- وضعت مدونات قواعد السلوك لتحديد وحماية سلامة مهنة معيَّنة مثل الطب أو الصحافة أو المحاماة واستقلاليتها.
- وهي معترَف بها ومشمولة بحماية القانون الوطني والقانون الدولي، لا سيما القانون الدولي الإنساني في حالات النزاع المسلح، والقانون الدولي لحقوق الإنسان في حالات التعذيب والاحتجاز
في اللغة الدارجة، غالبًا ما تستخدم مصطلحات "السلوك المهني" و"الأخلاق" و"القيم الأخلاقية" على نحو مترادف. ومع ذلك، فإن الأخلاق والقيم الأخلاقية ليست التزامات قانونية، بل هي مبادئ عامة تهدف إلى توجيه السلوك الفردي وفقًا للقيم الجماعية. ومن جانبه، يشير علم الأخلاق أو علم الواجبات إلى القواعد المهنية الملموسة والملزمة التي تحكم عملية صنع القرار المعقدة المتأصلة في نشاط مهني معين.
ونظرًا لما يتمتع به الطبيب من تأثير في حياة المرضى أو وفاتهم، وكذلك في صحتهم وسلامتهم البدنية والعقلية، فقد تطور التفكير في المعضلات الأخلاقية المتأصلة في الممارسة الطبية منذ العصور القديمة، لا سيمامعقسَمأبقراطالشهير الذي كُتب في القرن الرابع قبل الميلاد، وهو أحد أقدم وأشهر قواعد أخلاقيات مهنة الطب.
ومع مرور الوقت، تم تعزيز هذه القواعد المهنية للحد من انخراط الأطباء في أشكال متطرفة وشمولية من الرقابة الاجتماعية والعنف السياسي. على سبيل المثال، كشفت الحرب العالمية الثانية عن تورط أطباء في سياسات التعذيب وعلم تحسين النسل. كما لوحظ استخدام الاحتجاز في مراكز الأمراض العقلية والعلاج النفسي بشكل مسيء لأغراض سياسية كوسيلة للسيطرة العقلية والجسدية في بيئات سياسية قمعية. وبعيدًا عن كونها ظاهرة معزولة تعزى إلى الهمجية أو الديكتاتورية، أظهرت الدراسات والممارسات التاريخية أن إساءة استخدام المعرفة الطبية والموظفين الطبيين هي إغراء مستمر، لا سيما في حالات الاحتجاز والنزاع المسلح. وقد أدى تورط أطباء عسكريين ومدنيين في أعمال تعذيب ومعاملة مهينة تعرض لها المحتجزون في سياق "الحرب على الإرهاب" وأنواع أخرى من النزاعات المسلحة، سواء تم تصنيفها على أنها مكافحة للإرهاب أم لا، إلى زيادة الوعي بطبيعة هذه الظاهرة وحجمها.
أدَّى هذا إلى تبنِّي قواعد دولية إضافية تتجاوز الإطار الوطني المعتاد للأخلاقيات الطبية من أجل التعامل مع حالات الضعف الخاص والمعضلات الأخلاقية التي تطرحها. وتسعى تلك القواعد إلى تحقيق هدفين يكمِّلان بعضهما بعضًا: حماية المريض من التعرض لسوء معاملة الطبيب له، وأيضًا حماية استقلالية قرار الطبيب من الضغوط الاجتماعية والسياسية.
بالإضافة إلى القواعد الدولية العامة لأخلاقيات مهنة الطب (أولًا)، اعتمدت الجمعية الطبية العالمية أيضًا قواعد محددة لمعالجة التحديات الأخلاقية لبعض الممارسات الطبية مثل البحوث الطبية وبعض المواقف التي يواجه فيها الطبيب التزامات متضاربة، مثل الدفاع عن المصالح الفردية للمريض مقابل متطلبات الصحة أو السلامة الجماعية الأخرى. وينطبق ذلك بشكل خاص على إدارة السرية الطبية في سياق الالتزامات بإخطار السلطات الوطنية والالتزام الأخلاقي للأطباء بمناهضة التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز.
واعتمدت الدول قواعد دولية لتعزيز مضمون أخلاقيات مهنة الطب واحترامها في حالات محددة يكون فيها العاملون في المجال الطبي والمرضى في أقصى درجات الاستضعاف. وتشمل هذه الحالات النزاعات المسلحة (ثانيًا) والاحتجاز، لا سيما عندما يكون هناك خطر التعرض لسوء المعاملة أو التعذيب (ثالثًا).
تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني وتلك التي اعتمدتها الأمم المتحدة التزامات محددة فيما يتعلق بالأنشطة الطبية في حالات الاحتجاز والنزاع المسلح. وتضاف هذه القواعد إلى مبادئ أخلاقيات المهنة.
وقد تتخذ العقوبات المفروضة على انتهاكات أخلاقيات مهنة الطب أشكالًا مختلفة (رابعًا). وعادة ما تتولى المنظمات الطبية المهنية رصد الالتزام بالقواعد العامة لأخلاقيات مهنة الطب، وذلك نظرًا إلى أنها تناط بمسؤولية التحقيق في الانتهاكات المحتملة وفرض عقوبات تأديبية، بما في ذلك سحب حق مزاولة مهنة الطب. وتؤدي هذه القرارات إلى منح تعويضات إلى الضحايا في المحاكم المدنية.
قد تشكل بعض الانتهاكات الجسيمة لأخلاقيات مهنة الطب جرائم يمكن مقاضاتها في المحاكم الجنائية الوطنية أو الدولية. وهذا هو الحال بشكل خاص في الحالات التي يتواطأ فيها الأطباء أو يشاركون في التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وكذلك في بعض أشكال التجارب الطبية. وفي حالات النزاع المسلَّح، قد تشكِّل بعض الانتهاكات لأخلاقيات مهنة الطب جرائم حرب.
← احتجاز؛ واجبات طبية؛ الاختصاص العالمي؛ تعذيب؛ جرائم حرب/ جرائم ضدَّ الإنسانية
أولًا - القواعد الدولية العامة لأخلاقيات مهنة الطب
لا توجد اتفاقيةدولية ملزمة للدول تنظم مضمون أخلاقيات مهنة الطب في أوقات السلم. ويُنظَّم هذا الجانب من خلال الاتحادات المهنية الصحية الوطنية والدولية.
قد يختلف محتوى قواعد أخلاقيات مهنة الطب على المستوى الوطني باختلاف البلدان، ولكن المبادئ الأساسية متشابهة في جميع البلدان. وهي تتمحور حول أربعة مبادئ أخلاقية رئيسية معروفة باسم:
الإحسان (للمريض)، وعدم الإيذاء (عدم إلحاق الأذى بالمريض)، والاستقلالية (للمريض) والعدالة (الإنصاف).
تنبع الموافقة المستنيرة، وقول الحقيقة، والسرية مباشرة من هذه الالتزامات الأخلاقية الأربعة من جانب الأطباء، وهي التزامات غير مشروطة ومقبولة عالميًّا. وهي تشكل الإطار الذي تترجم فيه المبادئ الأخلاقية إلى مجموعة من الواجبات الأخلاقية والفضائل التي يجب على الطبيب الالتزام بها، والتي تنعكس في قسم أبقراط. كما أنها توفر إرشادات في حالات محددة حيث يجب التوفيق بين التطبيق العملي لمبادئ أخرى قد تتعارض أو متطلبات قانونية متضاربة. تشكل هذه المبادئ الأربعة إطارًا للأبعاد المختلفة لأخلاقيات مهنة الطب، والتي تشمل الإشارة إلى القواعد الأخلاقية والواجبات الأخلاقية وعواقب السلوك الطبي.
المبادئ العامة لأخلاقيات مهنة الطب هي موضوع يحظى بإجماع دولي طويل الأمد، مثلما يتجسد في:
• دستور نورمبرغ لعام 1947، المتعلق بأخلاقيات مهنة الطب، ولا سيما التجارب على البشر.
• إعلان جنيف لعام 1948 الذي يعلن رسميًّا تعهد الطبيب؛
وقد تم تجميع هذه المبادئ الآن في عدة وثائق وإعلانات صادرة عن الجمعية الطبية العالمية، بما في ذلك المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب. وتشمل هذه المبادئ، على وجه الخصوص، الالتزام بتقديم الرعاية، والموافقة المستنيرة، وسرية المعلومات الطبية، ومصلحة المريض الفضلى (أ). وهناك أيضًا مبادئ أخلاقية تتعلق بحالات محددة مثل البحوث الطبية (ب). كما تعمل منظمات إسلامية إقليمية على تكييف قواعد أخلاقيات مهنة الطب مع الاعتبارات الدينية (ج).
كما اعتمدت الجمعية الطبية العالمية بيانات محددة بشأن أخلاقيات مهنة الطب تنطبق على حالات التعذيب وسوء المعاملة التي يحكمها القانون الدولي. وتُستكمل هذه القواعد الأخلاقية بالقانون الدولي الإنساني والقواعد والاتفاقيات الدولية الأخرى التي تحكم النشاط الطبي في حالات النزاع المسلح والاحتجاز والتعذيب (انظر ثانيًا وثالثًا أدناه).
أ) المدونة الدولية لأخلاقيات المهنة الصادرة عن الجمعية الطبية العالمية
صاغت الجمعية الطبية العالمية مدونة دولية لأخلاقيات مهنة الطب واعتمدتها في تشرين الثاني/نوفمبر 1983، وتم تعديلها في عامي 2006 و2022، وهي تحدد التوافق على المبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب. وتستكمل هذه الوثيقة القواعد الوطنية وتلك الواردة في النصوص الدولية السابقة، مثل القواعد التي تحكم التدخلات الطبية في سياق الاحتجاز.
وتدلل أحدث نسخة من المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب التي اعتمدتها الجمعية الطبية العالمية في عام 2022، على توافق الآراء الواسع الذي توصل إليه أعضاء الجمعية الطبية العالمية الذين يمثلون أكثر من 10 ملايين طبيب في جميع أنحاء العالم. توفر مبادئها مضمونًا دوليًّا وثقافيًّا قويًّا للغة أخلاقيات مهنة الطب التي يتشاركها الأطباء والمرضى في جميع أنحاء العالم من مختلف الخلفيات الأخلاقية والثقافية.
ويوضح تحديث عام 2022 تعزيز بعض المبادئ الأساسية وغير المثيرة للجدل، فضلًا عن الحاجة إلى مناقشة وإضافة قواعد جديدة لتأطير المبادئ الأخرى الأكثر إثارة للجدل والخلاف بشكل أفضل.
وتتألف المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب لعام 2022 من ديباجة و40 فقرة مقسمة إلى: 12 مبدأ عامًّا (الفقرات 1-12)؛ 17 واجبًا تجاه المريض (الفقرات 13-29)؛ 3 واجبات تجاه الأطباء والمهنيين الصحيين والطلاب وغيرهم من الموظفين (الفقرات 30-33)؛ 5 واجبات تجاه المجتمع (الفقرات 34-38) وواجبان مفروضان بصفة أن الشخص عضو في المهنة الطبية (الفقرات 39-40).
توضح الديباجة أن المعايير والقواعد الأخلاقية والقانونية والتنظيمية الوطنية، وكذلك المعايير والقواعد الدولية، لا تقلل من التزام الطبيب بالمبادئ الأخلاقية المنصوص عليها في هذه المدونة. وبالتالي، فإنها ترسخ أولوية مبدأ استقلالية العاملين في المجال الطبي في مواجهة القوانين أو اللوائح أو المتطلبات التي تتعارض مع قواعد أخلاقيات مهنة الطب التي اعتمدها المهنيون على المستوى الدولي.
ومن بين المبادئ المختلفة، تزداد أهمية بعضها في سياق العمل الإنساني، حيث يتفاقم عدم التوازن في العلاقة بين الطبيب والمريض، ولا يمكن الاعتماد على الإطار القانوني الوطني لحماية حقوق الإنسان.
