والقرارات القضائية... وأنه يوجد حق في الحصانة بموجب القانون الدولي، إلى جانب الالتزام الموازيعلىجانبالدولالأخرىباحترامتلكالحصانةوإنفاذها” (فقرة 56). وأكدت المحكمة أن “قانون الحصانة هو في الأساسإجرائي في طبيعته.. فهو ينظم ممارسة الولاية القضائية فيما يتعلق بسلوك معين ومن ثم فهو يختلف عن القانون الموضوعي الذي يحدد ما إذا كان السلوك مشروعًا أم غير مشروع” (فقرة 58). ثم خلصت المحكمة إلى أنه “بموجب القانون الدولي العرفي كما هو حاليًّا، فإن أي دولة لا تُحرم من الحصانة بسبب حقيقة أنها متهمة بانتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الدولي للنزاعات المسلحة” (فقرة 91). علاوة على ذلك، أشارت المحكمة إلى أنه “سواء أكانت دولة ما يحق لها الحصانة أمام محاكم دولة أخرى فإنها مسألة مختلفة تمامًا عمّا إذا كانت تلك الدولة تتحمّل مسؤولية دولية وما إذا كانت تتحمّل التزامًا بدفع تعويضات” (فقرة 100). وأيدت المحكمة أن “مجموعتي القواعد تتعرضان لمسائل مختلفة. فقواعد حصانة الدول إجرائية في طبيعتها وتنحصر في تحديد ما إذا كان يجوز لمحاكم دولة ما أن يكون لها اختصاص فيما يتعلق بدولة أخرى. ولا تلتفت إلى مسألة ما إذا كان السلوك محل الإجراءات مشروعًا أم غير مشروع” (فقرة 93).

ومن خلال هذا القرار، أكدت على التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية والتي من أجلها ألغت المحكمة الجنائية الدولية الحصانة المكفولة بموجب الوظيفة وبين مسؤولية الدولة لا سيما فيما يتعلق بمسألة التعويض.

  1. حصانة موظفي الإغاثة الإنسانية والصحفيين من الشهادة

من الناحية المبدئية فإن الحصانة المقبولة عادةً أمام المحاكم المحلية غير مقبولة أمام المحاكم الجنائية الدولية، فهناك التزام مطلق بالتعاون مع هذه المحاكم. غير أن المحاكم الدولية اعترفت بضرورة حماية المهمة التي تضطلع بها للصالح العام المنظمات الإنسانية والمراسلون الحربيون وقت النزاع المسلح.

وفي قضية سيميتش (27 تموز/ يولية 1999)، قضت المحكمة الجنائية الدولية لجمهورية يوغوسلافيا السابقة بأنه من مسائل القانون الدولي العرفي، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتمتع بامتياز مطلق بحجب المعلومات السرية (انظر الفقرات 72-74). وخلصت المحكمة إلى أن: (1) اللجنة الدولية للصليب الأحمر هيئة ومؤسسةفريدة، لها شخصية قانونية دولية، و(2) تفويض اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحماية ضحايا النزاع المسلح بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولينالإضافيينوالنظامالأساسي للحركةيمثلمكوّنًا “قويًّا منالصالحالعام”، و(3) قدرةاللجنةالدوليةللصليبالأحمرعلىالوفاءبالتفويض الممنوح لها يعتمد على رغبة الأطراف المتحاربة في منحها إمكانية الوصول إلى الضحايا في ذلك النزاع وأن هذه الرغبة، في المقابل، تعتمد على التزام اللجنة بمبادئها المتعلقة بالنزاهة والحياد وقاعدة السرية، و(4) التصديق على اتفاقيات جنيف 1949 واعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدور الخاص للجنة في العلاقات الدولية، والممارسة التاريخية لسرية اللجنة والآراء الرسمية للدول فيما يتعلق بهذه السرية ينشأ عنها قاعدة في القانون الدولي العرفي تمنح اللجنة الدولية للصليب الأحمر حقًّا مطلقًا بعدم الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بعملها.

إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي المنظمة الوحيدة التي مُنحت هذه الحصانة بشكل صريح. وذهبت المحكمة الجنائية الدولية أبعد من الاعتراف صراحةً في قواعدها بشأن الإجراءات والأدلة (القاعدة 73) بأن المعلومات المتاحة للجنة لا تخضع للإفصاح، بما في ذلك عن طريق الشهادة. والجزء الخاص باللجنة في القاعدة 73 هي نتيجة لحل وسط. فقد دافعت اللجنة عن استحداث قاعدة تمنح حماية مطلقة. غير أن دولًا عديدة أصرت على قاعدة تلعب بموجبها المحكمة دورًا ما في تحديد معلومات اللجنة التي ينبغي كشفها على أساس كل حالة على حدة. وبذلك تشترط القاعدة 73 أن تتشاور اللجنة مع المحكمة إذا رأت الأخيرة أن المعلومات لها “أهمية كبيرة في قضية معينة”. ومع ذلك تحتفظ اللجنة بالقرار النهائي بشأن الإفصاح عن المعلومات. وتحظر هذه القاعدة أيضًا استخدام المعلومات التي تم الحصول عليها خلال القيام بأنشطة لها طابع السرية المهنية.

ومنذ عام 1999، تدور مناقشات حول ما إذا كان هذا الاستثناء مخصصًا للجنة الدولية للصليب الأحمر أم يمكن التوسع فيه من خلال منطق وأساس مماثلين ليشمل منظمات إنسانية أخرى تعمل في مجال النزاعات وتُتاح لها معلومات عن أوضاع وأشخاص محل تحقيقات أمام المحاكم الدولية. وقد تم هذا عام 2002 وفي وقت لاحق ليشمل مراسلين حربيين وكذلك عمال إغاثة إنسانية، شريطة أن يطلبوا هذا الامتياز بأسلوب متسق، مع توضيح أن كشف مصادرهم أمام هيئات قضائية سيعرض للخطر رسالتهم المهنية ووجودهم في مناطق النزاع وكذلك قدرتهم على مناقشة قادة ومجموعات تشارك في أعمال العنف والتفاوض معهم.

وفي قضية براديانينوتاليتش (قرار في الاستئناف الأولي، IT-99-36-AR 73.9، 11 كانون الأول/ ديسمبر 2002، فقرات 36 و38 و50) والمعروفة باسم قضية راندال، رأت هيئة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجمهورية يوغوسلافيا السابقة أن المراسلين الحربيين يخدمون الصالح العام من خلال عملهم وأنه ينبغي اعتبارهم مراقبين مستقلين وليس شهودًا محتملين للادعاء. وعلى ذلك، منحتهم المحكمة امتياز عدم الشهادة أمامها. وقررت المحكمة أيضًا أن هذا الاستثناء من الشهادة لا يمكن أن يبطله سوى القضاة حين يتوفر شرطان اثنان: المعلومات المطلوبة “حيوية للقضية” و”لا يمكن الحصول عليها بوسائل أخرى”. واتسع هذا الحكم منذ ذلك الحين ليشمل ممثلي المنظمات غير الحكومية الإنسانية التي تخدم أيضًا الصالح العام من خلال أعمال الإغاثة الإنسانية.

وأقرت المحكمتان الجنائيتان الدوليتان الخاصتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا والمحكمة الجنائية الدولية بعدم التطابق بين العمل الإنساني والشهادة القضائية. ومن الواضح أن منطق القضاة هو أن هذا الامتياز يجب أن يُطلب على أساس كل حالة على حدة، ويمكن رفضه إذا كان سلوك المنظمة أو الشخص نبذ بالفعل عنصر السرية في مهنته وأفصح عن المعلومات على نطاق واسع.

← واجبالقادة؛موظفوالإغاثةالإنسانية؛حفظ السلام؛ حماية؛ مسؤولية؛ الأمانة العامة للأمم المتحدة؛ جرائم حرب/جرائم ضد الإنسانية

لمزيد من المعلومات:

Bossuyt, Marc, and Stef Van Deginste. “Immunity.” In Encyclopedia of Genocide and Crimes AgainstHumanity, edited by Dinah Shelton, 485–89. Detroit: Thomson/Gale, 2004.

Cassese, Antonio. “When May Senior State Officials Be Tried for International Crimes? Some Commentson the Congo v. Belgium Case.” European Journal of International Law 13, no. 4 (2002): 853–75.

Gaeta, Paola. “Does President Al Bashir Enjoy Immunity from Arrest?” Journal of International Criminal Justice 7, no. 2 (2009): 315–32.

Higgins, Rosalyn. Problems and Process: International Law and How We Use It. Oxford: Clarendon Press, 1994,chap. 5.

Wickremasinghe, Chanake. “Immunities Enjoyed by Officials of States and International Organizations.” In International Law, edited by Malcolm D. Evans, 387–413. Oxford: Oxford University Press, 2003.