1- الالتزام بالرعاية:
إن الالتزام بتوفير رعاية طبية مختصة وسريعة ورحيمة لمن هم بحاجة لها دون تمييز قائم على أساس العمر أو المرض أو العقيدة أو الأصل العرقي أو الجنس أو الجنسية أو الانتماء السياسي أو العرق أو الثقافة أو الميل الجنسي أو الوضع الاجتماعي أو أي عامل آخر، يرتبط بالالتزام باحترام الحياة واعتبار الرعاية في حالات الطوارئ واجبًا إنسانيًّا (الفقرتان 1 و2). هذا الالتزام الأخلاقي ربما يوجد أيضًا في القانون الجنائي ضمن تهمة التقاعس عن مساعدة شخص في خطر. ويجبر الالتزام بتقديم الرعاية الطبية الأطباء على التصرف بما يصب حصريًّا في مصلحة المريض ولا أحد سواه.
2- واجب احترام استقلال المريض وكرامته، وضرورة الحصول على موافقته المستنيرة
يُعد هذا المبدأ أساسيًّا للحفاظ على ثقة المرضى والجمهور في العلاقة مع الأطباء (الفقرات 13 و15-19 و37). إن الالتزام بإبلاغ المريض والحصول على موافقته واحترامها قبل إجراء أي عمل من أعمال الرعاية، هو أمر بالغ الأهمية من أجل حماية التوازن في العلاقة بين الطبيب والمريض وضمان احترام كرامة المريض. يضع هذا الالتزام السلطة التي يتمتع بها الطبيب على المريض في نصابها الصحيح. فحتى لو كان يتعيَّن دومًا على الطبيب التصرف بما يصب في مصلحة المريض، ينبغي ألا يضع نفسه مكان المريض ويقرِّرَ ما يريدههو. هذاالواجبموضَّحجيدًافيأغلبالقوانينالوطنية،ويؤديإلىدعاوىقضائيةلطلبالتعويض.. وقد تم توفير بعض الإرشادات الإضافية لكفالة احترام الموافقة المستنيرة للمريض للتكيف مع الحالات التي لا يكون بوسْعالمريض فيها اتخاذ قرار مستنير تمامًا.. في مثل هذه الحالة، يجب على الطبيب إشراك ممثل المريض الموثوق به، إن وجد، لاتخاذ قرارات وفقًا لتفضيلات المريض إذا كانت معروفة أو يمكن استنتاجها بشكل معقول. إذا تعذر التأكد من تفضيلات المريض، يجب على الطبيب اتخاذ قرارات في مصلحة المريض وبما يتوافق مع جميع القواعد الأخلاقية الأخرى (الفقرات 16-19). كما أوضحت مدونة دولية لأخلاقيات مهنة الطب لعام 2022 أن موافقة المريض مطلوبة في كل مرحلة من مراحل الرعاية الطبية ويمكن للمريض سحبها في أي وقت (الفقرة 15).
وعندما يتعذَّر على المريض إعطاء موافقته لأسباب طبية (القصر أو المرضى الغائبون عن الوعي) أو عندما لا يكون قرار الموافقة حرًّا (كما في حالة المحتجَزين)، يكون الطبيب مسؤولًا عن الطبيعة الأخلاقية للقرار وللعمل الطبي. وقد تتجاوز المعايير الأخلاقية المتطلبات القانونية أو الإدارية أو تتعارض معها. وتقع مسؤولية إدارة هذين الالتزامين المزدوجين على عاتق الطبيب وتنظّمهما قواعد أخلاقية محدَّدة (انظر القسمين الثاني والثالث أدناه).
3- السرِّية الطبِّية:
الالتزام بالسرِّية الطبِّية واجب أخلاقي ملزم للطبيب حيال مريضه بما في ذلك عقب وفاة المريض، وذلك وفقًا لإعلان جنيف لعام 1948. ومع ذلك، فقدَ هذا الواجب طبيعته المطلقة في الصياغة التي اختارتها المدوَّنة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب في عام 2006، وعُدِّلت في عام 2022 لاستعادة قيمته الصارمة. وبحسب صيغة المدوَّنة لعام 2006، يتسق مع أخلاقيات مهنة الطب أن يتم الكشف عن معلومات سرية عندما يوافق المريض على ذلك، أو عندما يكون هناك خطر بالغ حقيقيٌّ ووشيك على المريض أو على الآخرين ولا يمكن إزالة هذا الخطر إلا من خلال خرق السرية.. كانت هذه الصيغة مربكة للغاية مع نظام الإبلاغ الإلزامي في بعض التشريعات الوطنية للحالات الطبية المدرجة مثل الإصابات بالرصاص والعنف المتعمد، بما في ذلك العنف الجنسي أو الاعتداء على القاصرين، فضلًا عن الأمراض المعدية الخطيرة.
في مثل هذه الحالات، يتم الكشف عن المعلومات التي تحميها عادة السرية الطبية للسلطات القضائية أو الشرطة، ويتم تبرير ذلك على أساس الحماية القانونية للمريض أو النظام العام أو مكافحة الإفلات من العقاب. تشكل هذه الحالات خطرًا كبيرًا لانتهاك السرية الطبية. لتجنب هذا الخطر، يجب ضمان أن يتمكن الطبيب من الحفاظ على الالتزامين الأخلاقيين الآخرين: العمل لصالح المريض وبموافقته، أو ضمن الإطار الأخلاقي للموافقة بالنسبة للمرضى غير القادرين على اتخاذ القرار. كما يجب ضمان عدم معاقبة الطبيب إذا رفض الكشف عن المعلومات لأسباب أخلاقية طبية. إذا تم استيفاء هذين الشرطين، فإن الالتزام بالكشف عن المعلومات المنصوص عليه في القانون لا يغير الإطار الأخلاقي للرعاية، بل يهدف إلى حماية الطبيب من الإجراءات القانونية التي قد يتخذها المريض أو ممثله. وإلا فإن الالتزام بإخطار السلطات يتعارض مع الأخلاقيات الطبية ويخاطر الطبيب بالعقاب لقيامه بالتصرف وفقًا للأخلاقيات الطبية. ويوجد هذا الخطر في بعض القوانين أو اللوائح الوطنية المثيرة للجدل. وقد أظهر تحليل مقارن للتشريعات الوطنية المتعلقة بالإبلاغ الإلزامي أنه يمكن أن يكون له تأثير سلبي على توفير الرعاية الصحية وعلى الرعاية الطبية التي تراعي أخلاق مهنة الطب لضحايا العنف، بما في ذلك في حالات النزاع المسلح.
للحد من هذا الخطر، شددت النسخة المنقحة من المدوَّنة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب لعام 2022 على صياغة قاعدة السرية الطبية ومحتواها. ولا يتوقف سريان هذه القاعدة بوفاة المريض. وتقتصر مبررات محتملة محددة لخرق السرية على "الحالات الاستثنائية، عندما يكون الكشف ضروريًّا لحماية التزام أخلاقي هام وملزم" (الفقرة 22 من المدونة). لم يعد التبرير يشير بشكل عام إلى تهديد للمريض أو للآخرين قد يكون مشمولًا بالالتزامات القانونية المحلية. لا يمكن أن يستند قرار الطبيب إلا إلى أسس أخلاقية، وليس إلى الامتثال القانوني.
عندما تستند متطلبات الإبلاغ إلى مبرر يتعلق بالصحة العامة، فإنها عادة ما تكون موجهة إلى السلطات الصحية ويمكن تنفيذها مع الحفاظ على سرية هوية المريض. قد يتوافق هذا الإبلاغ الطبي مع أخلاقيات الطب الدولية على النحو المنصوص عليه في المدونة (الفقرتان 37 و38).
قد يتعرض مبدأ السرية الطبية للخطر بسبب وقوع التزامات متضاربة على عاتق الطبيب. ويجب حل التضارب بين هذه الالتزامات على أساس معايير أخلاقية أخرى فحسب (انظر أدناه، الفرع ثالثًا-2- ب والمربع المتعلق بالسرية الطبية). وإذا كان الكشف عن معلومات معينة من شأنه أن يضر بالمريض، فعلى الطبيب التزام أخلاقي باحترام السرية والتصرف بما يخدم مصلحة المريض. وإذا كان عدم الكشف عن المعلومات من شأنه أن يضر بشخص آخر، فإن الطبيب لا يزال عليه الحصول على موافقة المريض.
في جميع الحالات، يجب على الطبيب أن يبلغ المريض مسبقًا بطبيعة ومدى أي التزام بالإفصاح وأن يحصل على موافقته على مثل هذا التفاعل (الفقرة 23). وتُعد الحالات الاستثنائية التي تنطوي على تحديات أخلاقية هي تلك التي قد تختلف فيها مصلحة المريض عن قرار وموافقة ممثل المريض، أو عندما لا تكون الموافقة ممكنة.
تجيز معظم القوانين الوطنية مثل هذه الاستقلالية الأخلاقية لقرار الطبيب، ويجيز أيضًا العديد من الولايات القضائية للأطباء الإبلاغ عن الحالات، بدلًا من إلزامهم بذلك. يكمن الغرض الرئيسي من ذلك في توفير الحماية اللازمة للطبيب من أن يقدم المريض أو ممثل المريض شكوى ضده في مثل هذه الحالات، ولا توجد عقوبات ضد الأطباء الذين لا يبلغون عن حالة ما. تقيد قوانين وطنية أخرى الاستقلالية الأخلاقية للأطباء. لذلك من المهم أن يتمكن الأطباء من الرجوع إلى المعايير المهنية الدولية لأخلاقيات الطب في مواجهة مثل هذه القواعد الوطنية المتضاربة.
في حالات النزاع المسلح، يعزز القانون الدولي الإنساني الذي اعتمدته الدول القواعد المتعلقة بسرية المعلومات الطبية (انظر، ثانيًا 4).
فمن المهم أن يتمكن الأطباء من الاستناد إلى المعايير المهنية الدولية لأخلاقيات مهنة الطب وقواعد القانون الدولي من أجل الحد من تطبيق القواعد الوطنية المتضاربة.
4- التصرف بما يخدم مصلحة المريض:
الالتزام بالتصرف بما يخدم مصلحة المريض يتضمَّن التزامًا بإحالة المريض إلى شخص مؤهل عندما تتجاوز الحالة الطبية القدرات المهنية للطبيب. ومن المحظور أيضًا تقديم علاج تتجاوز آثاره السلبية الفوائد العلاجية. وينظم هذا الالتزام أيضًا إمكانية تجاهل الموافقة، ويحظر التجارب الطبية إذا لم تكن في مصلحة المريض المباشرة، مع إيجاد توازن إيجابي بين المخاطر والفوائد المتوقَّعة، وإذا تم الحصول على موافقة المريض الحرة والمستنيرة (الفقرتان 14 و20).
تتضمن نسخة المدونة لعام 2022 التزامًا أخلاقيًّا صريحًا إضافيًّا يقضي بعدم مشاركة الطاقم الطبي في أعمال التعذيب أو غيرها من الممارسات والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو تسهيل ارتكابها (الفقرة 10). ويُعد وجود هذه القاعدة الأخلاقية مفيدًا بشكل خاص في البلدان التي يُلزم فيها القانون الأطباء بالمشاركة في مراقبة الإجراءات القمعية التي تتخذها الدولة. كما تعدل نسخة عام 2022 الإطار الأخلاقي للاستنكاف الضميري للأطباء لتشمل التأثير على المرضى الذين لديهم معتقدات ضميرية متضاربة. وتؤكد أن الاستنكاف الضميري للطبيب إجراء طبي قانوني لا يجوز ممارسته إلا إذا لم يتضرر المريض الفردي أو يتعرض للتمييز وإذا لم تتعرض صحة المريض للخطر (الفقرة 29).
الهدف المتوخى هو إدراج هذه المبادئ الأخلاقية في مدونات سلوك أخلاقية مهنية بهدف تنسيق وحماية جودة خدمات الرعاية الطبية المقدمة واستقلالها في مواجهة التدخلات والضغوط الخارجية (الفقرتان 39 و40)، ويتم أحيانًا إدراجها في قوانين وطنية، وهو ما يجعلهاملزِمةقانونًا.
ويُسمَح للأطباء بممارسة المهنة في البلد الذي هم مسجلون فيه لدى نقابة الأطباء، باستثناء عمليات الإسعافات الأولية (المعروفة باسم أعمال السامري). كما أن ممارسة الطب في بلد أجنبي غير مسموح بها إلا بما يتفق مع قواعد وشروط هذا البلد. ويظل الأطباء العاملون في الخارج، ولا سيما في سياق العمل الإنساني، خاضعين لمتطلب مزدوج يتمثل في الامتثال للمعايير الأخلاقية لنقابة الأطباء في بلدهم الأصلي علاوةً على القوانين والقواعد المطبَّقة في البلد الذي يعملون فيه.
ب) القواعد الأخلاقية المطبقة على البحوث الطبية
وتبنَّت الجمعية الطبية العالمية أيضًا إعلانات محددة بشأن البحوث الطبية وحقوق المرضى هي:
• إعلان هلسنكي الصادر عن الجمعية الطبية العالمية في عام 1964 والمعدل آخر مرة في عام 2013، ويتعلق بقواعد الأخلاقيات الطبية في مجال البحث الطبي الذي يشمل البشر، بصيغته المعدلة في أعوام 1975 و1983 و1989 و1996 و2000 و2002 و2004 و2008 و2013 (انظر أدناه، المربع الخاص بالقواعد الأخلاقية في مجال البحوث الطبية)؛
• إعلان تايبيه الصادر عن الجمعية الطبية العالمية في عام 2002 بشأن الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بقواعد البيانات الصحية والبنوك الحيوية.
• إعلان الجمعية الطبية العالمية في لشبونة بشأن حقوق المريض، المعتمد في عام 1981 والمعدل في عام 1995 والمؤكد من جديد في عامي 2005 و2015.
☜قواعد أخلاقية في مجال البحث الطبي
يحدِّد دستور نورمبرغ لعام 1947 المبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب في أمور البحث الطبي. ويتضمَّن الدستور عشرة مبادئ من بينها ضرورة طلب الحصول على موافقة المريض الذي يشارك في البحث (المادة 1)، وإمكانية أن يترك المريض البحث في أي وقت (المادة 9)، والتزام الباحث بتقييم المخاطر المرتبطة بالبحث، وضمان ألا يتعرض المريض لأي ضرر بدني (المواد 4-7).
جرى تعزيز تلك القواعد لتشمل حالات النزاعات المسلَّحة والاحتجاز. المبدأ 22 من ”مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن“ التي تبنَّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 1988 (المقرر 43/173) ينصُّ على أنه «لا يكون أي شخص محتجَزٍ أو مسجونٍ، حتى برضاه، عرضةً لأن تُجرى عليه أية تجارب طبِّية أو علمية قد تكون ضارَّة بصحته».
هذا الشرط تم توضيحه أيضًا في سياق النزاعات المسلَّحة الدولية في البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف، الصادر في عام 1977، والذي ينصُّ على أنه يُحظر تعريض المحتجَزين أو الأشخاص المحرومين من حريتهم لأي تجارب طبية أو علمية، أو استئصال الأنسجة أو الأعضاء، بغية استزراعها، إلا حيثما كان لهذه الأعمال ما يبرِّرها بما تقتضيه الحالة الصحية للشخص المعني، وبما يتفق مع المعايير الطبِّية المرعية التي قد يطبِّقها الطرف الذي يقوم بالإجراء على رعاياه المتمتعين بكامل حريتهم في الظروف الطبية المماثلة (البروتوكول 1، المادة 11).
إعلان هلسنكي، الصادر عن الجمعية الطبية العالمية في عام 1964 وعُدِّل عدة مرات (آخرها في تشرين الثاني/أكتوبر 2013)، يكمل قواعد السلوك الأخلاقية التي تطبَّق في البحث الطبي الذي يشمل البشر. ينصُّ الإعلان على 35 مبدأ من بينها ما يلي:
يجب أن تكون لسلامة الخاضعين للبحث الأولوية على أي اعتبارات أخرى (المبدأ 6)؛ ويجب وصْف البحث وصفًا وافيًا في بروتوكول البحث (المبدأ 14)؛ ويجب عرْض هذا البروتوكول على لجنة أخلاقية محايدة (المبدأ 15)؛ ويجب على الباحث الحصول على موافقة المريض عن علم بالموضوع. ويجب ألا تقلَّص أي اشتراطات أخلاقية أو قانونية أو تنظيمية ـ وطنية كانت أو دولية ـ أو تُلغىمنأيمنسبُلالحمايةللأشخاصموضوعالبحثوالذينصَّ عليه الإعلان (المبدأ 10).
إعلان تايبيه الصادر عن الجمعية الطبية العالمية في عام 2002 يتناول الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بقواعد البيانات الصحية والبنوك الحيوية. ويهدف الإعلان إلى تغطية جمع وتخزين واستخدام بيانات المرضى القابلة للتعريف والمواد البيولوجية لأغراض تتجاوز رعاية المريض الفردية. ويكيف القواعد الأخلاقية مع المعضلات والمخاطر الأخلاقية المحددة المتعلقة، في جملة أمور، بانتهاكات السرية الطبية، وموافقة المريض المستنيرة الخالية من الضغوط، وتضارب المصالح، ووصول المريض إلى تقاسم المنافع في مجال البحوث الطبية.
الإعلان العالمي بشأن الأخلاقيات الحيوية وحقوق الإنسان الذي اعتمدته اليونسكو في عام 2005، يوفر إطارًا أخلاقيًّا وقانونيًّا أساسيًّا للبحوث والممارسات الطبية في هذا المجال. ويكمله مبادرة منظمة الصحة العالمية لتعزيز شبكة عالمية من مراكز التعاون التابعة لمنظمة الصحة العالمية في مجال الأخلاقيات الحيوية.
اللوائح الدولية المطبقة على البحث الطبي أقل صرامةً من بعض اللوائح الوطنية، لا سيما في البلدان الغربية. ويتيح هذا لبعض المنظمات التي تُجري بحوثًا طبية في بعض البلدان تطبيق الحد الأدنى من قواعد الحماية ومعاييرها. وفي مثل هذه الحالة يطبَّق معياران: يتعلق الأول بالحرية الفعلية للمريض عندما يعطي موافقته، ويشمل ذلك عدم الضغط على حقه في الرعاية إذا رفض. والمعيار الثاني معني بالتوازن بين المنافع المباشرة والمخاطر المتوقَّعة على المريض. ومن أجل ضمان تطبيق قواعد الحماية تلك، تشترط التشريعات الدولية والأوروبية التزامًا مزدوجًا باحترام القواعد القانونية والأخلاقية المطبَّقة في البلد الذي يُجرى فيه البحث وفي بلد الأصل للباحثين القائمين على البحث.
ج) الجمعيات الطبية الدولية الأخرى
بالإضافة إلى الجمعية الطبية العالمية، هناك العديد من الجمعيات الدولية والإقليمية التي تمثل مختلف المهن الصحية، مثل الجمعية العالمية للطب النفسي والمجلس الدولي للممرضين والممرضات.
وعلى الصعيد الإقليمي، توجد المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية واتحاد الجمعيات الطبية الإسلامية التي تناقش القواعد الأخلاقية المناسبة لأنشطتها أو ولاياتها. على سبيل المثال، اعتمد المؤتمر الدولي الأول للطب الإسلامي في عام 1981 مدونة الأخلاقيات الطبية والصحية الإسلامية، المعروفة أيضًا باسم إعلان الكويت. وقد تم تنقيحها وتوسيعها في عام 2004 من قبل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.
في حالات النزاع المسلح (ثانيًا) والاحتجاز والتعذيب (ثالثًا)، تحظى أخلاقيات الطب أيضًا بحماية الصكوك الدولية التي اعتمدتها الدول. تعزز هذه الصكوك المبادئ الأخلاقية وتكملها. من المهم أن يتمكن الأطباء من الرجوع إلى هذه الصكوك الدولية بالإضافة إلى القواعد المهنية الواردة في المدونة الدولية للأخلاقيات.
ثانيًا - قواعد خاصة بأخلاقيات مهنة الطب المطبقة في حالات النزاع المسلَّح
يتضمن القانون الدولي الإنساني التعاهدي والعرفي العديد من الأحكام التي تهدف إلى حماية أخلاقيات مهنة الطب في حالات النزاع المسلح والاحتجاز، حيث قد تتعرض استقلالية الأطباء للخطر من قبل أطراف النزاع والجهات المسلحة التابعة لها. تؤكد هذه القواعد على الضرورة القانونية والأخلاقية لتوفير الرعاية الطبية لجميع الجرحى والمرضى دون تمييز، بما في ذلك أولئك المرتبطون بالعدو (1). ويشكل عدم الامتثال لمبادئ أخلاقيات مهنة الطب انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني (2). وتؤكد هذه القواعد استقلالية الخدمات الطبية والعاملين فيها، وحمايتهم من التدخل العسكري وحصانتهم من العقاب (3). كما تعزز هذه القواعد ضرورة احترام السرية الطبية في حالات النزاع (4).
☜ترتبط الحماية الشاملة التي يوفِّرها القانون الدولي الإنساني للمهمة الطبية في أوقات النزاع باحترام مبادئ أخلاقيات مهنة الطب. وبفضل اتفاقيات جنيف أصبحت قواعد أخلاقيات مهنة الطب قواعد ملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني وتشكل حاليًّا جزءًا من القانون الدولي الإنساني العرفي. ويعني هذا أن القواعد الوطنية أو الأوامر العسكرية التي تتعارض مع هذه المبادئ لا يجوز تطبيقها على الموظفين الطبيين مهما كانت الظروف. ويحمي الالتزام باحترام أخلاقيات مهنة الطب الأطباء من الضغوط من قوَّات الأمن أو العسكريين للمشاركة في أعمال تعذيب، أو إساءة معاملةِ الجرحى والمرضى في حالات النزاعات المسلَّحة، أو بحق المحتجَزين والمحرومين من حريتهم.
وتنصُّ اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977 وكذلك القانون الدولي الإنساني العرفي على أنه ”لا يجوز بأي حال من الأحوال توقيع العقاب على أي شخص لقيامه بنشاط ذي صفة طبية، يتفق مع شرف المهنة الطبية، بغض النظر عن شخص المستفيد من هذا النشاط“. (البروتوكول 1، المادة 16(1)؛ البروتوكول 2، المادة 10 (1)؛ القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة 26).
أيّ عمل لا يتفق مع أخلاقيّات مهنة الطب، أو يعرّض للخطر الصحة البدنية أو العقلية لفرد ما، وكذلك أيّ رفض متعمَّد لتقديم الرعاية الضرورية لجريح أو مريض، يُعَدّ جريمةَ حرب (اتفاقيّة جنيف 1، المادّة 50؛ اتفاقيّة جنيف 2، المادّة 51؛ اتفاقيّة جنيف 3، المادّة 130؛ اتفاقيّة جنيف 4، المادّة 147؛ البروتوكول 1، المادّة 11، القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة 156).
في حالات النزاع، يقضي القانون الدولي الإنساني بوجوب حماية الجرحى والمرضى وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم من دون تمييز وتأخير، وبما يتفق مع قواعد أخلاقيات مهنة الطب. وهذا الشرط في صُلب القانون الدولي الإنساني منذ اتفاقية جنيف الأولى لعام 1864. ولا يقدِّم القانون الدولي الإنساني تعريفًا دقيقًا لمحتوى أخلاقيات مهنة الطب، إلا أن عدة مواد تشير إلى حماية المهمة الطبية، والتي تنظََّم على اتجاهين اثنين، الأول بتطلب الحماية للجرحى والمرضى ويحظُر أي عمل لا يتوافقمعأخلاقياتمهنةالطب (1). قد تشكل الانتهاكات الجسيمة لهذه القواعد الأساسية للأخلاقيات والواجبات الطبية جرائم حرب (2). أما الثاني فيحمي الاستقلال وذاتية القرار للأطباء الذين يجب عليهم في المقابل الدفاع عن الطبيعة الأخلاقية والحيادية والنزيهة للهياكل والوحدات والأنشطة الطبية (3). يتم دعم استقلالية الطبيب بشكل خاص من خلال تعزيز حماية السرية الطبية (4).
1 - الالتزام بتوفير الرعاية والحماية للجرحى والمرضى
تُعَدُّ حماية المهمة الطبية في النزاع المسلَّح أحد العناصر الأساسية في القانون الدولي الإنساني العُرفي والاتفاقي. وتاريخيًّا، كان تأسيس الصليب الأحمر في البداية على يد هنري دونان في عام 1864 يهدف لتنظيم الرعاية الطبية التي تقدَّم للجرحى والمرضى في ساحة المعركة. وبموجب القانون الدولي، لا يجوزتركأيشخصعمْدًامندونمساعدةطبية أو رعاية طبية.
وحجْب المساعدة، أو التمييز في تقديم الرعاية، محظور بشدَّة. تنصُّ المادة المشترَكة الثالثة في اتفاقيات جنيف الأربع التيتطبَّق في كلالظروف والأوقات علىأنه يجب نقلالجرحى والمرضى ورعايتهمومعاملتهم بطريقة إنسانيةوكريمة من دونتمييز على أساسالعرق، أو الدين،أو الاعتقاد، أوالنوع، أو الميلاد،أو الثروة، أوأي معايير أخرى مشابهة. وتم تعزيز هذا الالتزام في عام 1977 من طريق البروتوكولين الإضافيين إلى اتفاقيات جنيف المعنيَّين بالنزاعات المسلَّحة الدولية (البروتوكول 1)،والنزاعات المسلَّحة غير الدولية (البروتوكول 2). وينصُّ البروتوكولان على أنه يجب احترام الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار وحمايتهم أيًّا يكن الطرف الذي ينتمون إليه. وهذا يعني أن علاج جرحى ومرضى العدو ليس فقط إلزاميًّا بل هو أمر محايد بموجب القانون الدولي الإنساني ولا يمكن اعتباره عملًا غير ودي أو عدائيًّا. ويعتبر الجرحى والمرضى بموجب القانون الدولي الإنساني خارج نطاق القتال ويجب في جميع الأحوال، أن يعامَل أي منهم معاملة إنسانية، وأن يلقى، قدر المستطاع، وبالسرعة الممكنة، الرعاية الطبية والعناية التي تتطلَّبها حالته. ويجب عدم التمييز بينهم لأي اعتبار سوى الاعتبارات الطبية (البروتوكول 1، المادة 10؛ والبروتوكول 2،المادة 7).
وتذكر القاعدة 110 مندراسةالقانونالدوليالإنسانيالعرفي، أن للجرحى والمرضى الحق في الحصول على الرعاية الطبية من دون تمييز على أي أساسٍ سوى الاعتبارات الطبية. وتطبَّق هذه القاعدة في النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية.
وفي ما يتعلقبمنعالتمييزفيتقديمالرعايةالطبية، تؤكد المدوَّنة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب على أنه على الطبيب ممارسة الطب دون تحيز أو سلوك تمييزي قائم على معايير غير طبية. وتنص على أن على الأطباء واجبًا مزدوجًا: إعطاء الأولوية لرعاية المريض الفردية وفقًا للمعايير الطبية والمساهمة في رفاه المجتمع. وعليهم تقديم رعاية غير متحيزة، وتلبية احتياجات المرضى الصحية دون تمييز على أساس عوامل مختلفة. (الفقرتان 1 و2 من مدونة قواعد السلوك الطبي الدولي). هذه المدوَّنة غير ملزِمة في حدِّ ذاتها للدول، لكن قيمتها القانونية في حالة النزاع المسلَّح يدعمها الالتزام باحترام أخلاقيات مهنة الطب وفق ما نصَّ عليه القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الإنساني المعمول به.
2- الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني
في إطار دعم الالتزام الطبي بمعالجة جميع الجرحى والمرضى وفقًا لأخلاقيات مهنة الطب، يُدرج القانون الدولي الإنساني بعض الانتهاكات ذات الصلة في فئة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي ترقى إلى جرائم حرب، والتي يمكن مقاضاتها بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو أمام المحاكم الوطنية بموجب نظام الاختصاص العالمي.
يُعد القتل العمد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب البيولوجية والتسبُّب عمدًا في معاناة شديدة أو إصابات خطيرة للبدن أو الصحة، والتي تُرتكب بحق أشخاص محميِّين بموجب اتفاقيات جنيف، بمن فيهم الجرحى والمرضى، انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني (اتفاقية جنيف 1،المادة 50). وقد تم توضيح هذا الحظر الجنائي بشكل أكبر في عام 1977 في المادة 11 من البروتوكول الإضافي الأول، التي تنص على ما يلي:
المادة 11.
1- يجب ألا يمسَّ أي عمل أو إحجام لا مبرِّرلهما بالصحة والسلامةالبدنية والعقلية للأشخاصالذين هم فيقبضة الخصم، أويتم احتجازهم، أواعتقالهم، أو حرمانهم،بأي صورة أخرى، من حريتهم (نتيجةً لأسباب مرتبطة بالنزاع). ومن ثَمَّ يُحظَر تعريض الأشخاص المشار إليهم في هذه المادة لأي إجراء طبي لا تقتضيه الحالةالصحية للشخص المعني،ولا يتفق معالمعايير الطبية المرعيةالتي يطبِّقها الطرف الذي يقوم بالإجراء على رعاياه المتمتعين بكامل حريتهم في الظروف الطبية المماثلة.
2- يُحظر، بصفة خاصة، أن يُجرى لهؤلاء الأشخاص، ولو بموافقتهم، أي مما يلي: (أ) عمليات البتر؛ (ب) التجارب الطبية أو العلمية؛ (ج) استئصال الأنسجة أو الأعضاء بغية استزراعها، وذلك إلا حيثما يكـون لهذه الأعمال ما يبرِّرها وفقًا للشروط المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة.
3 - لا يجوز الاستثناءمنالحظرالواردفيالفقرةالثانية (ج) إلا في حالة التبرع بالدم لنقله،أو التبرع بالأنسجة الجلدية لاستزراعها، شريطة أن يتم ذلك بطريقة طوعية ومن دون قهر أوغواية، وأن يُجرى ذلك لأغراض علاجية فقط، وبشروط تتفق مع المعايير والضوابط الطبية المرعية، وبالصورة التي تكفل صالح كلٍّ من المتبرع والمتبرَّع له.
كما أضيف حجب الرعاية عن عمد إلى الانتهاكات الجسيمة المدرجة في المادة نفسها، التي تنص على ما يلي: ”يُعَدُّ انتهاكًا جسيمًا لهذا البروتوكول، كل عمل عمدي، أو إحجام مقصود، يمسُّ بدرجـة بالـغة بالصحـة أو بـالسلامة البدنية أو العقلية لأي مـن الأشخـاص الذين هم في قبضة طرف غير الطرف الذي ينتمون إليه، ويخالـف المحظورات المنصوص عليها في الفقرتين الأولى والثانية، أو لا يتفق مع متطلبات الفقرة الثالثة“ (البروتوكول 1، المادة 11-4).
وتشكل هذه الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني جرائم حرب تخضع للملاحقة الجنائية الوطنية أو الدولية، سواء ارتكبت في سياق نزاعات مسلحة دولية أو غير دولية، وفقًا للمواد: 8-2-أ) (2) و(3)؛ و8-2- ب (ق) و(ر)؛ و8-2-(ج (ط) و(ي) و8-2 –هـ (و) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبالفعل، فإن المادة الثالثة المشتركة فيما بين اتفاقيات جنيف التي تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية، تقضي برعاية الجرحى والمرضى دون تمييز. كما تحظر العنف الذي يستهدف الحياة والشخص، لا سيما القتل بكلأشكاله، والبتر، والمعاملةالقاسية، والتعذيب، وكذلكالانتهاكات للكرامة الشخصية خاصةً بحق الجرحى والمرضى. وأقرَّت النظُم القانونية الدولية بأن انتهاكات المادة الثالثة تُعتبر انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب.
تلك المحظورات، ومثلها في ذلك متطلبات حماية الجرحى والمرضى، هي حاليًّا جزء من القانون الدولي الإنساني العرفي المعمول به في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء.
وتؤكد القاعدة 90 من القانون الدولي الإنساني العرفي حظر التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وانتهاك الكرامة الشخصية.
كما تؤكد القاعدة 92 أن”البترأوالتجاربالطبيةأوالعلميةأوغيرذلكمنالإجراءاتالطبيةالتيلا تقتضيهاالحالةالصحيةللشخص المعني، ولا تتفق مع المعايير الطبية المرعية، هي إجراءات محظورة“. وتطبَّق تلك القواعد في النزاعات المسلَّحة الدولية وغير الدولية على حد سواء.
← ضمانات أساسية؛ سوء المعاملة؛ تعذيب؛ جرائم حرب/ جرائم ضدَّ الإنسانية؛ الأشخاص الجرحى والمرضى
3- حماية استقلال الطبيب والأنشطة الطبية
يرسي القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة تحمي استقلال أفراد الخدمات الطبية أثناء تنفيذ أنشطتهم الطبية، ومن ثَمَّ قدرتهم على احترام أخلاقيات مهنة الطب والدفاع عنها في مواجهة الضغوط الخارجية.. وتعتبر هذه القواعد قواعد عرفية من قواعد القانون الدولي الإنساني تنطبق على قدم المساواة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية:
أ) الالتزام باحترام وحماية العاملين في المجالين الطبي والديني
يجب احترام وحماية العاملين في المجالين الطبي والديني. كما يجب تزويدهم بكل المساعدة المتاحة لأداء واجباتهم، ولا يجوز إجبارهم على القيام بمهام تتعارض مع مهمتهم الإنسانية (البروتوكول 1، المادة 15، والبروتوكول 2، المادة 9 -1)؛ تؤكد القاعدتان 25و28 من القانون الدولي الإنساني العرفي المعمول به الالتزام باحترام وحماية العاملين في المجال الطبي والوحدات والخدمات الطبية في جميع الظروف.
ب) الالتزام بتقديم الرعاية دون تمييز
لا يجوز للطاقم الطبي أو أي شخص آخر التمييز في رعاية الجرحى والمرضى على أساس معايير غير طبية (البروتوكول 1، المادة 10-2).
”يجب احترام أفراد الخدمات الطبية المدنيِّين والهيئات الدينية وحمايتهم. ويجب تقديم كل المساعدة الممكنة لهم لأداء واجباتهم، ولا يجوز إرغام هؤلاء الأفراد على أداء مهام لا تتلاءممعمهمتهمالإنسانية“ (البروتوكول 2،المادة 9-2)؛
ج) الحصانة الطبية والإعفاء من العقاب
يؤكد القانون الدولي الإنساني والقانون العرفي المطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية بوضوح حصانة وإعفاء العاملين في المجال الطبي الذين يمارسون أنشطتهم وفقًا للأخلاقيات المهنية.
يفرض القانون الدولي الإنساني التعاهدي نوعين متكاملين من الحظر لهذا الغرض:
ينص على أنه ”لا يجوز بأي حال من الأحوال توقيع العقاب على أي شخص لقيامه بنشاط ذي صفة طبية يتفق مع شرف المهنة الطبية بغض النظر عن شخص المستفيد من هذا النشاط" (البروتوكول 1، المادة 16 -1؛ والبروتوكول 2، المادة 9-2، والمادة 16-1، والبروتوكول 2، والمادة 10-1).- كما ينص على أن: "لا يجوز إرغام الأشخاص الذين يمارسون نشاطًا ذا صفة طبية علي إتيان تصرفات أو القيام بأعمال تتنافى وشرف المهنة الطبية أو غير ذلك من القواعد الطبية التي تستهدف صالح الجرحى والمرضى أو أحكام الاتفاقيات وهذا اللحق "البروتوكول" أو علي الإحجام عن إتيان التصرفات والقيام بالأعمال التي تتطلبها هذه القواعد والأحكام" (البروتوكول 1، المادة 16-2؛ والبروتوكول 2، المادة 10-2).
ويؤكد القانون الدولي الإنساني هذه الأحكام وينص على أن "يحظر إنزال العقاب على شخص لقيامه بواجبات طبية تتفق مع شرف المهنة الطبية أو إرغام شخص يمارس أنشطة طبية على القيام بأعمال تتنافى وشرف المهنة الطبية" (القاعدة 26 من القانون الدولي الإنساني العرفي).
أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذه القواعد بشكل رسمي في القرار 2286 الذي اعتمد في عام 2016 في أعقاب الهجمات على المستشفيات. وهي ذات صلة خاصة باحترام الأطباء للسرية الطبية وقاعدة عدم العقاب.
4- تعزيز السرِّية الطبِّية في حالات النزاع المسلح
ُعدُّ احترام السرِّية الطبِّية قاعدة أساسية من قواعد أخلاقيات مهنة الطب تنطبق في جميع الأوقات (انظر أعلاه، الفرع أولًا). في حالات النزاع المسلح، يعد تعزيز السرية الطبية التي تكتنف العلاقة بين الطبيب والمريض جانبًا مهمًّا من جوانب حماية المهمة الطبية بموجب القانون الدولي الإنساني. ويهدف هذا التعزيز إلى مراعاة الضعف الخاص الذي يتعرض له المرضى ومقدمو الرعاية وحاجتهم المتزايدة للحماية في حالات النزاع المسلح والاحتجاز. ويستند هذا التعزيز، من ناحية، إلى التذكير بأولوية القواعد الأخلاقية للسرية الطبية على الالتزامات القانونية الأخرى (أ) ومن ناحية أخرى، إلى التفسير الصارم للاستثناءات من السرية الطبية بموجب القانون الدولي الإنساني (ب).
أ) أولوية أخلاقيات المهنة الطبية على القواعد المتعارضة
قد تكون السرِّية الطبِّية مقيدة في أوقات السلْم بالالتزامات المتعلقة بالطب الجنائي التي يفرضها القانون المحلِّي. وقد تتطلب تلك الالتزامات من الأطباء إبلاغ السلطات العامة بأمراض معدية معيَّنة، أو حالات عنف؛ والمرضى المصابين بالرصاص، وضحايا العنف الجنسي، وضحايا سوء المعاملة من الأطفال. إلا أن أحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما القواعدالمتعلقة بأخلاقيات مهنةالطب، تمنح مبدأ السرِّية الطبِّية الأولويةَ على أي قواعد تنظيمية تتعارض معه.
لذلك، لا يمكن للطبيب رفع السرية الطبية إلا إذا تم استيفاء ثلاثة شروط أخلاقية تراكمية:
1: أن يكون القرار في مصلحة المريض،
2: ألا يتسبب القرار في إلحاق الضرر بالمريض، و
3: أن يتم اتخاذ القرار بموافقة المريض الحرة والمستنيرة.
لا يجوز أن يعفي رفع السرية الطبية بناءً على طلب السلطات الوطنية أو بموجب أمر قضائي الطبيب من الامتثال لهذه القاعدة. فالالتزام القانوني لا يعفي الطبيب من واجبه في اتخاذ قرار بناءً على المعايير الأخلاقية الثلاثة المذكورة أعلاه. بل يحميه من أي شكوى من المريض أو ممثليه القانونيين.
حتى في الحالات التي تنطوي على جرائم خطيرة للغاية، تحمي القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة الجنائية الدولية السرِّية الطبِّية، حتى في حالة محاكمة أسوأ الجرائم، ولا تقبل أي معلومات يتم الحصول عليها من طريق انتهاك هذه السرّية المهنية ما لم يوافق عليها المريض (القاعدة 73 من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة الجنائية الدولية).
☜ السرية الطبية ونظام الإبلاغ الإلزامي الوطني
قَسَم أبقراط يطالب الأطباء بالسرِّية بالفعل: «كل ما يأتي إلى علمي أثناء ممارستي لمهنتي أو في مخالطتي اليومية مع الناس، مما يجب ألَّا ينشر، سأكتمه سرًّا ولن أفشيه أبدًا».
• تحمي المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب السرِّية الطبِّية.
• يكفل القانون الدولي الإنساني الحماية للسرِّية الطبِّية وفي حالات النزاعات المسلحة. ويجب على أفراد الخدمات الطبية الذين يقومون على رعاية المرضى والجرحى احترام السرِّية الطبِّية في علاقة الطبيب بالمريض بشكل صارم، والامتناع عن كشف المعلومات الطبية المشمولة بالحماية للسلطات المعادية (بروتوكول 1، المادة 16-3). يكمن الهدف من ذلك في منع استخدام المعلومات الطبية التي تُنقَل إلى السلطات التي قد تضر بالمريض، وربما تُستخدم كوسيلة ضغط أو لحرمان بعض الجرحى والمرضى من الحصول على الرعاية الطبية.
• بموجب القانون الدولي الإنساني، القانون وحده هو ما ينظم القيود على مبدأ السرِّية الطبِّية. مجرد صدور أمر أو لائحة من جانب سلطة عسكرية أو إدارية لا يجيز للطبيب انتهاك التزامه بالسرِّية الطبِّية.
• يحظر القانون الدولي الإنساني أيضًا توقيع أي عقوبة على طبيب يرفض انتهاك السرِّية الطبِّية في أوقات النزاعات المسلَّحة حتى لو كان القانون الوطني يتطلب الكشف عن معلومات طبية محمية في حالات الإصابات بالأعيرة النارية وغيرها من أعمال العنف، بما في ذلك العنف الجنسي (بروتوكول1، المادة 16-1؛ بروتوكول 2، المادة 10-1، والقانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة 26).
• التوجُّه الحالي يهدف إلى توضيح المعضلة بين أخلاقيات مهنة الطب والقانون، وذلك بإقرار حظر أخلاقي مطلَق على إفشاء معلومات طبِّية ما لم يكن ذلك في مصلحة المريض وعن رضا منه.
• على الرغم من القواعد الوطنية والدولية التي تحمي السرية الطبية، غالبًا ما يواجه أفراد الخدمات الطبية في الممارسة العملية قواعد وطنية متضاربة تتطلب الكشف الإلزامي عن المعلومات الطبية للسلطات.
• لا تغلب الالتزامات بالكشف عن المعلومات المنصوص عليها في القانون الوطني على الالتزام بالسرية الطبية.
• لا يمكن أن يكون نقل المعلومات الطبية المطلوبة بموجب القانون تلقائيًّا أبدًا.
• لا يجوز أن ينقل أفراد الخدمات الطبية المعلومات إلا وفقًا للقواعد الأخلاقية التي تتطلب موافقة المريض وضمان أن يكون هذا النقل في مصلحة المريض ولن يضر به.
• حل الإجماع القانوني الدولي التعارض المحتمل بين أخلاقيات مهنة الطب والالتزام القانوني بالإبلاغ عن المعلومات الطبية من خلال الاعتراف بحظر أخلاقي مطلق على الكشف عن هذه المعلومات ما لم يكن ذلك في مصلحة المريض وبموافقته.
• أعيد تأكيد أولوية أخلاقيات مهنة الطب في وثائق دولية حديثة مثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2286 لعام 2016، ونسخة المدوَّنة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب لعام 2022، واستنتاجات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها لعام 2020 حول الآثار الإنسانية للإبلاغ الإلزامي عن الحصول على الرعاية الصحية.
ب) التفسير الصارم للاستثناءات من السرية الطبية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني
تعتبر قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالسرية الطبية أكثر تفصيلًا في حالات النزاعات المسلحة الدولية منها في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. وهذا لا يعني أن هذه القواعد لا تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية. بل على العكس، يجب تفسير القواعد الأكثر تفصيلًا المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية وتطبيقها بالقياس على النزاعات المسلحة غير الدولية من أجل احترام روح القانون الدولي الإنساني في هذا الشأن والالتزام العام بتفسير أي استثناء خاص لمبدأ عام مثل السرية الطبية تفسيرًا دقيقًا.
في حالات النزاعات المسلحة الدولية، يقر القانون الدولي الإنساني السرية الطبية تجاه الطرف المقابل في النزاع المسلح كمبدأ مطلق.
وينص على أنه لا يجوز إجبار أي شخص يمارس أنشطة طبية على إفشاء أي معلومات تتعلق بالجرحى والمرضى الذين هم أو كانوا تحت رعايته طالما يعتبر الطبيب أن هذه المعلومات قد تضر بالمرضى المعنيين أو بأسرهم.
لا يسمح القانون الدولي الإنساني إلا باستثناء واحد لهذه القاعدة. يتعلق هذا الاستثناء بطلبات الحصول على معلومات من سلطات الطرف في النزاع الذي ينتمي إليه الطبيب والتي تتعلق بالالتزام القانوني بالإبلاغ عن الأمراض المعدية (البروتوكول 1، المادة -16- 3).
في حالات النزاعات المسلَّحة الداخلية لا يكون لطرف من غير الدول في النزاع الحق في التمتع بالحقوق نفسها المكفولة للدولة. ومع ذلك يذكِّر القانون الدولي الإنساني بأن القانون وحده هو ما يمكنأنيفرضقيودًاعلىمبدأالسرِّية الطبِّية. وينصُّ البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 على أنه «تُحترم الالتزامات المهنية للأشخاص الذين يمارسون نشاطًا ذا صفة طبية في ما يتعلق بالمعلومات التي قد يحصلون عليها بشأن الجرحى والمرضى المشمولين برعايتهم، وذلك مع التقيُّد بأحكام القانون الوطني». (البروتوكول 2،المادة 10 ـ 3). ويؤكد أيضًا أنه«لا يجوز،بأي حال من الأحوال،توقيع العقاب على أي شخص يمارس نشاطًا ذا صفة طبية لرفْضه أو تقصيره في إعطاء معلومات تتعلق بالجرحى والمرضى الذين كانوا، أولا يزالون، مشمولين برعايته، وذلك مع التقيُّد بأحكام القانون الوطني». (البروتوكول 2،المادة 10 ـ 4).
وفي النزاع المسلَّح، سواء كان دوليًّا أو غير دولي، يسود وجوب احترام أخلاقيات مهنة الطب على أحكام القانون المحلِّي. وفي الحقيقة، وجملة القول بشأن هذه القضية، ينص القانون الدولي الإنساني، وهو الأعلى سلطة في هذا الشأن، على أنه لا يجوزبأي حال من الأحوال توقيع العقاب على أي شخص لقيامه بنشاط ذي صفة طبية يتفق مع شرف المهنة الطبية، بغض النظرعن شخص المستفيد من هذا النشاط. (البروتوكول 1،المادة 16 ـ 1؛البروتوكول 2،المادة 10 ـ 1).
ومع ذلك، في حالة النزاعات المسلحة غير الدولية، لا يزال هناك تناقض واضح في المادة 10 من البروتوكول الثاني الإضافي بين الحظر المطلق لمعاقبة أفراد الخدمات الطبية على الأنشطة التي تتوافق مع أخلاقيات المهنة (المادة 10-1) وإمكانية معاقبة أفراد الخدمات الطبية إذا كان القانون ينص على ذلك (المادة 10-4).
هذا التناقض ظاهري فقط، حيث تظهر القراءة المتأنية أن العقوبات تظل ممكنة، ولكن فقط للسلوك الذي لا يتوافق مع أخلاقيات مهنة الطب. وبالتالي، لا يجوز إجبار أو معاقبة أفراد الخدمات الطبية الذين يرفضون الكشف عن المعلومات المشمولة بالسرية الطبية وفقًا للقواعد الأخلاقية.
ومع ذلك، فإن هذا الوضع يشجع بعض الدول على تفسير القواعد بطريقة مفرطة في التقييد ويخلق حالة من عدم اليقين على الصعيدين القانوني والعملي تغذي الخوف بين بعض أفراد الخدمات الطبية وتقوض السرية الطبية تجاه ضحايا العنف في العديد من حالات النزاع المسلح. ولهذا الوضع آثار عملية لا على العاملين في المجال الطبي فحسب، بل أيضًا على سلامة ضحايا العنف وثقتهم في الرعاية الصحية وحصولهم عليها.
تتفاقم العوائق التي تحول دون حصول ضحايا العنف في النزاعات المسلحة على الرعاية الصحية بسبب تنوع الأطر الوطنية المحلية، كما يتضح من رأي قانوني بشأن التزام العاملين في مجال الرعاية الصحية بالإبلاغ عن الإصابات الناتجة عن طلقات نارية، نشره المعهد السويسري للقانون المقارن واللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2019. ويستند هذا التقرير إلى دراسة مختلف الأحكام المتعلقة بالسرية والإفصاح الواردة في التشريعات الوطنية لـ 22 بلدًا. وخلص التقرير إلى أن الاستنتاج العام الوحيد الذي يمكن استخلاصه من الدراسة المقارنة للتشريعات الوطنية يتعلق بالطبيعة العالمية لالتزام السرية بين الطبيب والمريض. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن هناك القليل من الاتساق بين البلدان في تشريعاتها الوطنية من حيث الشكل والمحتوى والنطاق والقيود أو حتى وجود قواعد تتعلق بواجب الإبلاغ وتفاعله مع واجب السرية. ووجد الخبراء أيضًا أن الطريقة التي يتم بها تحقيق التوازن بين القواعد المتضاربة والمتنافسة غير واضحة، وأنه لا يوجد بلد لديه إجراءات محددة لحل مثل هذه التضاربات. وأكدوا أن واجب الإبلاغ قد يتعارض مع واجب السرية وواجب العلاج. ولم يتخذ سوى عدد قليل جدًّا من البلدان موقفًا واضحًا بشأن حقيقة أن العلاج الطبي الطارئ له الأسبقية على متطلبات الإبلاغ وأن الشرطة لا يجوز لها التدخل في العلاج الطبي أو حتى الاقتراب من ضحية طلق ناري دون إذن الطبيب. كما أن عددًا قليلًا جدًّا من البلدان أدرجت في قوانينها الوطنية الحصانة التي يتمتع بها الأطباء من العقاب والعقوبات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
وفي عام 2020، توصل تقرير مشترك صادر عن الصليب الأحمر البريطاني واللجنة الدولية للصليب الأحمر حول الإبلاغ الإلزامي عن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة إلى نتيجة مماثلة. ويدفع التقرير بأن الإبلاغ الإلزامي قد يكون حسن النية لمكافحة الإفلات من العقاب ومنع الجرائم في المستقبل وحماية الضحايا، إلا أنه قد يتعارض مع القانون الدولي وأخلاقيات مهنة الطب ويخلق معضلات قانونية وأخلاقية لمقدمي الرعاية الصحية. كما تبين أن الإبلاغ الإلزامي عن العنف الجنسي يمكن أن يعيق الحصول على الرعاية الصحية ويعرض الضحايا والعاملين في مجال الرعاية الصحية لمزيد من الأذى.
تمثل الإدارة القانونية والأخلاقية لهذه الالتزامات الطبية المزدوجة والمتضاربة جوهر حماية الأنشطة الطبية، لا سيما في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. وفي الواقع، في مثل هذه النزاعات، يقع تقديم الرعاية الطبية للجرحى والمرضى المرتبطين بجماعات مسلحة غير تابعة للدولة في خليط قانوني خطير بين القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الوطني المحلي. وقد يُجرِّم القانون الوطني ما يُشكل واجبًا قانونيًّا وأخلاقيًّا على العاملين في المجال الطبي بموجب القانون الدولي الإنساني، لا سيما فيما يتعلق بتقديم الرعاية الطبية والإبلاغ الإلزامي للسلطات، إذا كانت الجماعة المسلحة غير الحكومية مصنفة على أنها إرهابية.
كان هذا الخطر في صميم المناقشات التي أدت إلى اعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2286 في عام 2016 لوقف موجة الهجمات المختلفة التي شُنت على المستشفيات.
وأشار القرار إلى القواعد المعمول بها في القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بعدم معاقبة أي شخص على قيامه بأنشطة طبية وفقًا لأخلاقيات مهنة الطب. كما أعاد التأكيد على واجب ضمان عدم إجبار الأشخاص الذين يمارسون أنشطة طبية على القيام بأعمال تتعارض مع قواعد أخلاقيات مهنة الطب أو غيرها من القواعد الطبية في رعاية الجرحى والمرضى. وتوضح هذه الصيغة بعض التفسيرات المثيرة للجدل بشأن الواجب المزدوج للأطباء في احترام السرية الطبية في حدود الالتزامات الوطنية المتعلقة بالإبلاغ الإلزامي عن ضحايا العنف والجروح الناتجة عن طلقات نارية. ولم يشر القرار إلى القانون الوطني والإبلاغ الإلزامي، بل أشار إلى أن الأطباء لا يمكنهم التصرف بما يتعارض مع القواعد الأخلاقية ومصلحة المريض الفضلى. وبذلك، أكد على الأحكام الأكثر حماية في القانون الدولي الإنساني في هذا المجال، وكرر أن أي شخص يمارس أنشطة طبية وفقًا لأخلاقيات مهنة الطب لا يجوز معاقبته، دون أن يجعل هذا الإعفاء من العقاب مشروطًا بالامتثال للقانون الوطني.
إن التذكير باحترام أكثر أطر القانون الدولي الإنساني وأخلاقيات مهنة الطب تقدمية على أعلى مستوى في منظمة الأمم المتحدة لا يحل المشاكل العملية التي تخلقها التشريعات الوطنية التقييدية. ومع ذلك، فإنه يخلق مساحة وشرعية أكبر لمواجهة وتقييد تأثيرها السلبي على الرعاية الطبية في حالات النزاع المسلح.
ثالثًا: ـ قواعد أخلاقيات مهنة الطب التي تطبَّق في حالات الاحتجاز والتعذيب
اعتمدت الجمعية الطبية العالمية أربع وثائق محددة تركز على المبادئ الأخلاقية والتوجيهات المطبقة على حالات التعذيب (أ). كما اعتمدت الدول، تحت رعاية الأمم المتحدة، نصوصًا دولية لتعزيز قواعد أخلاقيات مهنة الطب المطبقة في حالات الاحتجاز والتعذيب (ب). وتشمل هذه النصوص المبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب المطبقة على حالات الاحتجاز (ب-1)، ومبادئ أخلاقيات مهنة الطب المطبقة على دور العاملين في مجال الصحة، ولا سيما الأطباء، في حماية السجناء والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (ب-2) ودليل التحقيق الفعال في حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وتوثيقها، المعروف أيضًا باسم بروتوكول اسطنبول (ب-3).
وتعزز هذه النصوص المبادئ الأخلاقية المهنية وتكملها. ومن المهم أن يتمكن الأطباء من الرجوع إلى هذه النصوص الدولية بالإضافة إلى القواعد المهنية الواردة في المدونة الدولية للأخلاقيات.
مشاركة أفراد الخدمات الطبية الإيجابية أو السلبية في أعمال تعذيب، أو معاملة مهينة لأشخاص محتجَزين أو محرومين، بأي شكل من الأشكال من حرِّيتهم، هي ممارسة تكشَّفت في كثير من الظروف. وتضاعف هذه المشاركة شعور الضحية بالعجز والخوف، وتزيد من فعالية التعذيب في هدفه تدميرَ أي قدرة على المقاومة البدنية أو المعنوية، بالنسبة إلى الفرد أو داخل مجموعة، وإطالة أمد الألم من دون التسبُّب في الوفاة.
جرى تطوير قواعد خاصة للأخلاقيات تطبق في حالات الاحتجاز والتعذيب بهدف الحد من تعرُّض أفراد الخدمات الطبية لضغوط من قوَّات الأمن أو الجيش أو العناصر الفاعلة المسلَّحة.
وأظهرت دراسات عديدة أن أفراد الخدمات الطبية يفتقرون إلى التجهيزات الكافية على المستويين المهني والنفسي لرفض المشاركة في ممارسات ترى السلطات أنها تتجاوز حدود مسؤوليتهم المباشرة. يعتبر بعض الأطباء أنهم لم يعودوا في علاقة علاجية مع المريض، وإنما في تفاعل فني مع السلطات، وأنه، بناءً على ذلك، فإن قواعد أخلاقيات مهنة الطب لا تنطبقعلىالوضع. ومع ذلك، في بعض البلدان، قد تتطلب القوانين الوطنية من الأطباء الإشراف على إجراءات مثل عقوبة الإعدام، والتشويه الجسدي، والاستجواب القمعي للسجناء، أو التغذية القسرية للسجناء المضربين عن الطعام.
وقد دفع هذا الوضع الجمعية الطبية العالمية إلى وضع إرشادات أخلاقية محددة بشأن هذه المسألة في أربع وثائق خاصة(أ-1) كما اعتمدت الأمم المتحدة ثلاث وثائق مهمة بشأن دور العاملين في المجال الطبي واحترام أخلاقيات مهنة الطب في حالات الاحتجاز والتعذيب (ب-2).
أ- القواعد الخاصة التي اعتمدتها الجمعية الطبية العالمية ومنظمات طبية أخرى بشأن التعذيب
- إعلان طوكيو الصادر عن الجمعية الطبية العالمية، والمعروف أيضًا باسم "المبادئ التوجيهية للأطباء بشأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في سياق الاحتجاز والسجن"، الذي اعتمد في عام 1975 ونقح في أعوام 2005 و2006 و2016؛
- يحظر إعلان طوكيو على الأطباء التغاضي عن ممارسات التعذيب أو غيره من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو التساهل فيها أو المشاركة فيها، بغض النظر عن الجريمة التي يشتبه في ارتكابها أو يتهم بها أو يدان بها ضحية هذه الممارسة، وبغض النظر عن معتقدات الضحية أو دوافعها، وفي جميع الحالات، بما في ذلك النزاعات المسلحة والاضطرابات المدنية؛
- إعلان هامبورغ الصادر عن الجمعية الطبية العالمية بشأن دعم الأطباء الذين يرفضون المشاركة في التعذيب أو غيره من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو التغاضي عنها، الذي اعتمد في عام 1997 وأعيد تأكيده في عام 2007 ومرة أخرى مع تعديل طفيف في عام 2017.
انضمت إلى إعلان طوكيو الصادر عن الجمعية الطبية العالمية إعلانات صادرة عن منظمات طبية أخرى:
- إعلان هاواي لعام 1977 الصادر عن الجمعية العالمية للطب النفسي (تم تحديثه في عام 1983)؛
- إعلان مدريد لعام 1996 وسبعة مبادئ توجيهية عامة للجمعية العالمية للطب النفسي أعيد تأكيدها في أعوام 1999 و2002 و2005 و2011، والتي حلت محلها الآن مدونة أخلاقيات الجمعية العالمية للطب النفسي لعام 2020؛
- بيان موقف صادر عن المجلس الدولي للممرضات والممرضين عام 1975 بشأن دور الممرضات والممرضين في رعاية المحتجزين والسجناء (استُبدل في عام 1998 ببيان موقف آخر صادر عن المجلس الدولي للممرضات والممرضين يحمل نفس الاسم، ثم تم تنقيحه في عامي 2006 و2011).
في عام 2022، قررت الجمعية الطبية العالمية إدراج هذا الموضوع كواجب أخلاقي دائم في المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطب المنقحة: يجب على الطبيب ألا يشارك أبدًا في أعمال التعذيب أو غيرها من الممارسات والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو يسهلها" (الفقرة 10).
إن هذه المعايير الأخلاقية ومقدمة المدونة الدولية لأخلاقيات مهنة الطبالتي تنص على أن المعايير والمقاييس الأخلاقية والقانونية والتنظيمية الوطنية لا ينبغي أن تقلل من التزام الأطباء بالمبادئ الأخلاقية المنصوص عليها في المدونة، تفرض ضغطًا كبيرًا على الأطباء العاملين في البلدان التي تفرض فيها التشريعات الوطنية على الأطباء القيام بممارسات قسرية. ومع ذلك، قررت الجمعية الطبية العالمية أن قيمة توفير معيار مهني دولي للأخلاقيات الطبية تسمح بمناقشة المعايير الوطنية المتضاربة.
ويمكن أن تتخذ مشاركة الأطباء في عمليات استجواب، وسوء معاملة، أشكالًا متعدِّدة، وتكون في أغلب الأحيان غير مباشرة. وقد تشمل هذه المشاركة الرصد، والمراقبة، والمساعدة، ونقل معلومات طبية، وإعطاء دواء لا تقتضيهحالةالمريض،ومندونموافقته،وتزويرملفاتطبية،أوشهاداتوفاة،أوتقديمرعايةطبيةتسمحبإطالةأمدالتعذيب. لذلككانمنالضروريتوضيحالقواعدالمتعلقةبمشاركة أفراد الخدمات الطبية سواء بالفعل أو بالتغاضي عنه في أعمال تعذيب، وتنظيم المضمون الأخلاقي لالتزامات الأطباء تجاه المرضى المحتجَزين.
ب- قواعد أخلاقيات مهنة الطب التي اعتمدتها الأمم المتحدة بشأن الاحتجاز والتعذيب
تتجمع القواعد التي اعتمدتها الأمم المتحدة في هذا المجال حول ثلاث وثائق رئيسية. تتعلق الأولى على وجه التحديد بالمبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب المطبقة على حالات الاحتجاز (1)؛ وتحدد الثانية مبادئ أخلاقيات مهنة الطب المطبقة على دور العاملين في مجال الصحة، ولا سيما الأطباء، في حماية السجناء والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (2). أما الوثيقة الثالثة، المعنونة بروتوكول اسطنبول، فهي دليل للتحقيق الفعال في التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ولإثبات وقائع هذه الأفعال. ويقدم هذا الدليل دور المهنيين في مجال العدالة، فضلًا عن الإدارة الأخلاقية للمعضلات التي يواجهها المهنيون الصحيون في مثل هذه الحالات (3).
1- المبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب المطبقة على حالات الاحتجاز
في عام 1982 قنَّنت الأمم المتحدة المبادئ الأساسية لأخلاقيات مهنة الطب التي تطبَّق في حالات الاحتجاز (1). وتكمل تلك القواعد المبادئ الأخرى التي يشملها القانون الدولي الإنساني، وتتعلق بممارسات المهمة الطبية تجاه سجناء الحرب وغيرهم من الأشخاص المحرومين من حريتهم في حالات النزاع. وهي أيضًا تُكمل القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة في عام 1977 (قرارا المجلس الاقتصادي والاجتماعي 663 ج (24) المؤرخ 31 تموز/يوليه 1957 و2076 (62) المؤرخ 13 من أيار/مايو عام 1977) والتي احتوت بالفعل على العديد من القواعد المرتبطة بحقوق المحتجَزين وممارسات المهمة الطبية في أماكن الاحتجاز. لكن تلك القواعد كانت موجَّهة بالأساس إلى الدول، ولم توضِّح حدود أخلاقيات مهنة الطب والمسؤولية الفردية لأفراد الخدمات الطبية في مثل تلك الانتهاكات. وفي عام 1974، وفر اعتماد بروتوكول اسطنبول من قبل الأمم المتحدة توجيهات مباشرة لأفراد الخدمات الطبية في إدارة حالات التعذيب وسوء المعاملة بطريقة أخلاقية (2). ويؤكد البروتوكول على أخلاقيات العلاقة مع القائم بالعلاج مقابل أشكال أخرى من التواجد الطبي، ويقترح مبادئ توجيهية للإدارة الأخلاقية للمعضلات الناشئة عن الالتزامات المزدوجة والمتضاربة للأطباء بموجب القانون الوطني.
2 - مبادئ أخلاقيات مهنة الطب المتعلقة بدور أفراد الخدمات الصحية، لا سيما الأطباء، في حماية السجناء والمحتجَزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو الحاطَّة بالكرامة
تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة تلك المبادئ بالإجماع في 18 كانون الأول/ ديسمبرعام 1982 (القرار 37/194). وهيتتجاوزمبادئأخلاقياتمهنةالطبالتيحدَّدها دستور نورمبرغ لعام 1947، والتي كانت مقتصرة على تنظيم عمليات التجارب على المحتجَزين. وتُكمِّل القواعد المرتبطة بعمل المهمة الطبية في حالات النزاع، والتي تحظر مشاركة الأطباء سواء بالفعل، أو بالتغاضي عنه، في أعمال التعذيب، أو المعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو الحاطَّة بالكرامة بحقِّ المحتجَزين. وفي النهاية فهي تعزِّز القواعد العامة لأخلاقيات مهنة الطب بمواءمتها مع المخاطر الخاصة المرتبطة بالاحتجاز.
تحدِّد هذه المبادئ ستة مبادئ أساسية لا يجوزتقييدأيمنهالأيسببمنالأسباب،بمافيذلكحالةالطوارئالعامة (المبدأ 6).
المبدأ الأول يجدِّد التأكيد على قاعدة عدم التمييز والمساواة في المعاملة الطبية بغض النظر عن وضع المريض: «من واجب الموظفين الصحيِّين، وبخاصة الأطباء، المكلََّفين بالرعاية الطبية للمسجونين والمحتجَزين، أن يوفِّروا لهم حمايةَ صحتهم البدنية والعقلية، وأن يعالجوا المرض معالجةً من نفس النوعية والمستوى المتاحين لغير المسجونين أو المحتجَزين».
المبدأ الثاني يوضح مضمون المسؤولية الفردية لمقدِّم الرعاية في المشاركة سواء بالفعل أو بالتغاضي عنه في إساءة المعاملة: «إن مما يشكِّل انتهاكًا جسيمًا لآداب مهنة الطب، وجريمة بموجب الصكوك الدولية المنطبقة، أن يقوم الموظفون الصحِّيون، ولا سيما الأطباء، بطريقة إيجابية أو سلبية، بأعمال تشكِّل مشاركة في التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة».
يؤكد المبدأ 3 أن المشاركة السلبية أو الإيجابية للطبيب في التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية تثبت بمجرد إثبات أن دور العاملين في المجال الطبي له هدف آخر غير تقييم أو حماية أو تحسين الصحة البدنية أو العقلية للأشخاص المعنيين: «مما يشكِّل انتهاكًا لآداب مهنة الطب أن يقيم الموظفون الصحِّيون، ولا سيما الأطباء، أية علاقة مهنية مع السجناء، أو المحتجَزين، لا يكون القصد الوحيد منها هو تقييم الصحة البدنية، أو العقلية للسجين، أو المحتجَز، أو حمايتها أو تحسينها».
يوضح المبدأ 4 حدود تواطؤ الطاقم الطبي في سوء معاملة المعتقلين وتعذيبهم «إن مما يشكِّل انتهاكًا لآداب مهنة الطب أن يقوم الموظفون الصحِّيون ولا سيما الأطباء، بما يلي: (أ) استخدام معارفهم ومهاراتهم للمساعدة في أساليب استجواب السجناء والمحتجَزين على نحوٍ قد يضرُّ بالصحة، أو الحالة البدنية، أو العقلية لهؤلاء المسجونين، أو المحتجَزين، أو يتنافى مع الصكوك الدولية ذات الصلة؛ (ب) الشهادة أو الاشتراك في الشهادة بأن السجناء أو المحتجَزين لائقون لأي شكل من أشكال المعاملة، أو العقوبة التي قد تضرُّ بصحتهم البدنية، أو العقلية، والتي تتنافى مع الصكوك الدولية ذات الصلة».
ويذكر المبدأ 5 «إن مما يشكِّل انتهاكًا لآداب مهنة الطب أن يشترك الموظفون الصحِّيون، ولا سيما الأطباء، في أي إجراء لتقييد سجين أو محتجَز، إلا إذا تقرَّر بمعايير طبِّية محضة أن هذا الإجراء ضروري لحماية الصحة البدنية، أو العقلية، أو السلامة، للسجين أو المحتجَز ذاته، أو زملائه السجناء، أو المحتجَزين، أو حرَّاسه، ولا يشكِّل خطرًا على صحته البدنية أو العقلية».
3 - بروتوكول اسطنبول: دليل التقصِّي والتوثيق الفعَّالَين بشأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
يقدِّم هذا الدليل الصادر تحت اسم إعلان اسطنبول الذي أقره المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 9 آب/أغسطس 1999 (آخر مراجعة في 2022)، مبادئ توجيهية لمساعدة العاملين في الرعاية الصحية على إدارة المعضلات الأخلاقية في مواجهة التعذيب وإساءة المعاملة (أ). ويذكِّر أيضًا بالتزام الأطباء بتوثيق التعذيب وإساءة المعاملة، وبحظر المشاركة في تلك المعاملات (ب).
أ) أخلاقيات العلاقة العلاجية
يؤكد الدليل أن العلاقة الأخلاقية الوحيدة بين السجين والموظف الصحِّي هي علاقة تهدف لتقييم صحة السجناء وحمايتها وتحسينها. ومن الواضح أن تقييم صحة المحتجَزين بهدف تسهيل العقوبة، أو التعذيب، يتنافى مع أخلاقيات مهنة الطب. ولأغراض هذا الدليل، فإن «المشاركة في التعذيب» تشمل تقييم قدرة الفرد على تحمُّل المعاملة السيئة؛ أو الحضور أثناء المعاملة السيئة، أو الإشراف عليها، أو القيام بها؛ أو إنعاش أفراد بغرض تعريضهم لمزيد من سوء المعاملة، أو تقديم العلاج الطبي فورًا، قبل التعذيب، أو أثناءه، أو بعده، بناءً على تعليمات من الأشخاص المحتمل أن يكونوا مسؤولين عنه؛ وتقديم معرفة مهنية، أو معلومات صحية شخصية، عن الأفراد إلى المعذَّبين؛ وتجاهل أدلَّة عمدًا، وتزوير تقارير، مثل تقارير تشريح الجثث وشهادات الوفاة.
يذكِّر الدليل بالالتزامات الجوهرية الثلاثة للطبيب: (1) تقديم الرعاية الرؤوف على النحو الذي يحقق مصلحة المريض وحده، و(2) واجب الحصول على موافقة المريض الصادرة عن علم، و(3) احترام السرِّية الطبِّية، وعدم إلحاق ضرر بالمريض.
يوضح الدليل المعضلات المرتبطة بالتزامات أفراد الخدمات الطبية تجاه المريض من جهة، وتجاه المجتمع من جهة أخرى، ويقدِّم مبادئ توجيهية لإدارة تلك المعضلات الأخلاقية.
فيما يتعلق بالمعضلات المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، ينص الدليل على أنه عندما لا يتصرف الطبيب بناءً على طلب المريض أو في إطار علاقة علاجية تسترشد بمصلحة المريض الفضلى، يجب عليه إطلاع المريض على طبيعة المهمة وقيود السرية. يجب على الطبيب شرح أسباب الفحص أو العلاج. يجب أن يظل المريض حرًّا في الموافقة أو عدم الموافقة.
إذا كان الطبيب يتصرف بناءً على طلب طرف ثالث، مثل إدارة السجن أو أحد أفراد الجيش أو مسؤول أمني، فيجب عليه رفض أي أمر قد يضر بصحة المريض الجسدية أو العقلية، وضمان حصول المريض دائمًا على الرعاية اللازمة. يجب على الطبيب أيضًا الدفاع عن استقلالية وحياد التشخيصات والقرارات الطبية. أخيرًا، يجب على الطبيب ضمان عدم انتهاك سرية المعلومات الطبية التي يتم جمعها أثناء عمله دون موافقة المريض وعلمه.
ب) الإدارة الأخلاقية للمعضلات الناشئة عن ازدواج الالتزامات وتضاربها
يشير الدليل إلى أن الأطباء يواجهون بشكل متكرر ازدواجًا في الالتزامات عليهم أن يبتُّوا بها بناءً على المبادئ الأخلاقية. على سبيل المثال، ثمَّة تناقض بين واجب تقديم الرعاية وواجب عدم المشاركة في إساءة المعاملة، أو بين الالتزام بالسرِّية الطبِّية تجاه المريض والالتزام بالكشف عن معلومات طبية للسلطات. وتوضح الوثيقة المبادئ التي يمكن أن تساعد أفراد الخدمات الطبية في التعامل مع تلك الالتزامات المزدوجة.
ويؤكد أن الحظر المطلق على إلحاق الضرر بالمريض هو المعيار الأخلاقي الوحيد الذي يفيد في إدارة المعضلات الأخلاقية المتصلة برفع السرِّية الطبِّية أو الإبقاء عليها.
وعندما تكون المعضلة بين التزام أخلاقي والتزام قانوني، مثل الالتزام بكشف معلومات سرِّية بخصوص مريض، ينبغي دائمًا أن تكون السيادة للقاعدة الأخلاقية.
ويذكر أيضًا أن الأطباء يجب ألا يستندوا أبدًا في قراراتهم الأخلاقية إلى مجرد الامتثال لمتطلبات قانونية. عند اتخاذ قرارهم، يجب على الأطباء تقييم المخاطر التي يتعرض لها المريض من جراء إخطار السلطات بسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز الخاضعة لسيطرتها. ويشمل ذلك، على وجه الخصوص، الضغط من السلطات للحصول على المعلومات الطبية الشخصية والسجلات الطبية عن المرضى المعنيين، أو لتقييد استقلالية الطبيب وحق المريض في الحصول على الرعاية. وفي نهاية المطاف، فإن المبدأ الأخلاقي المتمثل في سرية المعلومات المتعلقة بالمريض يغلب على أي التزام قانوني بالإبلاغ.
وعلى العكس من ذلك، عندما تكون المعضلة بين التزامين أخلاقيين مختلفين، ينبغي أن يسود المبدأ الذي يتضمن تجنُّب أي ضرر للمريض. ويتضح هذا مثلًا في التزام الطبيب المزدوج باحترام السرِّية الطبِّية، وأيضًا حماية المريض المستضعف من معاملته معاملة سيئة نتيجة تحذير السلطات بشأن حالته الصحية.. في مثل هذه الحالة، لا يمكن الكشف عن المعلومات السرية إلا بموافقة المريض وإن كان هذا في مصلحة المريض. يذكِّر الدليل أيضًا بأنه يجب على الطبيب ألَّا يستند أبدًا في قراره الأخلاقي إلى الامتثال فقط لمطلب قانوني.
رابعًا: ـ اللجوء للقضاء والعقوبات بسبب انتهاكات أخلاقيات مهنة الطب
قد تندرج بعض الانتهاكات المحددة لأخلاقيات مهنة الطب ضمن تعريف الجرائم الدولية، لا سيما فيما يتعلق بحظر المشاركة في التعذيب، أو جرائم الحرب، أو الجرائم ضدَّ الإنسانية، أو المساعدة فيها، أو التحريض عليها.
ووسَّعت البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف قائمة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني لتشمل كل عمل عمدي، أو إحجام مقصود، يؤثر عن قصد في الحالة الصحية للأشخاص المحميِّين في حالات النزاع (البروتوكول 1،المادة 11 ـ 4؛البروتوكول 2،المادة 5 ـ 2 هـ).
وبالتالي، يمكن مقاضاة مرتكبي هذه الجرائم في ظل ظروف معينة أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC). كما يمكن مقاضاتهم في ظل ظروف معينة أمام المحاكم الوطنية لأي بلد، وذلك بموجب مبدأ الاختصاص العالمي على جريمة التعذيب (المادتان 2 و5 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، واتفاقية جنيف 1 ـ 4،المواد 49، 50، جنيف 2، المادة 129، جنيف 4، المادتان 146 و147؛ البروتوكول 1،المادة 85 ـ 1) وكذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية طبقًا للتعريف الوارد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويجوز أيضًا محاكمة أفراد الخدمات الطبية الذين يتصرفون بما يخالف، أو يتنافى، مع أخلاقيات مهنة الطب أمام هيئات تأديبية (نقابات الطب). تلك السلطات لا يمكنهاإصدارعقوباتجنائية،لكنبوسْعهاإلغاءحقالأطباءفيممارسةالمهنة. وتهدفتلكالعقوباتإلىحماية المجتمع من الأفعال التي تنتهك الممارسات المهنية الصالحة. وعلى الرغم من ذلك، ففي الحالات التي تشمل مشاركة أفراد الخدمات الطبية في ممارسات مسيئة من قِبَل الدولة، مثل إساءة معاملة محتجَزين أو تعذيبهم، تميل السلطات التأديبية المحلِّية إلى اعتبار ذلك قضية سياسية وليست أخلاقية، ينبغي التعامل معها أمام المحاكم الوطنية. هذا ما قرَّرَتْه كلية الطب في كاليفورنيا عام 2005 عندما رفضت التحقيق في حالة طبيب مسؤول عن معاملة معتقلين في غوانتانامو. وجرى تناول القضية من قبل بالفعل، في ما يخصُّ الطبيعة الأخلاقية أو اللاأخلاقية لمشاركة أطباء في تطبيق عقوبة الإعدام بالحقنة المميتة. وفي ما يتعلقبالحالةالثانية،فإنالقضيةالأخلاقية،علىالرغممنذلك،منفصلةفيوقتالسلمعنالقضيةالجنائيةالخاصةبالمشاركةفيأعمالتعذيب،نظرًالأنتعريفاتفاقيةمناهضةالتعذيبيستثنيالمعاناة الناتجة عن فرض عقوبة جنائية تُصدرها محكمة نظامية.
وفي ضوء صعوبة تعامل الاتحادات الطبية الوطنية مع قضية مشاركة الأطباء في تعذيب محتجَزين وإساءة معاملتهم، اقترح تفويض تلك المسألة إلى هيئة دولية مهنية، مثل الجمعية الطبية العالمية، أو إنشاء كيان جديد خصِّيصًا للتعامل مع هذه القضية. ويمكن القول إن مثل هذه الخطوة لن يضعف الاختصاص القضائي الجنائي الوطني أو الدولي، والذي لا يزالغيرنشطبشكلكبيرفيتلكالأمور،لكنه،علىالعكس،يحفزالتفكيروعمليةصنعالقرارالأخلاقيداخلالحقلالطبي.
← احتجاز؛ سوء المعاملة؛ واجبات طبية؛ أفراد الخدمات الطبية؛ خدمات طبية؛ اغتصاب؛ تعذيب؛ جرائم حرب/ جرائم ضدَّ الإنسانية؛ الأشخاص الجرحى والمرضى
✐@ للاتصال:
الجمعية الطبية العالمية: http://www.wma.net/fr/10home/index.html
الرابطة العالمية للطب النفسي: http://www.wpanet.org/
المجلس الدولي للممرضات والممرضين: https://www.icn.ch/
المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية: http://www.islamset.com/ioms/main.html
الاتحاد العالمي للجمعيات الطبية الإسلامية: http://fimaweb.net/cms/
جمعية الكومنولث الطبية: http://www.sci-tech-soc.org/CMA.html
📖 لمزيد من المعلومات:
- Amnesty International, Ethical Codes and Declarations Relevant to the Health Professions: An Amnesty International Compilation of Selected Ethical and Human Rights Texts and Other International Standards, Fifth edition, London: Amnesty International, 2009. Available at https://www.amnesty.org/en/wp-content/uploads/2021/06/act750022011en.pdf
- Beauchamp T., Childress J., Principles of biomedical ethics, 8th ed., New York, NY: Oxford University Press, 2019.
- Bonnie, Richard J., “Political abuse of psychiatry in the Soviet Union and China: Complexities and Controversies”, The Journal of the American Academy of Psychiatry and the Law, February 2002, vol. 30: 136-144. Available at https://jaapl.org/content/jaapl/30/1/136.full.pdf
- Borchelt, Gretchen, “Break Them Down: Systematic Use of Psychological Torture by US Forces”, Report, Physicians for Human Rights, Cambridge, 2005. Available at https://humanrights.ucdavis.edu/resources/library/documents-and-reports…
- British Medical Association, The Medical Profession and Human Rights: Handbook for a Changing Agenda. London: Zed Books in association with BMA and New York: Palgrave, St. Martins Press, 2001, 562 pages.
- British Red Cross, Forced to report: The humanitarian impact of mandatory reporting on access to health care for victims/survivors of sexual violence in armed conflict and other emergencies, April 2020, 44 pages. Available at https://www.redcross.org.uk/-/media/documents/about-us/international/fo…
- Grodin, Michael and Annas, George, “Physicians and Torture: Lessons Learned from the Nazi Doctors.”, International Review of the Red Cross, vol. 89, Issue 867 (September 2007): 635-654.
- Gunn, M. J. and McCoubrey, H., “Medical Ethics and the Laws of Armed Conflict.”, Journal of Armed Conflict Law, vol. 3, no. 2 (December 1998): 133-161.
- Human Rights Watch, The Legacy of psychiatric abuse in the USSR, 1990. Available at https://www.hrw.org/reports/pdfs/u/ussr/ussr2905.pdf
- International Committee of the Red Cross (ICRC), Reporting gunshot wounds, Study provides insights on health staff practices revolving reporting gunshot wounds, 9 December 2019. Available at https://www.icrc.org/en/document/report-gunshot-wounds-study-gives-fres…
- Forced to report: Mandatory reporting of sexual violence in armed conflict, 8 July 2020. Available at https://www.icrc.org/en/event/mandatory-reporting-sexual-violence-armed…
- Islamic Organization for Medical Sciences, “The Islamic Code of Medical Ethics”, 1981
- Miles, Steven H., “Abu Ghraib: Its Legacy for Military Medicine”, Lancet Medical Journal, vol. 364, Issue 9435, (August 2004): 725-729.
- Parsa-Parsi, Ramin, W., Gillon, Rannan and Wiesing, Urban, “The revised International Code of Medical Ethics: an exercise in international ethical self-regulation”, Journal of Medical ethics, 24 July 2023. Available at https://jme.bmj.com/content/medethics/early/2023/07/24/jme-2023-109027…
- Pérez-Sales, Pau, « La version 2022-révisée du Protocole d'Istanbul: kit d'orientation pour les personnes en situation d’urgence », Torture Journal, vol. 32, no. 3, p. 3-15, September 2022. Available at https://www.researchgate.net/publication/363574943_La_version_2022-revi…
- Swiss Institute of Comparative Law and ICRC, Legal Opinion on the Obligation of Health Care Professionals to Report Gunshots Wounds; 2019, 120 pages. Available at https://www.isdc.ch/media/1834/17-120-final-nov19.pdf
- The Constitution Project’s Task Force on Detainee Treatment, “The Role of Medical Professionals in Detention and Interrogations Operations.”, Chapter 6, in The Report of the Constitution Project’s Task Force on Detainee Treatment, 2013, Washington, D.C., 203-242. Available at https://detaineetaskforce.org/pdf/Chapter-6_Role-of-Medical-Professiona…
- United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO), Universal declaration on bioethics and human rights, 19 October 2005. Available at https://www.unesco.org/en/legal-affairs/universal-declaration-bioethics…
- United Nations Human Rights Office of the High Commissioner (OHCHR), “Istanbul Protocol, Manual on the Effective Investigation and Documentation of Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment” New York and Geneva, 2022. Available at https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/publications/2022-0…;
- “Principles of Medical Ethics Relevant to the Role of Health Personnel, Particularly Physicians, in the Protection of Prisoners and Detainees against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment” General Assembly Resolution 37/194, 18 December 1982. Available at https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/principles-…
- United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), “Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners” Adopted by the First United Nations Congress on the Prevention of Crime and the Treatment of Offenders, Geneva, 1955. Approved by the Economic and Social Council, Resolutions 663 C (XXIV), 31 July 1957, and 2076 (LXII), 13 May 1977. Available at https://www.unodc.org/documents/justice-and-prison-reform/Nelson_Mandel…
- Van Voren, Robert, “Political Abuse of Psychiatry: An Historical Overview”, Schizophrenia Bull, January 2010, vol. 36, no.1, p. 33-35.
- Van Voren, Robert and Keulens, Robert, “The abuse of Psychiatry in Psychiatric
- ethics”, Schizophrenia Bulletin, vol. 36, Issue 1, January 2010, pages 33–35. Available at
- https://academic.oup.com/book/31719/chapter-abstract/265424333?redirect…
- Viñar, Marcelo N., “Civilization and Torture: Beyond the Medical and Psychiatric Approach.”, International Review of the Red Cross, vol. 89, Issue 867, (September 2007): 619-633.
- World Health Organization, Global network of WHO collaborating centres for bioethics, 3 December 2021, Available at https://www.who.int/groups/global-network-of-who-collaborating-centres-…
- World Medical Association, “Declaration of Tokyo” – Guidelines for physicians concerning torture and other cruel, inhuman or degrading treatment or punishment in relation to detention and imprisonment, 2016. Available at: https://www.wma.net/ policies-post/wma-declaration-of-tokyo-guidelines-for-physicians-concerning-tortureand-other-cruel-inhuman-or-degrading-treatment-or-punishment-in-relation-todetention-and-imprisonment/
- “Geneva Declaration of 1948: Physician’s pledge” Available at https://www.wma.net/fr/policies-post/declaration-de-geneve/
- “International Code of Medical Ethics”, October 2006. Available at https://www.wma.net/wp-content/uploads/2022/10/International-Code-of-Me…
- “International code of medical ethics”, October 2022. Available at https://www.wma.net/policies-post/wma-international-code-of-medical-eth…
- “Medical Ethics Manual”, 3rd ed., 2015. Available at https://www.wma.net/wp-content/uploads/2016/11/Ethics_manual_3rd_Nov201…



